الفصل المئة والعاشر
**
نظر إبراهيم إلى ريم التي انتهت من صلاتها لتوها، ثم تحدث بغضبٍ مستعر:
- سوف أجعلها تذهب خلف الشمس... سوف أنتقم منها.
عقدت ما بين حاجبيها بدهشة، ثم سألته:
- من هذه التي تتحدث عنها؟ من تقصد يا إبراهيم؟
أجابها وهو ما يزال ينظر إليها بعينين تقدحان شررًا:
- وعن مَن أتحدث غير سما يا ريم؟
نظرت إليه بخوف، ثم قالت بعدما اعتدلت واقفة:
- لا... لا تفعل هذا، حرام عليك يا إبراهيم. إنها لا تستحق منك ذلك، لماذا تريد أن تفعل بها هذا؟ أرجوك، تراجع عن كلامك وقرارك في الحال.
تنهد بضيق، ثم أخذ يخرج ما يختلج صدره من أفكارٍ سوداء:
- كنت سأورطها في قضية سرقة، هي وأخوها وأبوها؛ لأنها لو كانت بمفردها فلن أستطيع تلفيق التهمة لها، كونها زوجتي، وبرأيهم أن الزوجة لا تسرق زوجها. أما بالاشتراك مع أبيها وأخيها، فأستطيع بسهولة تحرير محضرٍ بحقهم. لقد رتبت كل شيء، وهاتفت صديقي المحامي لهذا الأمر كي ينفذه، لكنه أخبرني أنه لا يوجد صلح في مثل هذه القضية، حتى وإن دفعوا لي المال المسروق الذي سأدعي سرقته، فهي ستسجن في جميع الأحوال. لذلك تراجعت... أنا لا أريد أن يصل الأمر إلى الحبس يا ريم، كل ما أريده أن أجعلهم يعرفون كيف تكون اللعبة معي.
حدقت فيه بصدمةٍ كبيرة من طريقة تفكيره، ثم خاطبته:
- لا يا إبراهيم، لا تفعل ذلك. أنت أعقل وأكبر من هذا الفعل. تحدث معها بهدوء، وتفاهما فيما بينكما.
أجابها بكبرياءٍ واضح:
- أتعلمين أن كثيرين حاولوا إقناعي بالعودة إليها؟ لكن بفعلتها تلك محَت كل الأشياء الجميلة التي كانت بيننا.
قاطعته بصدقٍ بالغ:
- أقسم بالله، لو كنت أعرف طريقة أقنعك بها لفعلت. لقد تحدثت معك من قبل كي تعيدها إلى ذمتك. ألم يقل الله تعالى في كتابه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ وإن لم تستطع، فطلِّقها بإحسان، وليس من الضروري أن تؤذيها بهذا الشكل.
أجابها بضيقٍ أشد وهو يجلس على الأريكة:
- لا أعلم... أنا طوال الوقت أفكر كثيرًا يا ريم.
اقتربت منه مرة أخرى، وقالت برفق:
- ولماذا تفكر يا إبراهيم؟ ألم تنفصل عنها؟ إذًا اذهب إلى القاضي وأنهِ الأمر بورقةٍ رسمية.
زفر بغضب، ثم رمقها بنظرة حادة:
- إنها ما زالت تحوم حولي يا ريم، منذ أن علمت أنني عدت إلى ياسمين.
سألته وقد ارتفع أحد حاجبيها بدهشة:
- وهل عدت حقًا إلى ياسمين؟
أومأ برأسه بلا مبالاة، غير آبهٍ بما قد تشعر به:
- أجل، هذا صحيح... لقد عدت إليها.
أومأت بهدوء، لكنها لم تستطع تصديقه، فقد ساورها الشك، تمامًا كما شكّت سابقًا في قصة طلاقه لسما وضربه لها.
ثم أردف بشرٍّ ظاهر:
- أتعلمين؟ لقد أرسلت بعض الصور إلى شقيقها كي أكشفها على حقيقتها أمامه وأمام عائلتها.
زفرت بضيقٍ من تفكيره المتخلف، ثم قالت:
- لقد انفصلت عنها، إذًا انسَ أمرها، بالله عليك يا إبراهيم.
عبث بلحيته قليلًا، ثم أجابها وكأنه لم يسمع نصيحتها:
- أتعلمين لماذا؟ المشكلة في شقيقها. لقد هاتفني وقال إن سما تريد الانفصال التام عني، لكن هل تعلمين ماذا فعلت؟
هزت رأسها نافيةً بعجز، فتابع بنبرةٍ ملؤها التشفي:
- لقد احتفظت بكل شيء منذ ما قبل أن أتزوجها. حتى إنني كتبت قسيمة زواج مزورة لا قيمة قانونية لها، حتى نستطيع السفر بمفردنا أينما نشاء. وكما تعلمين، كانت حاملًا آنذاك، وقد أرادت أن تتخلص من الجنين، وبالفعل فعلت ذلك. فكيف لفتاة غير متزوجة، ودون علم أهلها، أن تكون حاملًا؟! لقد صورت الجنين عندما ذهبنا إلى الطبيب، وصورت أيضًا ورقة الموافقة على الإجهاض، وكذلك القسيمة، وحجز الفندق الذي ذهبنا إليه قبل زواجنا. ثم أرسلت كل ذلك إلى شقيقها، وأمها، وزوج شقيقتها، وأبناء خالتها... وصنعت لها فضيحة من نوعٍ جميل.
رمشت ريم بصدمةٍ هائلة مما سمعته، ثم سألته بتوجس، خشية أن يصيب سما مكروه:
- وماذا كانت ردة فعلهم؟
لوى جانب فمه بضيق، ثم أجاب:
- حتى الآن لم يتصل أحد. لقد أرسلت كل شيء هذا الصباح، وها أنا أنتظر ردة فعلهم.
ابتلعت ريم ريقها بتوتر من أفكاره الشيطانية، ثم اعتدلت بشرود وهي تطوي سجادة الصلاة، ليوقفها متسائلًا:
- إلى أين أنتِ ذاهبة؟
أجابته بهدوء:
- سأخلد إلى النوم، هل تريد شيئًا؟
أومأ برأسه، ثم سألها:
- أجل... هل نام الأولاد؟
أجابته بتأكيد، وقد ازداد توجسها من طلبه، فخاطبها:
- حسنًا، اذهبي، وسألحق بك بعد قليل.
ابتلعت ريقها بتوتر، ثم أغمضت عينيها تدعو الله أن تمر تلك الليلة بسلام.
اتجهت إلى غرفة أطفالها، تتأكد من نومهم، ثم دلفت إلى غرفتها، وأغلقت الباب بهدوء، وجلست تنتظره.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
زفر سليم وهو ينظر إلى سارة، ثم ابتسم بصدقٍ وهدوء، مخاطبًا همام بتحذير:
- حافظ عليها يا همام، إنها أمانةٌ في عنقك. لقد أعطيتك أغلى ما أملك، وسلمتك وحيدتي وصغيرتي، ابنتي قبل أن تكون شقيقتي. أعلم أنك تحبها ولن تخذلها، وهي تحبك أيضًا، فأنا أرى ذلك الحب في عينيها. لقد فتحت قلبها لك، فحافظ عليها. أكرر: لا تخذلها، ولا تخدعها. كن رجلًا لها لا عليها، رجلًا يفهم عينيها، ويفهم تقلباتها العاصفة والهادئة. كن لها وطنًا حين تستند إليك، وكن لها أبًا وأخًا وأمًّا وصديقًا وحبيبًا.
وضع يده على كتف همام، ثم أردف:
- هذه هي حواء التي خُلقت من ضلعك، تطلب منك أمرين لا ثالث لهما؛ الأول أن تحبها، كونها شريكة حياتك، وألّا تدعها تفرط بكبريائها وكرامتها، فهي قادرة على انتشالك من قلبها، وتتحمل فقدانك، لأن كرامتها فوق كل شيء.
ثم تنهد، وأبعد ناظريه عن سارة التي بدا عليها التأثر، وقال:
- كنت في رحم حواء جنينًا، وكنت في حضنها مريضًا، والآن أنت على أهبّة الاستعداد لأن تكون حبيبًا في قلبها، فلا تنسَ أن تكون لها سندًا، تكن لك الحياة، فرفقًا بها يا همام.
أدمعت عينا سارة، فألقت بنفسها في أحضان سليم، تشهق بقوة، مما جعله يعانقها بحنان، وربت على ظهرها هامسًا في أذنها:
- كفاكِ بكاءً يا حبيبتي، اليوم هو يومك، لا دموع ولا حزن. ها أنتِ تُزفّين إلى بيت زوجك برضاك ورضا عائلتك، وأنا أضع كامل ثقتي به، إنه لن يخذلك ولن يحزنك، لذلك كوني زوجةً مطيعةً له، كما أمرك ربك، زوجةً تشبه أمهات المؤمنين، رضي الله عنهن. اتفقنا؟
حاول إبعادها عنه لينظر إلى عينيها، لكنها دفنت رأسها في أحضانه أكثر.
ضغط همام على يديه بضيق، فلاحظ سليم ذلك، ليبتسم في سره ويقبّل رأس سارة متعمدًا.
تنحنح همام، ثم اقترب منها واضعًا يده على كتفها، وقال بلطف:
- هيا يا سارة، ولا تقلقي، لن أحرمك منهم، وسوف أجعلك تزورينهم متى شئتِ.
حاولت التوقف عن البكاء، ومسحت عينيها بعدما سال كحلها الأسود الذي يزين مجرتيهما، فابتسم لها سليم، وقال بتنهد:
- كوني بخير يا سارة، ولا أريدك أن تهملي دراستك أو تهملي زوجك، حاولي أن توفقي بين الاثنين، اتفقنا؟
قربها همام منه، محيطًا خصرها بتملك، فأومأت لسليم بهدوء، ثم حاولت التوقف عن البكاء، والتفتت إلى ابتهال التي كانت تجاهد لكبت دموعها.
توجهت إليها، وعانقتها بقوة، وكأنها ستتركها وتغادر الحياة بأكملها.
حاولت ابتهال التماسك، فها هي صغيرتها ستتركها وتذهب إلى بيت زوجها، ثم همست لها بقلب أمٍّ حنون، لا يسمعه غيرها:
- لا تبكِ يا حبيبتي، لن ترحلي وتتركيني إلى الأبد، بل ستنتقلين إلى بيت زوجٍ محب وعاشق، وها هو همام أحضر لك بيتًا قريبًا من هنا.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!