الفصل الثامن والخمسون
**في إحدى الشقق التي تدل على الفخامة والرقي، كان هناك جسدٌ صغير ممدد على ذلك السرير الأبيض ذي الأغطية البنفسجية.
نظر همام إلى أمل التي استيقظت للتو، ثم انحنى طابعًا قبلةً على وجنتها وهو يقول:
- صباح الخير يا أميرتي.
حاولت إخراج صوتها، فما زال نفسها متقطعًا وحنجرتها تؤلمها:
- صباح النور يا عمي.
نظرت إلى الغرفة بعدم تصديق، وقالت:
- هل أنا حقًا في البيت؟ أي إنني لم أكن أحلم... أليس كذلك؟
أومأ برأسه مؤكدًا، ثم انحنى جالسًا على الأرض بجانب سريرها، ممسكًا بيدها:
- أجل، هذا صحيح. لقد خرجنا من المشفى بالأمس وجئنا إلى هنا. هل اشتقتِ إلى غرفتكِ؟
حاولت أن تعتدل، لكن يدها آلمتها بسبب الأسلاك المحيطة بها، فاعتدل همام واقفًا وساعدها بحذر:
- انتظري، فما زالت الأسلاك موصولةً بكِ.
رفعت يدها اليمنى التي يحيط بها المحلول نحو أنفها تتحسس مكانه، ثم سألته:
- وهل سيبقى هذا يا عمي؟ إنه يضايقني.
أومأ لها بثبات، فهي ستحتاج إليه عدة أيام حتى ينتظم تنفسها:
- أجل أيتها الأميرة، سيبقى لعدة أيام حتى ينتهي اختباركِ.
جلست بمساعدته، فوضع شعرها خلف أذنها عندما تحدثت:
- ومتى سينتهي اختبار الله لي يا عمي؟ لقد أصبحت بخير بفضله.
قبّل رأسها، ثم تنهد بحب وأجابها:
- بالصبر والشكر والحمد سينتهي يا صغيرتي. والآن حان موعد تناول الدواء.
تغيرت ملامح وجهها باشمئزاز عندما تسربت رائحة الدواء بعدما أحضره همام ووضعه أمام فمها:
- لا أريده يا عمي، أرجوك... فرائحته ليست جميلة.
انتقلت أنظاره إلى ملعقة الدواء، ثم خاطبها مبتسمًا:
- هيا يا أمل، افتحي فمكِ، ولا تكوني كالأطفال.
زمت فمها، ثم قالت بصوت متقطع:
- هل إن تناولته ستحضر لي سارة؟
نظر إليها لعدة ثوانٍ بعدما ذكرت اسم سارة، ثم ابتسم وهز رأسه بالإيجاب:
- إن شاء الله، والآن هيا، تناوليه.
أغمضت عينيها، واقتربت برأسها من الدواء، فوضعه همام في فمها.
انكمشت على نفسها بسبب طعمه المر، ثم أخرجت لسانها قليلًا وقالت بصوتٍ باكٍ:
- إن طعمه مرٌّ وغير لذيذ... سامحك الله يا عمي.
ضحك بخفة على ملامحها الممتعضة، ثم قرص وجنتها برفق:
- إن الله يسامح الجميع، وهذا من أجلكِ حتى تشفي يا صغيرتي. والآن تعالي لنبدل ثيابكِ.
بعد مدة، جلس همام على سريرها محتضنًا إياها، وفي يديه قصة يقرأها لها.
رفعت أمل أنظارها نحوه بعدما بدأ يصف الفتاة الموجودة في الصورة بغير مواصفاتها، وقالت:
- من هذه يا عمي؟ إنها ليست هي، هل تريد أن أصفها لك؟
أومأ معتذرًا:
- أعتذر، يبدو أنني لم أرها جيدًا... وقد كبرت في السن.
ضحكت بخفة، ثم قالت:
- هل كبرت يا عمي وأصبح نظرك ضعيفًا؟ انظر، هذه بيضاء البشرة، بعينين زرقاوين، وشعرها قصير باللون الزهري، وهي طويلة.
عقد حاجبيه بتعجب وعدم استيعاب:
- وكيف تكون هي التي وصفتها؟ ألم تكن هذه؟
نفت برأسها، ثم قالت ببراءة:
- لا، لقد قلت إنها فتاة بيضاء يتخللها بعض الاحمرار، وعيناها سوداوان، وقصيرة ونحيلة، وشعرها طويل أسود وناعم... أظنك قلت هكذا.
ابتلع همام ريقه بتوتر.
فهذه المواصفات هي مواصفات سارة.
هل حقًا وصفها دون إرادة منه؟
ولماذا خُيل إليه أن الشخصية الكرتونية بهذه الصفات؟
حسنًا، ربما لا تكون هي.
نظر إلى أمل متسائلًا:
- إذًا، هل توجد فتاة بهذه الأوصاف؟
وضعت أصابعها على فمها وذقنها بتفكير، ثم قالت:
- أظن أنها تشبه سارة تمامًا... عمي، هل رأيت شعر سارة؟
هز رأسه نافيًا، لتتغير ملامحها بحماس، لكنه أوقفها بلطف:
- لا يا أمل، لا يجب عليكِ وصفها لي، فهذا الأمر لا يجوز، لأن الله نهى عنه يا عزيزتي.
خفضت بصرها نحو القصة المصورة، ثم قالت بهدوء:
- حسنًا، أكمل قراءة القصة، وانتبه جيدًا يا عمي.
ثم أعادت النظر إليه:
- لا تنسَ، لقد وعدتني أن تحضر لي سارة، أليس كذلك؟
أومأ برأسه بشرود، وأمسك القصة بين يديه جيدًا، ثم أكمل القراءة لها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كالعادة، كانت ريم تجلس ممسكةً بهاتفها، تتحدث مع كيان، فقد أصبحت هذه عادتها مؤخرًا.
تفاجأت بسما وهي تتحرك حول طاولة الطعام، تلتقط لها صورًا، فاستأذنت قليلًا من كيان، ثم وضعت الهاتف جانبًا وخاطبت سما بتعجب:
- ماذا تفعلين يا سما؟ لماذا تلتقطين هذه الصور؟ هل بدلتِ مهنتكِ وأصبحتِ مصورة؟
التفتت إليها سما، وأجابتها بتقرير:
- لا، لقد طلب مني إبراهيم ذلك، يقول إنه يريد عرضها للبيع.
اندهشت ريم من الخبر، وارتفع حاجباها بصدمة، ولم تستطع أن تنطق بكلمة، مما جعل سما تنظر إليها متسائلة:
- ما بكِ يا ريم؟ لماذا أنتِ مصدومة هكذا؟ ألم يخبركِ إبراهيم بذلك؟
حركت ريم رأسها نافية، ثم قالت بحزن:
- لا، لم يخبرني أبدًا. سما، لا تخبريه أنني علمت بالأمر، حسنًا؟
أومأت سما برأسها مؤكدة:
- حسنًا، لكِ هذا. لكنني أتعجب كيف لم يخبركِ بأمر كهذا؟ أليس ذلك أثاث زفافكِ؟ كيف سيتصرف به دون علمكِ؟ لقد ظننت أنه أخذ رأيكِ قبل أن يأخذ رأيي.
ضحكت ريم بسخرية، مانعةً دموعها من السقوط، فقد كان شعور العجز يسيطر عليها:
- لا تبالي يا سما، لقد تعودت على هذا التهميش منه. فقط أكرر عليكِ... لا تخبريه أنني علمت.
استدارت بجسدها بعدما أخذت هاتفها، حتى لا ترى الأخرى دموعها، ثم دلفت إلى حجرتها وأغلقت الباب خلفها.
توجهت نحو السرير وجلست عليه، ثم بدأت تبكي بقهر على حياتها، وعلى ذلك الزواج الذي بدأ يستنزف طاقتها ويمتصها كالثقب الأسود، حتى أصبح يقتل طموحها شيئًا فشيئًا.
بعد ساعتين، استيقظت على صوت رنين منبه هاتفها الذي يذكرها بموعد إحضار أبنائها.
وجدت رسائل من كيان، فضربت جبهتها بضيق من نفسها لأنها نسيت الرد عليها، ثم كتبت لها رسالة تخبرها فيها أنها ستحضر أبناءها وتعود لمحادثتها في أمرٍ ما، لأنها تشعر بالاختناق.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
طوال اليوم، ظلت ريليان غارقةً في التفكير بهدوءٍ ظاهري، بينما كانت داخلها تعيش صراعًا لا يهدأ.
كانت سعيدةً حقًا بطلب سليم، بل إن قلبها كان يكاد يطير من الفرح كلما تذكرت أنه اختارها، لكنه في الوقت ذاته كان يرتجف خوفًا من القادم... من ردة فعل عائلتها التي تعلم يقينًا أنها لن تكون هينة، بل ربما ستكون أقسى مما تعرضت له سابقًا.
وقفت أمام نافذة المطبخ، تنظر إلى الخارج بعينين شاردتين، لترى والدها جرير واقفًا أمام باب منزل سليم القديم.
كان المشهد يتكرر أمامها كل يوم.
يقف هناك وكأنه ينتظر لحظةً معينة، وكأنه يراقب المكان بحثًا عنها.
كان منزل سليم الحالي يقع خلف المنزل القديم، ولا يمكن للمارة رؤيته إلا إذا اقتربوا من ذلك الرواق الصغير الذي يصل بين المنزلين.
أغمضت عينيها للحظة، مستحضرةً دعاء الاستخارة الذي حفظته جيدًا.
لقد أدت الصلاة أكثر من مرة خلال ذلك اليوم.
كانت تريد سليم... تريد أن يكون هو اختيارها، لكن كلمات إبتهال بقيت ترن في عقلها؛ فالله وحده يعلم الخير لها، وقد يكون ما تريده قلبها ليس هو الأفضل لها.
رفعت يدها تدلك جانبي جبهتها، ثم بدأت تستعيد الدعاء الذي حفظته:
- اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب...
ثم أكملت بقلبٍ خاشع:
- اللهم إن كنت تعلم أن زواجي من سليم ابن إبتهال خيرٌ لي في ديني ودنياي وأهلي ومالي ومعاشي وعاقبة أمري، فقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن زواجي من سليم ابن إبتهال شرٌّ لي في ديني ودنياي وأهلي ومالي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به.
تنهدت بعد ذلك، فقد أخبرتها إبتهال أن أفضل وقت للاستخارة والدعاء بها هو الثلث الأخير من الليل، لكن يجوز الدعاء بها في أي وقت كدعاءٍ عادي، ما عدا الأوقات التي لا تُصلّى فيها النوافل.
نظرت إلى الساعة، فوجدتها الثامنة والنصف.
ظلت للحظات تفكر، وكأنها تجمع شتات شجاعتها، ثم ارتكزت على يديها ونهضت من السرير بحسم.
لقد اتخذت قرارها.
فتحت باب غرفتها، واتجهت نحو غرفة إبتهال بخطوات مترددة.
كانت قدميها تتحركان، بينما قلبها يسبقها بالخوف والرجاء.
طرقت الباب طرقًا خفيفًا، ففتحت لها إبتهال التي كانت على وشك الخروج.
ابتسمت ريليان بتوتر، وأخذت تفرك كفيها ببعضهما، لتفهم إبتهال سبب مجيئها.
تراجعت عدة خطوات، سامحةً لها بالدخول، وعلى وجهها ابتسامة حانية.
بعد لحظاتٍ من الصمت، قطعتها إبتهال بصوت هادئ:
- أرجو أن تكوني قد فكرتِ في الأمر جيدًا يا ابنتي.
أومأت ريليان بتأكيد، ثم رفعت عينيها إليها ووجنتاها تكتسيان بحمرة الخجل:
- أجل يا خالتي، وأنا...
توقفت عن إكمال جملتها، فابتسمت إبتهال في داخلها أمام ترددها وخجلها، ثم ربتت على قدمها مازحةً بحزن مصطنع:
- حسنًا يا ابنتي، لقد علمت جوابكِ... أنتِ لا تريدينه، لكن صدقيني...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!