اىفصل العشرون
*وقفت فتاةٌ في مقتبل العمر، بدت صغيرة قليلًا بين الحاضرين، ثم رفعت يدها بابتسامة خفيفة وقالت بسعادةٍ ظاهرة في صوتها:
- أوه… أخيرًا جاء دوري، شكرًا لكم.
زفرت بهدوء، ثم بدأت تتحدث بروية:
- لدي الكثير من الأصدقاء، وخاصة المسلمين، لكنهم دائمًا يقولون لي: بما أنكِ كاثوليكية فستذهبين إلى النار، ونحن ندعوكِ للإسلام حتى تدخلي الجنة. أنا أعتبر نفسي كاثوليكية متدينة، وأحاول قدر المستطاع أن أتجنب الخطأ. فسؤالي هو: هل سأدخل النار فقط لأنني كاثوليكية؟ وإذا أسلمت هل أضمن الجنة؟
ساد صمتٌ خفيف، ثم وقف سليم بهدوء ونظر إلى الحضور قبل أن يجيب:
- السؤال مهم، وكثيرون يطرحونه بصيغ مختلفة.
ثم أكمل بنبرة ثابتة:
- في الإسلام، الأصل أن الحكم على مصير الإنسان النهائي عند الله وحده، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (الأنعام: 117). فلا يملك أحد أن يحكم على شخصٍ بعينه بجنة أو نار.
ارتفعت همهمات خفيفة في القاعة، فأكمل:
- لكن القرآن يضع معيارًا واضحًا للمسؤولية: معرفة الحق واتباعه بعد ظهوره، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} (الإسراء: 15).
ثم نظر إلى الفتاة مباشرةً، لكن دون تحدٍ:
- لذلك المسألة ليست اسم “كاثوليكي” أو “مسلم”، بل ماذا وصل إليكِ من الحق، وكيف تعاملتِ معه.
رفعت الفتاة حاجبها بتردد:
- لكن... نحن نؤمن بالمسيح.
أومأ سليم برأسه بهدوء:
- ونحن كذلك، نؤمن بعيسى عليه السلام نبيًا من أولي العزم، {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ... لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285). فالإيمان به عندنا جزء من العقيدة، لكن الاختلاف يقع في طبيعة فهم الرسالة.
ثم أضاف بهدوء أوضح:
- والقرآن نفسه يذكر دعوة المسيح لبني إسرائيل: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} (المائدة: 72).
سكت قليلًا، ثم تابع:
- لذلك، نحن نؤمن بأن كل نبي جاء بدعوة واحدة في أصلها: عبادة الله وحده.
ثم خفف نبرته:
- أما سؤالك: هل يكفي أن تعلني الإسلام لضمان الجنة؟ فالجواب ليس بهذه البساطة، لأن الإيمان عندنا ليس كلمة تُقال فقط، بل طريق حياة وفهم والتزام.
ساد هدوءٌ في القاعة، بينما كانت الفتاة تنظر إليه وكأنها تفكر لأول مرة خارج دائرة الأسئلة الجاهزة.
ثم ابتسم سليم ابتسامة خفيفة:
- الأهم ليس الاسم الذي تحملينه اليوم، بل الطريق الذي تختارين أن تسيري فيه بعد أن تعرفي ما تؤمنين به حقًا.
تعالت همهمات الحاضرين، واختلط التصفيق بأصواتٍ بدت عليها الدهشة والتفكر، بينما أعلن منظم الندوة انتهاء الجلسة بعد شكر الحضور على حسن إنصاتهم.
التفتت سارة نحو ريليان، فوجدتها ما تزال تحدق في المنصة بشرود، وكأنها لم تسمع شيئًا مما يدور حولها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كانت ريم نائمةً بجانب سما، فقد غلبها النعاس من كثرة التفكير، لتفتح عينيها عندما شعرت بضرباتٍ خفيفةٍ على كتفها. نظرت أمامها بتشويش، لتجد إبراهيم يقف وهو يبتسم لها بخفة. نظرت إلى سما التي ما زالت تنام بعمقٍ هي الأخرى، لتبتعد عنها بهدوء معتدلةً في جلستها:
تساءل إبراهيم مستفسرًا:
- كيف أصبحت سما؟ هل هدأت؟
نظرت إليه متحدثة، ولكن بداخلها إعصارٌ من المشاعر التي ستنفجر، لتجيبه بابتسامةٍ منكسرة:
- لا تقلق، إنها بخير.
تقدم من سما ليجلس مكان ريم، وهو يبعد شعرها عن وجهها بسبب انفلاته من بين أصابع ريم التي كانت تخلله به. أخذت ريم نفسًا عميقًا قبل أن تخرج من الغرفة، فهذا آخر ما ينقصها؛ أن ترى كيف يقوم بمراضاتها. لا تريد طعناتٍ أكثر من سابقاتها. خرجت من الغرفة لتجد الساعة قد قاربت على العاشرة مساءً، لتنظر إلى طفليها عمر وعليّ، فتبتسم لهما عندما تقدما منها. عانقتهما بحب، مستمدةً منهما القوة لتحمل ما تعانيه، ثم ابتعدت عنهما مخاطبةً إياهما بضعف:
أجابها عمر وهو يقبل وجنتها بحب:
- حسنًا يا أمي، لكنني لم أقم بحل واجبي المدرسي بعد.
أمسكته من تلابيب ثيابه موبخةً إياه بخفة:
- ولماذا لم تقم بحله يا عمر؟
أجابها عمر ببراءته المعهودة:
- لقد كنتِ نائمةً يا أمي.
أغمضت عينيها بهدوء، ثم نظرت إليه بعدما فتحتهما:
- اذهب وقم بحله ريثما أؤدي صلاتي التي فاتتني.
ذهب عمر بطاعةٍ نحو حقيبته المدرسية، ليخرج كراسته ويبدأ بحل واجبه المدرسي. نظرت ريم إلى عليّ الذي كان يجلس بهدوء، لتخاطبه بحنان:
- هيّا يا علي، اذهب إلى المرحاض كي تنام.
أجابها ببعض المشاكسة:
- أمي، إنني مريض وبحاجةٍ إلى بعض الطعام.
رفعت حاجبها الأيسر ناظرةً إليه بتعجب:
- ألم تأكل يا عليّ؟ لقد وضعت لك الطعام قبل أن أدلف إلى سما، أي منذ ثلاث ساعاتٍ تقريبًا.
كتف يديه بحزنٍ طفولي وقد زمّ فمه:
- لكنني جائع يا أمي.
تدخل عمر في الحديث بهدوء:
- لقد تناول بعض الخبز المحشي بالجبن يا أمي قبل نصف ساعةٍ تقريبًا.
زفر عليّ بضيقٍ طفولي:
- لكنني ما زلت جائعًا للغاية.
توجهت ريم نحو المطبخ، ثم التفتت إلى غرفة سما التي كانت مفتوحةً بعض الشيء، لتجد إبراهيم يعانق سما، والأخرى تبادله العناق. ابتسمت بانكسار، ثم دلفت إلى المطبخ وهي تضع بعض البيض في المقلاة. وبعد مدة خرجت وهي تضع البيض في طبق، ليبدأ عمر وعليّ بأكله بسعادةٍ كاملة:
كادت أن تدلف غرفتها، ليوقفها صوت إبراهيم، الذي بدأت هي الأخرى تنفر منه، فالتفتت إليه:
- ماذا هناك؟
خاطبها إبراهيم بسعادة:
- سوف نسافر لمدة أسبوعٍ إلى الخارج.
أجابته ريم بسعادةٍ كبيرة، وقد نست ما عاشته منه:
- حقًا؟ ومتى؟
أجابها إبراهيم متنهدًا براحة:
- في الغد إن شاء الله، سوف نحزم حقائبنا الآن.
نظرت إليه ريم، لا تريد أن تفرح كثيرًا، فسألته بتريث، تريد أن تتأكد:
- مع من ستسافر؟
أجابها إبراهيم وهو ينظر إلى سما التي تقدمت منه بضعف:
- أنا وسما، إنها هدية يوم ميلادها الذي سيكون بعد يومين.
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا، لتضغط على يدها بقهر. لقد ظنت أنها ستسافر معهم:
- وأنا يا إبراهيم، متى سيحين دوري؟
أجابها إبراهيم بمللٍ وعدم اكتراث:
- ريم، إنني آخذ أسبوعين إجازةً في السنة، وقد أخذت أسبوعًا من قبل عندما طلب عليّ التخييم مع وليّ أمره، وهذا هو الأسبوع الثاني، ثم إن السفر يكلف مصاريف كثيرة.
ابتسمت له بطيبةٍ وصدق:
- أتمنى لكم السعادة، والحمد لله أن علاقتكما عادت كالسابق.
ثم التفتت إلى عمر وعليّ، مخاطبةً إياهما بهدوء:
- هيّا يا أولاد، إلى النوم.
نظر إليها إبراهيم مخاطبًا إياها بهدوء:
- ريم، وأنتِ حضري نفسك لتذهبي إلى والدتي كي تجلسي عندها حتى نعود.
أومأت له، ثم أغلقت الباب خلفها بعدما دلف الطفلان، لتتوجه نحو المرحاض تريد أن تأخذ حمامًا يخفف عنها ما تعايشه:
بعد ساعةٍ بالتحديد، عندما انتهت من الاستحمام وأدّت صلاتها، أمسكت بهاتفها تريد أن تحادث والدتها. أجابتها الأخرى بسعادة:
- كيف حالكِ يا ابنتي؟ هل أمورك بخير؟
كتمت ريم بكاءها، لا تريد أن تُحزن والدتها، لتجيبها بغصةٍ ومرارة:
- أجل يا أمي الغالية، إنني بأفضل حال، والحمد لله.
خاطبتها أم خالد بتساؤل:
- ريم، هل قمتِ بتوكيل محامٍ يا ابنتي؟
نفت ريم برأسها، مجيبةً بهدوء:
- لا، ليس بعد. إنني لا أخرج من المنزل يا أمي، ثم إنكِ تعرفين أنني لستُ جيدةً في هذه الأمور.
سألتها أم خالد باستفسار:
- ريم، هل استخرتِ؟
نظرت ريم إلى طفليها النائمين، لتجيبها بهدوء:
- لا يا أمي، ليس بعد، ثم إنني أخشى أن تكون الاستخارة ليست في صالحي، أي أن أبقى على ذمته، هل تفهمينني؟
تنهدت والدتها بحزنٍ على حالها:
- وكيف زوجته الأخرى؟
زفرت ريم بهدوء:
- إنها بخير، ثم إننا متوافقتان يا أمي، لا تقلقي.
أجابتها أم خالد بحسرةٍ على حالها:
- وهذا ما يزعجني يا ريم، هل يجوز ذلك يا ابنتي؟
أجابتها ريم وهي لا تريد أن تفتح الأوجاع:
- أمي، لا تقلقي، إنني بخير والحمد لله، لا تحملي همًّا، أرجوكِ.
زفرت الأخرى بضيق، لتجيبها بقلة حيلة:
- انظري يا ريم، لقد أخبرتُ سليم ابن الشيخ محمد، رحمه الله، صديق والدك، عـ...
وقفت ريم كمن لدغته أفعى، لتقاطعها بصدمة:
- أخبرتِ مَن يا أمي؟ سليم؟!
استغربت والدتها من نبرة صوت ريم، لتجيبها بتوجس:
- ما الأمر؟ هل أخطأت؟
أغمضت ريم عينيها بقوة، لتجيبها ببعض اللوم:
- أمي، لماذا أخبرتِه؟ سامحكِ الله.
أجابتها الأخرى بتبريرٍ وقهر:
- كنت أريد أن ينصحنا بشيءٍ في موضوعك.
زفرت ريم بندم؛ لأنها أخبرت والدتها:
- أمي، انسي كل شيء، وكأنني لم أخبركِ بشيء.
عقدت والدتها بين حاجبيها باستغراب:
- لماذا يا ريم؟
أجابتها ريم بهدوء:
- هكذا يا أمي، ثم إنه إن علم إبراهيم، فسيأخذ حضانة أطفالي، وأنا لا أريد ذلك، وأنتِ أيضًا لا تريدين ذلك. لقد فوضت ووكلت أمري إلى الله يا أمي، إنه نعم المولى ونعم النصير.
أجابتها والدتها بحزنٍ دفين:
- وكفى به وكيلًا، حبيبتي.
ابتسمت ريم بحزنٍ على حالها:
- هيّا يا أمي، هل تريدين شيئًا؟
أجابتها والدتها نافيةً بحنان:
- لا يا حبيبتي، تصبحين من أهل الجنة.
خاطبتها ريم بابتسامةٍ مودة:
- وأنتِ من أهلها إن شاء الله يا أمي.
وضعت ريم هاتفها بعدما قامت بضبط المنبه لصلاة الفجر، ثم توجهت نحو السرير، مختبئةً تحت الغطاء بجانب أطفالها، لتحتضنهم بحبٍ واطمئنان.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
***
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!