الفصل التاسع عشر
**نظرت ريليان إلى القاعة الكبيرة والضخمة جدًا، لتجد أن هناك أشخاصًا من مختلف الأجناس والأديان. جلست على المقعد وهي تشعر بخوفٍ شديد، عندما وجدت القسيس البرت يجلس على المنصة في الأعلى، وهو صديق والدها. ابتلعت ريقها، وقد بدأت أنفاسها تنقطع، لتمسك بيد سارة بخوف:
- سارة... أريد أن أخرج من هنا.
نظرت إليها سارة باستغرابٍ وتعجب:
- ما الأمر؟ ما الذي حدث؟
أشارت ريليان نحو أحد الأشخاص، لتجيبها بخوف:
- هذا القسيس آلبرت، إنه قسيس الكنيسة وصديق والدي.
نظرت سارة إليه، ثم ضغطت على يدها مطمئنةً إياها:
- لا تقلقي يا ريليان، لن يراكِ بين هذه الحشود من الناس، ثم إن سليم لم يُجلسنا في المقاعد الأمامية، نحن في المنتصف.
زفرت ريليان بقوة، وهي تدعو الله أن يكون معها، وألا يراها آلبرت.
دقائق معدودة بعدها عمّ الهدوء المكان عندما تقدم منظم الندوة، وهو رجلٌ في منتصف العمر، متحدثًا خلف مكبر الصوت، مرحبًا بهم:
- أهلًا ببريق تواجدكم الماسي، أهلًا بشذى أريج ورودكم، طبتم وطابت زيارتكم،
فبباقةٍ من ورود المحبة نستقبل موكب قدومكم الميمون، حياكم الله من ممشاكم إلى ملقاكم. فمرحبًا بكم بين زهور الإبداع، ورحيق الأخوة، وشهد المحبة، أتمنى لكم ندوةً هادفة، ومواضيع نافعة، وننتظر بوح أسئلتكم وجميل آرائكم.
قام بتعديل جهاز مكبر الصوت على اذنيه جيدًا مكملًا حديثه:
من لديه، من الآن، أيُّ سؤالٍ فيما سبق من لقاءات، أو أيُّ سؤالٍ يريد أن يوجهه للدكتور سليم محمد، فإنه مستعد للإجابة عن ذلك بصدرٍ رحب.
وقف القس آلبرت متحدثًا بنبرةٍ هادئة، لكنها تحمل تحديًا واضحًا:
- الآن، وبالتحديد اليوم، سنشهد صراعًا وحديثًا سيكون مهمًا للغاية، وسأكون صريحًا وواضحًا إلى أبعد مدى، وآمل أن يكون لديكم النضج الكامل الذي يسمح للدكتور سليم بفرصةٍ ليجيب عن ذلك؛ لأنه تحداني في المرة السابقة،
عقد سليم بين حاجبيه بتعجبٍ محاولًا تذكر الندوة السابقة والحديث الذي دار بينه وبين ألبرت، وقد بدا ذلك واضحًا للآخر ليوضح له:
- ذكرتَ أن الإنجيل الموجود اليوم ليس هو الإنجيل الذي أُنزل على المسيح، بينما يذكر قرآنكم أنكم تؤمنون بالإنجيل والتوراة، فكيف تؤمنون بهما ثم تقولون إنهما غير محفوظين؟ أليس في ذلك تناقض؟
ساد الهمس في القاعة، بينما اعتدل سليم واقفًا بعدما تذكر الحوار، ثم نظر إلى الحاضرين قبل أن يجيب بهدوء:
- ليس في الأمر تناقض أيها القس ألبرت. فـ نحن نؤمن أن الله أنزل التوراة على موسى عليه السلام، والإنجيل على عيسى عليه السلام، لكننا نفرق بين الوحي الذي أنزله الله، وبين الكتب التي وصلت إلينا بعد قرونٍ من النقل والنسخ والتدوين.
أكمل وهو يسير ناظرًا اليه بهدوءٍ يثير الأعصاب:
- وحتى الباحثون في نقد الكتاب المقدس يقررون أنه لا توجد اليوم النسخ الأصلية التي كتبها أصحابها، وإنما توجد مخطوطات منقولة عنها، بينها اختلافات معروفة، وهذا أمرٌ لا أنقله عن كتب المسلمين، بل هو من أشهر مباحث نقد العهد الجديد.
قطب آلبرت حاجبيه بعدم فهم متسائلًا :
- ولكن الأناجيل كتبها التلاميذ، فما المشكلة في ذلك؟
ابتسم سليم ابتسامةً خفيفة، ليكمل ببساطة ودون ابتذالٍ في حديثه:
- هنا يبدأ السؤال الحقيقي، لا الجواب هل ثبت يقينًا أن كتبة الأناجيل الأربعة (متّى ومرقس ولوقا ويوحنا) هم أنفسهم؟ ستجد أن هذه المسألة محل نقاش بين عددٍ من الباحثين، بل إن أسماء الكتبة أُضيفت إلى الأناجيل في مرحلةٍ لاحقة، ولذلك تجد مقدمات كثيرٍ من الترجمات الحديثة تستعمل عبارة: "الإنجيل بحسب متّى"، لا "الإنجيل الذي كتبه متّى".
ساد الصمت في القاعة، فأردف سليم بهدوء شارحًا لهم:
- ولفهم ما أقوله، لا بد أن نعرف أن ما يُعرف بالأناجيل الأربعة (متّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا) هي نصوص تُنسب إلى تلاميذ وأتباع للمسيح عيسى عليه السلام، وتُعد جزءًا من العهد الجديد.
توقف قليلًا، ثم قال باختصار، دون التطرق إلى أفرعٍ جانبية:
- وحتى ما يُسمى بالإصحاح، فهو مجرد تقسيمٍ داخلي للنصوص؛ لتسهيل القراءة والترتيب، لا أكثر.
اعاد انظاره الى ألبرت مكملًا نقاشه الواضح:
- الان ألبرت سأعطيك مثالًا بسيطًا؛ ففي إنجيل متّى، الإصحاح التاسع، تُروى قصة دعوة متّى بصيغة الغائب: «رأى يسوع إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متّى، فقال له اتبعني، فقام متّى وتبعه...». وهذا النص وحده لا يثبت هوية الكاتب، ولذلك يناقش الباحثون نسبة السفر إلى متّى، ولا يعدون هذه المسألة محسومة تاريخيًا.
رفع القس حاجبيه متسائلًا بهجومٍ كبير، وقد وجد نفسه محاصرًا:
- إذًا أنتم ترفضون الكتاب المقدس بالكامل؟
أجاب سليم بثبات، رغم همهمات القاعة بأكملها:
- لا نرفضه بالكامل، لكننا لا نعتبر أن كل ما فيه يمثل النص الأصلي المنزل؛ لأنه مرّ بمرحلة نقلٍ وتدوينٍ عبر أشخاصٍ وأزمنةٍ مختلفة.
ثم التفت إلى الحاضرين، وقال بنبرةٍ أكثر وضوحًا:
- لذلك نحن لا نطعن في موسى ولا في عيسى عليهما السلام، بل نؤمن بهما إيمانًا كاملًا، وإنما نتحدث عن تاريخ تدوين النصوص. أما القرآن، فنحن نعتقد أنه آخر الكتب الإلهية، وأن الله تكفل بحفظه، ولذلك كانت شريعة الإسلام خاتمة الشرائع، مع بقاء الإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام.
توجهت عينيه الى مقدم البرنامج قليلًا بعدما أشار إليه ان الضيف قد وصل، مكملًا حديثه، متجاهلًا آلبرت تمامًا:
- الأنبياء يُحترمون، فقد أدوا الرسالة، واتبعوا أوامر الله عز وجل، وابتعدوا عن نواهيه، ولكن الإسلام، بوجوده، نسخ كل شريعةٍ قبله، فلا يجوز لنا أن نتبع غير الإسلام؛ واختم حديثي في هذه النقطة مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
تعالت الأصوات، والهمهمات، والتصفيق. فمنهم من كان مبهورًا، والآخر مصدومًا، ومنهم من سعد برده، أما آلبرت فقد صمت، ولم يعقب البتة، ليجلس في مكانه، بعدما وصله الرد الذي يوضح أن سليم لا يهاجم المسيحيين، وإنما يناقش مسألة حفظ النصوص كما يراها، كما وقد بدت على كثيرٍ منهم علامات التفكير أكثر من الجدل.
تقدم مسؤول الندوة ليكمل باسمًا، بعدما جلس سليم يتجرع بعض الماء:
- أيها السيدات والسادة، لدينا هنا الأستاذ صلاح الدين، المعروف سابقًا بالقس بيناير كانيهام، وسيتحدث إليكم عن رحلته بنفسه، فأرجو منكم حسن الإنصات.
تقدم رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، أشقر الشعر، أخضر العينين، طويل القامة، ممتلئ الجسد قليلًا، حتى وقف خلف مكبر الصوت، ثم ابتسم للحضور قائلًا:
- بدايةً، مرحبًا بكم جميعًا. اسمي بيناير كانيهام سابقًا، أما اليوم فأنا صلاح الدين، داعيةٌ مسلم.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بهدوء:
- كثيرون يسألونني: لماذا أقول إن الله أعادني إلى الإسلام؟ لأن النبي ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ولدتُ كما يولد كل إنسان على الفطرة، ثم نشأت في أسرةٍ نصرانية، أحببت كنيستي، وتمنيت منذ صغري أن أصبح قسيسًا، فدرست اللاهوت سنواتٍ طويلة، وسافرت إلى روما والفاتيكان، وبذلت كل ما أستطيع لأتعمق في ديني.
تنهد قليلًا، قبل أن يكمل:
- لكن الأسئلة لم تتوقف يومًا. كنت أبحث عن إجاباتٍ يقنع بها العقل قبل القلب، وكلما ازددت علمًا، ازددت حيرة.
أطرق برأسه لحظات، ثم تابع:
- بعد عودتي إلى بلدي، علمت أن أقرب أصدقائي، ليو، لم يعد نصرانيًا. ذهبت إليه غاضبًا، وظننت أنه ترك الكنيسة إلى طائفةٍ أخرى، لكنه فاجأني بقوله: "لقد أصبحت مسلمًا."
ارتفعت بعض الهمسات في القاعة، بينما أكمل صلاح الدين:
- يومها غضبت بشدة، وظننت أنه خُدع، فسألته: من الذي فعل بك هذا؟ فأجابني: الدكتور محمد... وابنه الدكتور سليم.
ابتسم وهو يهز رأسه مستذكرًا تلك اللحظة:
- ذهبت إليهما وأنا أريد أن أثبت خطأ الإسلام، لا أن أتعلمه. لكنني فوجئت بحوارٍ هادئ، خالٍ من السخرية والعداء. لم يطلبا مني أن أصدق، بل طلبا مني أن أبحث، وأن أقرأ، وأن أراجع ما تعلمته بنفسي.
صمت لحظة، ثم قال وقد اغرورقت عيناه:
- ومع الأيام، وجدت أن كثيرًا من القناعات التي كنت أظنها مسلمات لم أستطع الدفاع عنها علميًا، بينما وجدت في القرآن إجاباتٍ كنت أبحث عنها منذ سنوات.
رفع رأسه، ثم قال بثبات:
- وفي أحد أيام الجمعة، أعلنت أمام الناس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
امتلأت القاعة بالتصفيق، واختلطت أصوات الفرح بالدهشة، بينما اتسعت عينا سليم، فقد كان يسمع خبر إسلامه لأول مرة.
ابتسم صلاح الدين، ثم أكمل:
- لم يكن الطريق سهلًا. خسرت كثيرًا، وابتعدت عن أهلي، وعشت فترةً خارج بلدي، لكن الله عوضني سكينةً لم أعرفها من قبل. واليوم، أحمده أن جعلني أقضي حياتي في الدعوة إليه، وأسأله الثبات حتى ألقاه.
اتجه بعدها نحو سليم، وصافحه بحرارة، فبادله سليم الابتسامة، وهو يحمد الله على نعمته.
وبعد ساعاتٍ من الأسئلة التي أجاب عنها سليم بهدوءٍ وسلاسة، وقف منظم الندوة من جديد، وقال:
- والآن، ننتقل إلى السؤال التالي من قسم الأخوات.
وقفت فتاةٌ في مقتبل العمر، بدت صغيرة قليلًا بين الحاضرين، ثم رفعت يدها بابتسامة خفيفة وقالت بسعادةٍ ظاهرة في صوتها:
- أوه… أخيرًا جاء دوري، شكرًا لكم.
زفرت بهدوء، ثم بدأت تتحدث بروية:
- لدي الكثير من الأصدقاء، وخاصة المسلمين، لكنهم دائمًا يقولون لي: بما أنكِ كاثوليكية فستذهبين إلى النار، ونحن ندعوكِ للإسلام حتى تدخلي الجنة. أنا أعتبر نفسي كاثوليكية متدينة، وأحاول قدر المستطاع أن أتجنب الخطأ. فسؤالي هو: هل سأدخل النار فقط لأنني كاثوليكية؟ وإذا أسلمت هل أضمن الجنة؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!