الفصل المائة
**
فتحت ريليان عينيها بصدمةٍ، فلم تكن تتوقع أن تكون ردة فعل سليم بهذه الصورة، فقد جذبها إليه، ضامًّا إياها إلى صدره بحنانٍ غامر، يحتويها ويحتضن ضعفها وقلة حيلتها.
كان يعلم أنها تتألم، وأنها بحاجةٍ إليه كما يحتاج الطفل إلى والدته، لذلك لن يكون ضدها أو يقسو عليها، بل سيغمرها بذلك الحب الذي ادخره لها وحدها دون سواها من نساء الدنيا.
أغمضت عينيها باسمة، وتشبثت به أكثر بعد دقائق، بعدما هدأت ثورة الغضب المشتعلة في داخلها، مما جعل سليم يبتسم براحةٍ وسعادة؛ فهو في الحقيقة يحتاج إليها أكثر مما تحتاج إليه.
وما إن ابتعدت عنه بهدوء حتى انقلبت ملامحه إلى الضيق، وكأن ابتعادها عنه انتزع شيئًا من روحه، تنهدت وهي تنظر إليه بتوجسٍ، ثم همست بتوجس:
- سليم... هل ما زلت غاضبًا مني؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قادها نحو السرير ممسكًا بيدها، وجلس على طرفه بهدوء، ظل يتأملها للحظات قبل أن يجيبها بزفرةٍ مثقلة:
- في الحقيقة... أجل، وبشدة.
ازدادت ملامحها اضطرابًا، وسألته بترقبٍ وخوف:
- هل ما زلت تصدق أنني كنــ...
قاطعها سريعًا، نافيًا برأسه يمنةً ويسرة:
- لا يا ريليان، أنا أصدقكِ، ولا أشك بكِ البتة، فليس من المعقول أن تفعلي ذلك، وأنتِ التي رفضته من قبل ولم تقبلي به، لست مجنونًا حتى أغلق عقلي وأركنه جانبًا، لكن ما يغضبني حقًا هو شيءٌ آخر.
حدقت في عينيه باستغراب، بينما تابع ناظرًا إلى عينيها البندقيتين الشبيهتين بفنجان قهوةٍ دافئ في صباحٍ هادئ:
- ضعف إيمانكِ، لو تعلمين فداحة ما تفوهتِ به، وما الذي كنتِ تنوين فعله، لخررتِ ساجدةً لله تستغفرينه وتطلبين رحمته. ما حدث كان صعبًا، أعلم ذلك ولا أنكره، لكنه لم يكن عليكِ وحدكِ، بل علينا نحن الاثنين... بل إنني ربما أتألم أكثر منكِ، فكلما تذكرت ما حدث أكاد أجن.
سألته بضياعٍ وهي تحدق في ملامحه المتعبة:
- إذًا... لماذا حدث ذلك معي؟ لقد أخبرتني يومًا أنني سأعيش سعيدةً في هذا الدين، وبقرب الله مني.
احتضن كفيها الصغيرين بين كفيه الكبيرين، ثم أجابها بصوتٍ هادئٍ احتوى حيرتها:
- انظري يا ريليان، المؤمن يبقى في اختبارٍ ما دام يعيش في هذه الدنيا الفانية، التي جعلها الله دار ابتلاءٍ وامتحان، ليختبر صبر عباده وثباتهم وإيمانهم به، يبتليهم بالخير كما يبتليهم بالشر، ليرى مقدار ثقتهم به، فإن صبروا واحتسبوا رفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وإن سخطوا خسروا الكثير.
ثم أردف وهو يربت برفقٍ على كفيها:
- لا تظني أن الابتلاء يكون بالمصائب فقط، فالله يختبر عباده بالنعم أيضًا، فينظر من يشكر، ومن يكفر، ومن يصبر. وقد وعد سبحانه الصابرين بأجرٍ لا حد له، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي بغير حدٍّ ولا عددٍ ولا مقدار.
استطرد بنبرةٍ يملؤها اليقين ناظرًا لعينيها:
- قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.»
بدأت دموعها تتجمع في مقلتيها ندمًا، ليواصل سليم حديثه بنبرةٍ أكثر هدوءًا ودفئًا:
- إنَّ المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد المؤمن، وهي علامةُ حبٍّ من الله تعالى له ريليان.
توقف قليلًا، وكأنه يبحث عن أبسط طريقةٍ لتصل كلماته إلى قلبها، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة وقال:
- أممم... كيف أشرحها لكِ؟ أجل، وجدتها، المصائب تشبه الدواء؛ قد يكون طعمه مُرًّا، لكنكِ تقدمينه لمن تحبين، لأنكِ تعلمين أن فيه شفاءه، أليس كذلك؟
أومأت برأسها بخفة، ليكمل مطمئنًا إياها:
- ولله المثل الأعلى، فقد جاء في الحديث الصحيح: «إنَّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله عز وجل إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.»
رفع يديه نحو وجهها، يمسح دموعها التي انحدرت باستحياءٍ على وجنتيها، ثم تابع بابتسامةٍ حانية:
- إن نزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة، وكيف لا، وفيه تُرفع درجاته وتُكفَّر سيئاته؟ فقد قال النبي ﷺ: «إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة.»
تحدثت ببكاءٍ وهي تمسح دموعها بساعدها الأيسر، بسبب استقرار يد سليم على يدها اليمنى:
- وما الذي عليَّ أن أفعله يا سليم؟ أنت لا تعلم كيف أحترق من داخلي... إنَّ هذا الأمر كبيرٌ، لا أستطيع تحمله، أقسم لك.
أغمض عينيه، لا يريد أن يضعف أمامها؛ فهو حاميها، وسندها، والجبل الذي تتكئ عليه، يجب أن يكون مصدر قوتها وشجاعتها ويقينها، وحين فتح عينيه، ظهر طيف دمعةٍ لمعت بداخلهما، لكنه أخفاها خلف ثباته وقال:
- عليكِ بالصبر والتسليم، واحتساب الأجر، والرجوع إلى الله بالتوبة الصادقة والاستغفار حبيبتي، وعليكِ أيضًا التفكير في حكمة الله من وراء هذا الابتلاء الذي يأبى أن يدخلكِ الجنة بغير جهادٍ ولا مجاهدة.
أغمضت عينيها، تكتم شهقاتها لفعلها الفادح وتسرعها وضعف يقينها بالله، ثم فتحتهما عندما استمعت إلى تنهده المثقل، نظر إليها سليم، ثم تساءل برفق:
- هل تعلمين فضل الصبر على المصائب والابتلاء الذي يختبرنا الله به؟ فمن المؤكد أنه سبحانه لن يتركنا نتخبط في ضعفنا دون أجر.
أجابته بصوتٍ شبه مفهوم بسبب كتمانها لشهقاتها:
- لو أنني أعلم... لما فعلت ذلك أرجوك يا سليم، أخبرني.
لم يحتمل دموعها أكثر من ذلك، خاصةً وهو يشاهد ندمها الحقيقي في عينيها، فجذبها نحوه ليشعرها ببعض الاطمئنان، وأكمل وهو يمسد على شعرها بهدوءٍ شارد، بعدما وضع قبلةً رقيقة فوق رأسها:
- إنها تُطهِّر الذنوب والخطايا، فيلقى المؤمن الله تعالى نقيًّا. أتعلمين يا ريليان أن الابتلاء بمثابة منحةٍ من الله جل وعلا يمنحها لعباده؛ لأن فيه خيرًا كثيرًا؟ فكل ما يقرب العبد من الله فهو خير.
ثم أردف متنهدًا ببعض الراحة، فكلامه قام بسكب السكينة بداخله ايصًا:
- وقد نبَّه رسول الله ﷺ على ذلك فقال «من يرد الله به خيرًا يُصب منه»،
أما الهم والحزن فهما مما يبتلي الله بهما عبده، كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم.
قال: «ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه».
واسترسل بهدوء وهو يرى استيعابها لكماته:
- وبهذا يُعرف الصالح من غيره، والمؤمن من ضعيف الإيمان، وكلما ارتفعت منزلة الإنسان عند الله تعالى ازداد ابتلاؤه.
أراح رأسه على فروة شعرها، ليكمل متنهدًا:
- أتعلمين أيضًا أن أنبياء الله تعالى ورسله هم أشد الناس بلاءً؟ فقد بيَّن رسول الله ﷺ ذلك في الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه قال: «قلتُ يا رسول الله، أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل».
ثم تابع بصوتٍ هادئ زرع بداخلها الراحة والسكينة:
- فالأنبياء هم أكثر الناس صبرًا وثباتًا في مواجهة الابتلاءات، وأعلمهم بحقيقتها؛ لأنها في النهاية نعمةٌ من نعم الله، وسببٌ لرفع درجاتهم عنده سبحانه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!