الفصل المائة وسبعة
**
زفرت رلين بغضب وهي تعتدل من فوق فراشها، وقد عزمت على التوجه نحو هاتفها لمهاتفة ديفيد، لكنها ما إن تذكرت والدها جرير وعلمه بما فعلته حتى ضربت سطح المكتب بغضبٍ أكبر.
أغمضت عينيها بضيقٍ شديد، فذلك الأمر زاد من حقدها تجاه ريليان أكثر، فهي منذ خمس ساعات فقط عادت من الخارج، وها هي الآن حبيسة غرفتها لا تستطيع الخروج منها.
لقد دخلت المنزل بعد أن ودعت آليس التي كانت قد رافقتها إلى المشفى لزيارة أمبر، وقد كان منظره محطمًا بالكامل؛ كسرٌ في أنفه ورقبته، عيناه متورمتان بلونٍ أرجواني، وكسرٌ في قدمه اليمنى، بالإضافة إلى بعض الخدوش المنتشرة في يديه.
كم أنها شعرت بالخوف من سليم في ذلك الوقت، وحمدت الرب كثيرًا لأنها لم تكن في مكان أمبر.
أخبرها أمبر أنه سيرفع دعوى ضد سليم بسبب الأضرار التي تسبب بها، وبعد مغادرتهما المشفى توجهت مع آليس إلى أحد المطاعم لتناول الطعام، وكانت آليس هادئة على غير عادتها، لتبرر لها ذلك بأنها ليست خائفة إلا من سليم وما قد يفعله.
وعندما وصلت إلى المنزل، كان استقبال جرير لها مختلفًا تمامًا؛ فقد واجهها بغضبٍ شديد بسبب كذبها عليه وخطتها التي اشتركت فيها مع أمبر.
سحب منها هاتفها وبطاقتها الائتمانية، وأجبرها على الصعود إلى غرفتها وعدم مغادرتها، كما عاقبها بمنعها من الخروج من المنزل لمدة أسبوعٍ كامل.
فتحت عينيها وهي تشتم بغضب، فلم يسبق لوالدها أن صرخ في وجهها بهذه الطريقة من قبل.
مدت يدها نحو هاتف ريليان، ثم قررت مهاتفة ديفيد، وما إن أجاب حتى جاء صوته متعجبًا:
- ريليان؟
كادت أن تخبره بأنها رلين، لكنها لا تعلم لماذا راقتها فكرة أن تستمر في تمثيل دور شقيقتها، فابتسمت بخبث وأجابت بصوتٍ منكسر حاولت إتقانه جيدًا، مقلدةً نبرة ريليان:
- أجل، كيف حالك؟
أجابها بتوترٍ واضح:
- لماذا تهاتفينني؟ وأين زوجكِ؟
ابتسمت بسخرية، ثم تابعت بعدما أتقنت تقليد صوت ريليان المنهك:
- أريد أن أطلب منك طلبًا يا ديفيد، وأعلم أنك لن تخيب أملي. أريد منك أن توصلني برلين بأسرع وقت، وأخبرها أن تطلب من والدي أن يعيدني إلى ديني، فأنا لم أعد أحتمل هذا الدين، أريد الخلاص من هذا المحمدي، لكنه يهددني بالقضاء على عائلتي... أرجوك ديفيد، اجعل أبي ينقذني.
ارتبك ديفيد بشدة من طلبها، ولم يعرف كيف يجيب، ليخاطبها بتردد:
- ريليان، هل أنتِ متأكدة مما تقولين؟
أجابته رلين بثباتٍ مصطنع:
- أجل، أنا متأكدة. ديفيد سوف أغلق الآن لأنه سيأتي بعد قليل، لكن عدني أنك ستخبرها.
ابتلع ديفيد ريقه بخوف، فهو لا يريد أن يضع نفسه في مشكلة مع سليم، خاصةً بعدما رأى ما حدث لأمبر بسبب اقترابه منه.
زفر بضيق ثم أجابها:
- سوف أحاول يا ريليان، لكن فكري في الأمر مرةً أخرى.
ضغطت رلين على يدها بغضب، لكنها حافظت على هدوئها المصطنع:
- حسنًا، لكن أخبرها بأقرب وقت. وداعًا.
أغلقت الهاتف، وما إن فعلت حتى انفجرت ضاحكةً بسوءٍ مما فعلته.
فتحت جوليا الباب باستغراب عندما سمعت ضحكاتها:
- ما بكِ يا فتاة؟ هل جننتِ رلين؟
نظرت إليها رلين بسعادة وهي تخفي الهاتف خلف ظهرها:
- لا، بل أنا في أفضل حال يا جولي، دعيني وحدي.
ثم أكملت بضيق:
- ولن أسامحكِ لأنكِ أخبرتِ والدي.
زفرت جوليا بضيقٍ من تصرفاتها:
- أولًا احترمي نفسكِ وأنتِ تتحدثين معي، لقد أصبحتِ شخصًا آخر يا رلين. ثم إنني لم أخبره، هو كان يعلم وأراد فقط التأكد، لا أكثر. كنت أتمنى أن يعاقبكِ أكثر من ذلك، لكن ماذا أقول؟ هداكِ الرب.
قلبت رلين عينيها بملل:
- حسنًا، حسنًا، يمكنكِ الذهاب الآن إلى ابنتكِ تلك والتودد إليها كما تشائين، فأنا أرى القبول في عينيكِ بسبب ما فعلته.
هزت جوليا رأسها بقلة حيلة، ثم تركتها وحدها في الغرفة وأغلقت الباب خلفها، لتتوجه نحو الطابق السفلي.
فقد كان ستيف وزوجته قد وصلا للتو، حتى إنها نسيت أن تخبرها بذلك، ولهذا جاءت إليها في البداية...
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
اعتدلت ريليان بفزع عندما طال انتظارها ولم يظهر سليم من الداخل، خاصةً وأن ألسنة النيران ما زالت تلتهم المكان، ورجال الإطفاء لم يتمكنوا من السيطرة عليها حتى الآن.
شعرت بقلبها يهبط من شدة الخوف، وكأن إحساسًا سيئًا يخبرها بأن هناك أمرًا لا تريده أن يحدث، اندفعت نحو المبنى دون تفكير، لكن إحدى السيدات التي كانت تساعد المصابين أمسكت بها قبل أن تتقدم أكثر.
حاولت ريليان تخليص نفسها منها، وصوتها يرتجف من شدة الهلع:
- اتركيني، إن زوجي بالداخل.
نظرت إليها السيدة بحزنٍ عميق، فقد أدركت من حالتها مقدار تعلقها بمن تبحث عنه، فاحتضنتها محاولةً تهدئتها:
- استهدي بالله يا ابنتي، واحتسبي أمرك عنده، كان الله في عونك... ما زلتِ صغيرة.
نظرت إليها ريليان بعينين ممتلئتين بالرعب، وكأن كلماتها تحمل معنى تخشاه:
- ماذا تقصدين؟ ما معنى كان الله معي؟
ضمتها السيدة إليها بحنانٍ وحزن، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
- لقد أخرجوا من كانوا بالداخل قبل قليل، وجميعهم نحتسبهم عند الله شهداء.
تجمدت ريليان للحظات، وكأن عقلها رفض تصديق ما سمعته، ثم انفجرت ضاحكةً بعدم تصديق، تهز رأسها بعنف:
- تمزحين، أليس كذلك؟ هيا قولي شيئًا آخر يا خالتي... لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا.
لكن دموعها سبقت كلماتها، وانقلب ضحكها إلى بكاءٍ هستيري وهي تتشبث بالسيدة:
- لقد وعدني أن يكون بخير... لقد وعدني أن يعود إليّ. أقسم أنه قال لي إنه سيخرج هو ومحمد سالمين... لقد اكتشفنا أمر حملي قبل قليل، ولم نستطع حتى أن نخبر أمي.
رفعت رأسها نحو المبنى الذي ما زالت النيران تحيط به، وخرج اسم سليم من بين شفتيها كصرخة ألم مزقت المكان:
- سليم!
بدأ بعض المتواجدين يقتربون منها بحزن، فقد أدركوا أنها زوجة أحد من كانوا في الداخل، لكنها حاولت الإفلات من بين ذراعي السيدة وهي تصرخ بانهيار:
- سليييم... إنني أكرهك! كيف وعدتني ثم تركتني؟ لقد أخبرتني أنك ستعود سالمًا... أنت كاذب ماهر!
تعالت شهقاتها وهي تشعر بأن العالم من حولها بدأ يختفي، وأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها.
تمتمت بصوتٍ ضعيف بين دموعها:
- ماذا سأفعل بطفلك الذي علمنا به اليوم؟ كيف سأخبرهم عنك؟ أرجوك عد... أنا أعتذر عن كل شيء بدر مني منذ أيام. لقد أخبرتني أنك لم تعد غاضبًا بعد أن ندمت وتبت...
بدأ صوتها يخفت شيئًا فشيئًا، وعيناها تغلقان ببطء، وكأنها تستسلم للألم الذي لم تعد قادرة على احتماله:
- عد من أجل طفلنا...
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
نظرت ريم نحو إبراهيم الجالس بجانبها، تراقب هدوءه الغريب الذي لم تستطع فهمه.
فمنذ قليل سمعته يتحدث مع أحد أصدقائه حول أمرٍ ما، وكان واضحًا من حديثه أنها فتاة من إحدى علاقاته السابقة.
ولم يكن هذا الأمر جديدًا، فمنذ اليومين الماضيين وهو يذكرها أكثر من مرة، كان يقول إنه لا يستطيع الوصول إليها، بينما هي كانت دائمًا تجد طريقها إليه متى أرادت.
حاولت ريم ألا تهتم، وألا تجعل الأمر يأخذ من تفكيرها، لكنها اليوم شعرت بأنها لم تعد تستطيع تجاهله.
نظرت إليه بهدوء وقالت:
- إبراهيم، لقد مضت ستة أشهر وأنت ملتزم، ألا تستطيع الاستمرار على ذلك؟
نظر إليها بلا مبالاة وكأن الأمر لا يعنيه:
- كان معي اثنتان، عندما أمل من الأولى أذهب للثانية، وعندما أشتاق لتلك أعود إليها... أما الآن فهناك واحدة فقط، وهذا أمر لا يُطاق.
أغمضت ريم عينيها، تخفي الألم الذي مرّ في قلبها، ولم تجبه حتى لا تمنحه فرصة لرؤية مدى تأثير كلماته عليها.
وبعد لحظات من الصمت، ناداها:
- ريم.
نظرت إليه بانتباه:
- ماذا هناك؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم تحدث بصوتٍ مختلف، وكأنه يحمل شيئًا في قلبه يريد إخراجه:
- لا تحزني من تصرفاتي معكِ، أعلم أنني ظلمتكِ كثيرًا، وأنني حملتكِ فوق طاقتك، وأنتِ لا تستحقين مني كل ذلك. أنتِ زوجة نادرة يا ريم، تحملتِ مني ما لا يتحمله أحد، وأنتِ أفضل اختيارٍ فعلته في حياتي، ولن أجد مثلكِ مهما بحثت.
توقفت كلماته قليلًا قبل أن يكمل بنبرةٍ أكثر جدية:
- أريدكِ أن تسامحيني على كل ما بدر مني سابقًا. لو كان بكِ عيوب فهناك من يستطيع إصلاحها، أما مميزاتكِ فلا أظن أن أحدًا يستطيع أن يكون مثلكِ. أتمنى أن تسامحيني... حتى لو حدث لي شيء أو متُّ يومًا، أريدكِ أن تعلمي أنني راضٍ عنكِ، أهم شيء أن تسامحيني.
نظرت إليه بعدما انتهى، وقد أثار حديثه خوفًا بداخلها أكثر من أي شيء آخر، فأجابته بهدوء:
- لم يحدث شيء يستدعي كل هذا الكلام يا إبراهيم، واعلم أنك لو فعلت شيئًا يستحيل عليّ احتماله لكنت تركتك، أما الآن فأنا أسامحك على كل شيء.
ابتسم ابتسامةً هادئة، ثم أمسك يديها بين يديه:
- لا، أنتِ لستِ ممن يفعلون ذلك يا ريم، وأنا متأكد. أنا لا أؤمّن نفسي مع أحد، وأعلم أن الناس قد تخذلني في أي وقت، لكن معكِ أشعر بالأمان... أنتِ الوحيدة التي أثق بأنها لن تغدر بي.
شعرت ريم بانقباضٍ غريب في صدرها من كلماته، وكأنها تحمل معنى لا تفهمه، فسألته بتوجس:
- لماذا تقول هذا الكلام يا إبراهيم؟ ما الذي حدث لتتحدث بهذه الطريقة؟
نظر إليها بغموض، وكأنه على وشك الإجابة، لكن صوت هاتفه قاطع حديثه.
ارتفع رنين الهاتف، فنظر إليه إبراهيم ثم ابتسم بسخرية وهو يريها الشاشة.
تعلقت عينا ريم بالاسم الظاهر أمامها انها والدة سما.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!