الفصل المئة وأحد عشر
**
ثم أردفت بالهمس نفسه تمسح دموعها:
- كوني متفاجئة عند رؤيته، فلا نريد أن نخذل أمل، لأنها هي من أخبرتنا يوم قدومها معه أثناء طلبه لك، حسنًا؟
ابتعدت عنها سارة، ثم قبّلت وجنتيها، وقالت:
- حسنًا يا أمي، كوني بخير أنتِ أيضًا.
تنهدت ابتهال بهدوء، وابتسمت لها بحب.
ثم نقلت سارة أنظارها نحو ريليان، التي وقفت بجانب سليم، وكان انتفاخ حملها البسيط يكاد يظهر أسفل ثيابها.
اقتربت منها، وقالت ممازحةً بتحذير:
- اهتمي بها جيدًا يا ريليان، فأنا أريد أن تكون ابنة أخي جميلة وبصحة جيدة أيضًا. وساعدي والدتي في أعمال المنزل، أعلم أنني كنت مقصرة معها، لكن الآن سأتحمل مسؤولية بيتٍ كامل، لذلك أريحيها بعض الشيء... وبالمناسبة، لن أشتاق إليكِ.
ارتمت ريليان بين ذراعيها، تشهق بقوة، من فكرة ابتعادها عنها، فخاطبتها سارة بقوةٍ مصطنعة:
- يا فتاة، لا أريد أن أبكي أكثر من ذلك، ابتعدي عني، لقد أفسدتِ ثوب زفافي ببكائك هذا.
لم يصدر من ريليان أي رد، فبادلتها سارة العناق وهي تبكي، وقالت:
- أيتها الحمقاء... سوف أشتاق إليك كثيرًا. كوني بخير، وذاكري جيدًا، وفكرة أن تؤجلي هذه السنة اقذفيها من رأسك الصغير، وإلا خاصمتك.
ابتعدت عنها، فتقدم سليم، ممسكًا بريليان التي ما زالت تبكي، متمسكة بيد سارة، وقال لها بهدوء:
- كفاكِ يا ريليان، هيا اتركيها، ودعيها تذهب مع زوجها.
بدأت ريليان بإرخاء يدها رويدًا، فتقدم همام، وانحنى حاملًا سارة بين يديه، وقال بضيقٍ مازح:
- سوف نرحل بعد عامٍ من بكائكم هذا... هيا يا أمل.
تبعته أمل، وهي تلوح للبقية بسعادةٍ كبيرة، فقد تزوجا أخيرًا، وستبقى سارة بجانبها للأبد.
تنهد سليم، ثم التفت إلى ريليان التي ما زالت تبكي، وقال:
- ريليان... قلت لكِ كفاكِ بكاءً.
كادت أن تجيبه، لكن نظرات إحداهن جعلتها تصمت نهائيًا. تمسكت بيده بتملكٍ كبير، ومسحت دموعها بقوة وهي تراها تقترب منهم. أخذت نفسًا عميقًا كي تشحن طاقتها، فأمامها غريمة من نوعٍ صعب.
ابتسمت سمر بهدوء وهي تخاطب ابتهال:
- مباركٌ يا عمتي.
ربتت ابتهال على كتفها بحنان:
- شكرًا لكِ يا غاليتي، والعقبى لكِ.
تنهدت سمر بهدوء، ثم ابتسمت لها بخفة، قبل أن تنظر إلى ريليان التي كانت تتمسك بذراع سليم بتملكٍ ملحوظ، لتنقل أنظارها إليه وتخاطبه بثقل:
- كيف حالك يا سليم؟
عقد سليم حاجبيه باستغراب، متسائلًا في نفسه كيف أتت إلى هنا، ألم يتصل بها هاشم ويخبرها أنه لن يأتي؟ ثم أجابها بهدوء:
- بخير، نحمد الله على كل شيء.
ثم أكمل بتساؤل:
- هل جاء خالي معكِ؟
ضغطت ريليان على يده بقوة، مما جعله يستغرب حركتها، لتجيبه سمر:
- لقد أوصلني وذهب، وها هو الآن على مشارف الوصول.
هز رأسه بتفهم، بينما نظرت إليها ريليان بضيقٍ كبير. لم تكن تعلم سبب كرهها لها، لكنها في الحقيقة كانت تعلم... لأنها كانت تكن الحب لزوجها.
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، فهي لا تريد أن تثور في وجهها، خاصة أنها حتى الآن لم تمسها بسوء.
فتحت عينيها عندما تحدثت الأخرى، لتقوم بلوي فمها إلى الجهة الأخرى بسبب طريقة نطق سمر لبعض الحروف بشكلٍ مرققٍ دون قصد.
تحدثت سمر وهي ترفع هاتفها:
- ها قد اتصل، عن إذنكم.
أوقفها سليم مقاطعًا بهدوء:
- انتظري، من بعد إذنكِ، سوف أذهب إليه. أريد أن أتحدث معه قليلًا.
أومأت له، ليبتسم لريليان وهو يسحب يده منها، فنظرت إليه الأخرى بغضب.
تنهد بهدوء، ثم خاطب ابتهال:
- تعالي يا أمي.
توجهت ابتهال معه خارج القاعة التي كان يُقام بها زفاف سارة، لتبقى ريليان مع سمر وحدهما برفقة بعض الفتيات اللواتي كنّ ينظمن القاعة.
نظرت ريليان إلى أظافر يدها ببرود، ثم تحدثت:
- لماذا أتيتِ يا سمر؟ ألم تقاطعي عمتي وعائلتها؟
أجابتها الأخرى بالبرود نفسه:
- من أجل زفاف ابنة عمتي... ثم لماذا أحدثكِ أنا؟
نظرت ريليان إليها بطرف عينيها، ثم أجابتها باستفزاز:
- صدقتِ... لماذا تحدثينني؟ فأنا لا أحدثكِ.
جزّت سمر على أسنانها، ثم تحدثت بكرهٍ وبرود:
- فتاة نصرانية تتزوج من رجلٍ مسلمٍ وملتزم... هذا يسمى سحرًا وشعوذةً واختطافًا من...
قاطعتها ريليان بغضب، صارخةً بها:
- عن أي سحرٍ وشعوذةٍ واختطافٍ تتحدثين يا فتاة؟ انظري إلى ما يخرج من فمكِ، فهذا افتراءٌ في حقي.
أجابتها سمر بحقدٍ، وهي تضغط على طرف المقعد بجانبها:
- لم أفترِ شيئًا أيتها النصرانية، لقد سرقتِ سليم مني. كان من المفترض أن نتزوج، لكنكِ قمتِ بسحره.
ضربت ريليان كفًا بكفٍ من حديثها، ثم خاطبتها بضيقٍ واضح:
- انظري يا سمر، أولًا هداني الله وأسلمتُ بفضله عليّ، أي أنني لم أعد نصرانية ولا أنتمي إلى الدين النصراني مطلقًا. ثم إنني لم أسرق سليم منكِ، ربما سرقتُ قلبه، لكن لا شأن لي باختياره لي، فهذا نصيب يا سمر.
حركت سمر رقبتها بقهر، ثم أجابتها:
- لا شأن لي بكلامكِ هذا، فأنتِ نصرانية وستبقين كذلك في نظري، ولن أسامحكِ على سلبكِ وخطف سليم مني.
لم تعد ريليان تتحمل المزيد من حديثها، فخاطبتها بغضبٍ كبير، ناظرةً إليها بتحذير:
- ارحلي من أمامي يا سمر، ولا تدعيني أُظهر الوجه الآخر لكِ. اذهبي ولا تعودي، وإن علمتُ أنكِ فكرتِ في سليم، فسأكون كابوسكِ المزعج.
انفجرت سمر ضاحكة، ثم أجابتها بعدما توقفت:
- حقًا إنكِ لمشكلة يا فتاة. ماذا ستكونين إن فكرتُ في سليم؟ حسنًا، سأتوقف عن الضحك، فقد ضحكتُ بما فيه الكفاية، وهذا بفضلكِ... لكن لن أشكركِ.
استجمعت نفسها، ثم أكملت باستفزاز:
- بصراحة، لم أعد أفكر في سليم، لكن حديثكِ هذا سيجعلني أفكر في طريقةٍ لاسترداده.
طقطقت ريليان أصابع يديها، مستغفرةً الله في سرها، ثم خاطبتها بغضبٍ فشلت في إخفائه:
- لن أسمح لكِ يا سمر، حتى وإن متُّ لن أتركه لكِ. سوف آخذه معي، والآن اغربي عن وجهي.
ابتسمت سمر بخبث وهي تشاهد غضب ريليان، ثم تقدمت منها متحدثةً بهمس:
- أريد أن أراكِ تحت التراب أولًا، وبعد ذلك يمكنكِ أخذ سليم إن استطعتِ.
لم تستطع ريليان الصمت أكثر، فدفعتها من كتفها إلى الخلف، مما أدى إلى سقوط سمر أرضًا بقوة.
في الخارج، كان هاشم ينتظر سمر حتى تخرج إليه، وقلبه ممتلئ بالحنين إلى ابتهال وأبنائها، لكن كرامته كانت فوق كل شيء.
أجل، لقد هاتفه سليم قبل عدة أسابيع ليخبره بتحديد موعد زفاف سارة، لكنه كابر حينها، ولم يتفوه سوى بكلمة واحدة:
"مبارك"
ثم أغلق الهاتف.
استدار عندما استمع إلى صوتٍ اشتاق إليه كثيرًا، فأغمض عينيه للحظة، ليشعر بيدٍ توضع على كتفه، مما جعله يأخذ نفسًا عميقًا وهو يرسم الجمود على ملامحه قبل أن يلتفت إليه.
تحدث ببرودٍ مميت:
- أين سمر؟
أجابته ابتهال بصوتٍ مهتز، وهي تتفحص ملامحه التي تشبه والدها الراحل:
- وعمة سمر؟ ألا تريد أن تسأل عنها يا هاشم؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!