صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 104 من 150
وضع القراءة:

الفصل المائة وأربعة

**
ارتجفت أوصالها، وكأن جسدها فقد قدرته على حملها، فلم تعد تشعر بقدميها وهما تثقلان تحتها، خاصةً وهي ترى ألسنة النيران تمتد بشراسة، تلتهم البيوت من حولها بلا رحمة.
ازدردت ريقها بصعوبة، وأجبرت قدميها على المضي قدمًا، قابضةً على معدتها بخوفٍ كبير، بينما راحت عيناها تجوبان المكان بحثًا عنه بين أولئك الذين يحاولون إخماد الحريق المتأجج.
كان الدخان الأسود يتكاثف في السماء، ممتزجًا بعتمة المساء التي بدأت تُسدل خيوطها، وكأن الليل قرر أن يزيد المشهد قسوةً فوق قسوته، لكنها لم تجده بينهم.
كتمت شهقةً مرتجفة خرجت من أعماقها، وهي ترى نقالة إسعاف تحمل شخصًا لم تعد ملامحه واضحة، فقد غطاه السواد واختلطت آثاره بالدمار المحيط به.
أغمضت عينيها بقوة، محاولةً ألا تنهار أمام هذا المشهد الذي كاد يقلب معدتها من شدة هوله، ثم تابعت سيرها بخطواتٍ مترددة، تشجع نفسها على المضي رغم الخوف الذي ينهش قلبها.
كانت لا تملك سوى الدعاء، أن يكون سليم بخير، أن يحميه الله، وأن تعود إليه سالمةً معه كما خرجت.
وأخيرًا لمحته، كان يقف أمام ذلك المخبز الذي تتصاعد منه ألسنة اللهب، ثابتًا وسط الفوضى وكأن قلبه لا يعرف الخوف، اندفعت نحوه بسرعة، وأمسكت يده بقوة، مما جعله يلتفت إليها بصدمةٍ سرعان ما تحولت إلى غضبٍ عارم.
جزَّ على أسنانه محاولًا السيطرة على انفعاله حتى لا ينفجر بها، ثم خاطبها بصوتٍ مكتوم:
- ما الذي أتى بكِ إلى هنا يا ريليان؟ عودي إلى السيارة، ألم أخبركِ ألا تخرجي؟
حركت رأسها نافية، وعيناها ممتلئتان بالخوف والرجاء:
- لن أذهب وحدي يا سليم، هيا دعنا نرحل من هنا. أشعر أن شيئًا سيحدث، أرجوك.
أغمض عينيه للحظة، يحاول تهدئة نفسه وهو يرى الرعب المرتسم في عينيها، ثم تحدث بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
- ريليان، المكان هنا خطر. عودي رجاءً إلى السيارة، وسوف آتي إليكِ بعد قليل.
تشبثت بيده أكثر، وكأنها تخشى أن يفلت منها ويختفي بين ألسنة النار:
- لن أفعل، سأبقى معك أو نذهب معًا.
كاد أن يجيبها، لكنه توقف عندما وصل إلى مسامعه صوت رجلٍ يجهش بالبكاء، يصرخ باسم أحدهم بألمٍ شديد.
التفت سليم نحوه بقلق، ثم أسرع باتجاهه، بينما لحقت به ريليان وهي تواكب خطواته السريعة بقلبٍ يرتجف، وضع سليم يده على كتف الرجل الذي بدا عليه الانهيار، وسأله بقلق:
- ما بك يا عم؟
رفع الرجل وجهه إليه، وكان الشيب قد غزا شعره، وملامح العمر والتعب واضحةً عليه، ثم تحدث بصوتٍ متقطع يغلبه الرجاء:
- ابني بالداخل... أرجوك أنقذه، إنه أول طفلٍ لي منذ زمنٍ طويل، لم يتجاوز الشهرين من عمره. لم أستطع الوصول إليه، أرجوك... أنقذه.
اتسعت عينا ريليان بصدمةٍ عندما تعرفت عليه، إنه وزير التربية والتعليم "عثمان"، الرجل الذي رُزق مؤخرًا بأول مولودٍ له، ومنحهم إجازةً بسبب قدوم طفله.
نظر سليم نحو المنزل الذي أشار إليه عثمان، وكانت النيران ما تزال تلتهمه بلا توقف، لم يتردد لحظة، تحرك إلى الأمام كي يسا في انقاذ روحٍ عالقة.
لكن يد ريليان أمسكت به بهلع، وصوتها خرج مرتجفًا:
- إلى أين أنت ذاهب يا سليم؟ هل جننت؟ لن أسمح لك بالذهاب!
ابتسم لها سليم بهدوء، يحاول أن يزرع الطمأنينة في قلبها المرتجف:
- إنه يحتاج إلى المساعدة يا ريليان، سأكون بخير.
بدأت دموعها تنهمر دون قدرةٍ على إيقافها، وتشَبثت بيده بقوة، وكأنها تحاول منعه من الذهاب بكل ما تملك من قوة:
- لن أسمح لك بالمخاطرة بحياتك، لا أريد خسارتك يا سليم. ألا ترى النار التي لا ترحم أحدًا؟ أرجوك، لا تذهب.
ربت على يدها المتشبثة به، ونظر إليها بعينين تحملان كل الحب واليقين، محاولًا أن يهدئ خوفها:
- قولي: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا يا ريليان. دعيني أذهب، حتى أستطيع إنقاذه. إنه صغير، لا ذنب له، ويحتاج إلى مساعدتي.
ثم ضغط على يدها برفق بستعجلها في استجابة كلماته:
- هيا، اتركيني من فضلك، لا يوجد وقت.
تعلقت عيناها بعثمان، الذي كان يحتضن زوجته الباكية ويمنعها من التقدم نحو المنزل، بينما كانت تحاول بكل قوتها الوصول إلى طفلها، وضعت ريليان نفسها مكانها للحظة، شعرت بوجع أمٍّ تكاد تفقد فلذة كبدها، وعندها أدركت أن خوفها على سليم يشبه خوف تلك المرأة على صغيرها.
أغمضت عينيها، ثم نظرت إليه برجاءٍ شديد بعدما مسح دموعها برفق:
- أرجوك يا سليم... كن بخير من أجلي، ومن أجل طفلنا القادم، لا أريد أن أفقدك ولن أسامحك إن حدث لك مكروه، عدني بذلك.
أومأ لها وهو يأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بثباتٍ رغم القلق الذي يملأ قلبه:
- أعدكِ.
تحرك نحو الداخل بعد أن وعدها، داعيًا الله في سره أن يحفظ الطفل وأن يعينه على إنقاذه، أما ريليان فبقيت واقفةً مكانها تراقبه بعينين لا تفارقان خطواته، ثم التفتت نحو زوجة عثمان التي لم تتوقف عن الصراخ باسم طفلها:
- محمد...
كانت امرأةً في أوائل العقد الرابع من عمرها، ترتدي عباءةً خضراء، وقد وضعت وشاحها على رأسها بإهمال، وكأنها ارتدته على عجلةٍ بعدما سمعت خبر الحريق.
تقدمت ريليان نحوها بخطواتٍ مترددة، ثم جلست أمامها على ركبتيها، تحاول أن تمنحها بعض الأمل:
- سيكون بخير يا خالتي، لا تقلقي.
نظرت إليها مها بضياع، وعيناها غارقتان بالدموع، لتتابع ريليان بصوتٍ تحاول أن تجعله ثابتًا:
- كفاكِ بكاءً يا خالتي، ثقي بالله، إنه لن يترك ولدكِ الوحيد، وأنا واثقةٌ أن الله سيحفظه لكِ. لقد ذهب زوجي لإنقاذه، فلا تقلقي.
أمسكت مها بيد ريليان بقوة، وكأنها تتشبث بأي بصيص أمل:
- هل حقًا ذهب زوجكِ يا ابنتي؟ هل سيكون طفلي بخير؟ هل سيعود إليَّ وحيدي وقرة عيني؟
ترددت ريليان للحظة، فالمشهد أمامها كان مخيفًا، والنيران لا ترحم شيئًا، لكنها تذكرت أن قدرة الله لا تحدها نار ولا مستحيل.
هزت رأسها بخفة، وابتلعت خوفها:
- بإذن الله سيكون بخير يا خالتي.
أغمضت عينيها للحظة، تدعو الله من أعماق قلبها أن يحفظ سليم وأن يخرج الطفل سالمًا.
كانت أصوات البكاء تحيط بها من كل جانب، نحيب الأطفال الخائفين، وصراخ الأمهات الموجوعات، واستغاثات الرجال الذين يحاولون إنقاذ من بقي عالقًا.
كل ذلك جعل دموعها تنزل بصمت، فأصعب ما يمكن أن يشعر به الإنسان هو خوفه من فقدان من يحب، تذكرت رلين...
تذكرت كيف غدرت بها، وكيف دمرت العلاقة التي كانت تجمعهما، لكنها رغم كل شيء كانت تعلم في أعماقها أنها تريد عودتها إليها، وربما كانت تتصرف بدافع ألمها وضياعها.
عبست قليلًا عندما تذكرت موقف سليم حين أخبرته أنها سامحتها.
لقد ثار غضبه، وحطم زجاج المرآة، ولم ترغب بعدها في فتح هذا الموضوع مرةً أخرى، لذلك التزمت الصمت ولم تعقب.
ففي النهاية، رلين تبقى نصفها الآخر،.لكن في أعماقها كان هناك شيءٌ انكسر...
كانت كطائرٍ جريحٍ اعتاد التحليق عاليًا، ثم فقد أحد جناحيه فسقط أرضًا، لا يعرف كيف يعود إلى السماء من جديد.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.