الفصل المئة وعشرون
**
ابتسمت ابتهال، ثم مدت يديها نحو جوليا، فترددت الأخيرة لثوانٍ وهي تنظر إلى السعادة المرسومة على وجه ريليان، قبل أن تبادلها العناق، وقد أدركت أن هذه المرأة كانت الحضن الذي احتوى ابنتها حين غابت هي عنها.
وبعد مضي بعض الوقت، كانت جوليا تجلس أمام سليم، وبجانبها كوبٌ من العصير الطازج وبعض قطع الكعك التي أصرت ابتهال على تقديمها لها.
زفرت جوليا بهدوء، ثم قالت بصوتٍ أثقله التعب والندم:
- إنني أمٌ لستة أطفال، طوال حياتهم لم يكسر أحدٌ منهم كلمةً لنا، ولم يخرج عن طاعتنا ولو لمرةٍ واحدة... ثم فجأة، وبدون أي مقدمات، حدث انهيارٌ كبير في أسرتي. كيف؟ ولماذا؟ كان السبب كله عندك أنت.
نظر إليها سليم بتعجبٍ واضح، لتبادله هي نظرةً مليئة باللوم، ثم أكملت:
- أجل... أنت السبب يا سليم، لا تستغرب. لو أن ابنتي لم تحبك، لما حدث هذا التزعزع في أسرتي. لقد ربينا أبناءنا على تعاليم الدين المسيحي ورسخناها في قلوبهم، لكنها منذ صغرها تعلقت بدينكم.
تنهدت بثقل، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتة وهي تستعيد ذكرياتٍ بعيدة:
- أجل... كانت ريليان منذ طفولتها تستهوي الاستماع إلى شعائركم، وخاصة الأذان. كانت تركض مسرعةً كلما سمعته، حتى إنها كانت تهدأ إذا كانت تبكي بمجرد سماعه. عاقبها جرير كثيرًا بسبب ذلك، لكن يبدو أن العقاب جاء بنتيجةٍ عكسية.
سكتت لحظةً ثم أردفت بصوتٍ أكثر هدوءًا:
- لن أطيل الحديث... فقد انتهى الأمر، وأصبحت اليوم تحمل جنينًا في أحشائها، وكل ما أتمناه الآن أن يحفظها الرب هي وطفلها، وأن تضعه بصحةٍ وسلام.
ظل سليم يستمع إليها باهتمامٍ منذ بداية حديثها، فقد طلبت أن تجلس معه على انفراد بعد أن أمضت وقتًا طويلًا مع ريليان تستعيدان ما سرقته الأيام منهما.
فسألها بهدوء:
- هل السيد جرير يعلم بمجيئكِ سيدتي؟
هزت رأسها نافية، ثم أجابته:
- لا... لا يعلم. بل إنه فاتحني قبل عدة أيام في أمر ريليان. إنه يتألم كثيرًا لابتعادها عنا، ونادمٌ على ما فعله بها في الماضي، لكن الأمر فوق طاقته... كيف لراهبٍ أن يمر بكل هذا؟
ثم نظرت إلى سليم وقالت:
- أتعلم أمرًا؟
ولما رأت الفضول في عينيه، تابعت:
- كنت أعلم أنها تمارس شعائركم الدينية. رأيتها أكثر من مرة ترتدي الغطاء وتتجه إلى مسجدكم. لا تستغرب، فأنا أعرف بعض مسمياتكم وطقوسكم، لأننا كنا نحرص على معرفة دين غيرنا لنبتعد عنه.
تنهدت، ثم أكملت بنبرةٍ امتزج فيها الأسى بالاستسلام:
- وكنت أعلم أيضًا أنها تحمل الحب في قلبها... أقصد لشخصٍ من طائفتكم. صحيح أنني لم أكن أعلم من هو، لكن عينيها كانتا تفضحانها في كل مرة، ولم تكن تلك النظرات تظهر أبدًا وهي مع أمبر... لذلك أدركت أن قلبها كان مع شخصٍ آخر منذ زمن.
تنهدت بقوة، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها، وكأن أعوامًا كاملةً استوطنت وجهها في عامٍ واحد، ثم قالت بصوتٍ أثقله الوجع:
- أنا أمٌّ، وأعلم جيدًا بماذا تشعر ابنتي. ورغم ذلك كله، عندما علمتُ أنها أعلنت انضمامها وولاءها لدينكم، صُدمت صدمةً كادت تقتلع قلبي من بين أضلعي. واعلم، وكن متأكدًا، أن السبب الأكبر في كل ما حدث... هو أنت، وحبها لك.
لم يعرف سليم كيف خرج صوته بذلك الثقل، لكنه شعر أن كلماتها لامست أعماقه قبل سمعه، فقال بصوتٍ خافت:
- لقد جعلتِ قلبي ينبض بحديثكِ هذا، سيدة جوليا.
نظرت إليه بعينين غمرتهما الدموع، وابتسمت ابتسامةً مكسورة لا تشبه الفرح، ثم همست:
- أما قلبك فقد نبض... لكن قلبي أنا متوقفٌ منذ سنة كاملة، منذ اليوم الذي فقدتُ فيه ابنتي وهي ما تزال على قيد الحياة. جئتُ إليك طالبـةً المساعدة، وأرجو ألا تردني خائبة يا سليم.
نظر إليها بتعجب، بينما أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تجمع ما تبقى من قوتها، ثم قالت:
- إن تصالحت ريليان مع رلين، سيعود كل شيء كما كان. ليست ريليان وحدها من كسر قلبي... رلين أيضًا حطمته بأفعالها الحمقاء والطائشة...
قاطعها سليم بغضبٍ حاول كتمانه، لكنه تسلل إلى نبرته رغمًا عنه وهو يتذكر ما حدث:
- أتعلمين أنها اتفقت مع أمبر على اختطاف ريليان؟! أتعلمين ماذا كانوا يخططون له؟! لو نجحوا في ذلك لضاعت زوجتي إلى الأبد.
أومأت بقلة حيلة، وكأنها تحمل فوق كتفيها أخطاء الجميع، ثم قالت:
- أجل... أعلم، ومع الأسف. لكن رلين كانت تريد استعادة شقيقتها بأي وسيلة. إنهما روحٌ واحدة يا سليم، هل رأيت يومًا شخصين عاشا العمر كله كأنهما قلبٌ واحد؟ منذ صغرهما وهما لا تفترقان؛ ترتديان الثياب نفسها، تتناولان الطعام نفسه، وتفكران بالطريقة ذاتها. إذا بكت إحداهما، بكت الأخرى، وإذا تألمت، شعرت الثانية بوجعها قبل أن تنطق. كانتا تتحدثان بعيونهما أكثر مما تتحدثان بالكلمات، حتى إن اختلاف ملامحهما لا يكاد يُرى. صدقني، إن عادتا لبعضهما، سينسى جرير كل شيء، وستعود المياه إلى مجاريها. أما الآن... فبعد حملها، لم يعد باستطاعتنا أن نطلب منها تركك، لقد أصبحت واقعًا فرض نفسه علينا جميعًا.
أغمض سليم عينيه لحظات، ثم فتحهما بهدوء وهو يقول:
- وما المطلوب مني، سيدة جوليا؟
أجابته بترددٍ امتزج برجاء أمٍّ أنهكها الخوف:
- ساعدني في إعادتهما لبعضهما، أرجوك. يكفي ما أصاب عائلتي من تفكك واضطراب، لم يعد في قلبي متسعٌ لخسارةٍ أخرى.
تنهد سليم طويلًا، ثم قال بصدق:
- صدقيني، الأمر ليس سهلًا. فما فعلته ابنتكِ بزوجتي لا أستطيع نسيانه أبدًا، ولو لم تكن فتاةً لأريتها كيف يكون الحساب، ولجعلتها تندم على كل لحظة فكرت فيها بأذية ريليان. لكن... سأحاول، ليس من أجل أحد، بل من أجل ريليان. فهي رغم كل شيء سامحتها، وما زالت تتمنى أن تعود إليها، لأنها ترى فيها شقيقتها قبل أن ترى خطأها. وسعادة ريليان هي أول ما أسعى إليه في حياتي.
ابتسمت له ابتسامة امتزج فيها الامتنان بالاطمئنان، ثم سألته بعينَي أمٍّ لا تبحث إلا عن راحة ابنتها:
- هل تحبها حقًا؟ أعني... هل ذلك العشق الذي رأيته في عينيك قبل قليل، والذي أراه كلما ذكرت اسمها، حقيقي؟
ابتسم سليم ابتسامةً غلبها الحنين، ثم قال بصوتٍ دافئ:
- يقولون إن لهفة البدايات ليست حبًا، فلا يمكن للإنسان أن يحب في أسبوع أو شهر، كما لا يمكنكِ أن تحبي البحر وأنتِ تقفين على الشاطئ. عليكِ أن تغوصي في أعماقه، وأن تضربك أمواجه، وأن تؤلمك صخوره، وترَي ظلمته قبل جماله، ثم بعدها... إما أن تحبيه كله أو تكرهيه كله. أما أنا... فقد تجاوزت مراحل الحب والعشق كلها، ووصلت إلى مرحلة الإدمان. ولا أخجل من الاعتراف بذلك، فالمحب يتمنى أن يخبر الدنيا كلها بمن أحب.
سألته وهي تريد أن تطمئن أكثر:
- لكنها عصبية.
ابتسم، واتسعت ابتسامته حتى وصلت إلى عينيه، ثم قال:
- نعم، هي عصبية... لكنها أطيب من أن تصفيها الكلمات. يكفي أنها تغضب ثم تهدأ، وتُخرج ما في قلبها دون خبث، لا تعرف التلون، ولا النفاق، ولا تؤذي أحدًا عمدًا. تحمل قلبًا أبيض، وروحًا نقية، وعفويةً تشبه الأطفال. تغضب كطفلة... ثم تبتسم بكلمة واحدة، وكأن شيئًا لم يكن.
سألته بتردد:
- وبالنسبة لتغيير دينها وطائفتها؟ الناس لن يرحموها، وسيبقون يعيبون عليها ذلك.
#
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!