الفصل السابع عشر
**في المساء، كانت سارة تجلس بجانب ابتهال وهي تروي لها ما حدث، فلم تسنح لها الفرصة لإخبارها إلا الآن؛ لأنه، وبكل بساطة، رحل هاشم وسمر قبل قليل، فلم تسمح لهما ابتهال بالمغادرة قبل ذلك أبدًا:
نظرت إليها ابتهال بسعادة غير مصدقة ما تسمعه:
- حقًا! هل تريد تعلُّم تعاليم الدين الإسلامي؟
أومأت سارة برأسها مؤكدةً، وهي تهزه بسعادة:
- أجل، في البداية صُدمتُ مثلك، لكنها أكدت لي أنها جادة، وتريد حقًا رؤية روعة الدين الإسلامي الذي نتحدث عنه. لقد أخبرني سليم بأنها تستطيع حضور الندوة التي سيذهب إليها بعد أسبوع من الآن، ولقد أخبرتها بذلك، فوافقت بسعادة كبيرة دون تردد.
نظرت إليها ابتهال لتتحدث بحمدٍ وشكرٍ لله، فقد رأت في ذلك بداية خير:
- شكرًا لك يا الله، بيدك هداية الخلق.
لتكمل شارحةً ما قد التمسته في ريليان من قبول:
- لا أُنكر أنني أشاهد الفضول داخل عينيها عندما نتحدث عن الدين، وتشعرين أنها تسكن وتهدأ عند إنصاتها للقرآن. كنتُ أتمنى أن تتعلّم، وأن نعلّمها، لكن لا إكراه في الدين.
أومأت سارة بتفهّم لحديث والدتها، ثم سألتها باستفسارٍ مفاجئ:
- أمي، هل كان أبي، رحمه الله، مثل سليم؟
تنهدت ابتهال بحزنٍ واشتياق، متذكرةً زوجها محمدًا، رحمه الله، لتجيبها بشجن:
- بل كان أكثر من ذلك، صحيح أن سليم نسخةٌ مصغرة من محمد، لكنني أجد محمدًا أكثر...
قاطعتها سارة مازحةً، تريد أن تغيّر مجرى الحديث عندما بدأت الدموع تتجمع في مقلتي ابتهال:
- حسنًا، حسنًا، سوف تقولين إنه أحنُّ وأطيب... لأنه زوجك، ستقولين هكذا وتُنقصين من حق سولي حبيبي.
لتكمل بدراميةٍ مصطنعة، واضعةً كفها على جبينها:
- آه، أين أنت يا سولي لتستمع إلى أمك، كيف تُنقص من حقك؟!
ضحكت ابتهال بقوة، ليتزامن ذلك مع دلوف سليم من الباب، فقد قدم لتوّه من المسجد، فتحدثت ابتهال ضاحكةً:
- يأتي الصالح عند ذكره.
اقترب سليم بابتسامته المعهودة، وهو يقبّل رأسها باحترام:
- لأن والدة الصالح صالحة.
جلس بجانبهما، وهو يكمل بفضولٍ متسائل:
- ها قد أتى الصالح، عمَّ كنتم تتحدثون، يا أم الصالح؟
خاطبته سارة بضيقٍ طفيف، وقد شبكت يديها أمام صدرها:
- قبل أي شيء، أين قبلتي عندما تأتي من الخارج يا هذا؟
لتكمل بحزنٍ مصطنع هذه المرة، ناظرةً إليه بطرف عينيها:
- وأنا التي كنتُ أُكبّر من قدرك وأرفع من شأنك. يا الله، ماذا أفعل؟! هل هذا جزاء المعروف؟!
انفجر سليم وابتهال ضاحكين، وقد أدمعت عينا سليم من شدة الضحك، ليتحدث بعدما هدأ:
- يا فتاة، لقد أصبحتِ كوميدية، ماذا تأكلين من ورائي؟!
نظرت إليه سارة بضحك، وهي تخرج لسانها له مقتربةً منه:
- لن أخبرك، هذا سر المهنة.
تقدّم سليم منها، ثم قبّل رأسها ووجنتيها:
- حسنًا، هل هكذا ستخبرينني؟!
وضعت سارة إبهامها أسفل ذقنها، وسبابتها على وجنتها، لتتحدث بمكر:
- دعني أفكر قليلًا، لكن ربما لو كان هناك مالٌ لتسهيل التذكر، سأخبرك.
نظر إليها سليم رافعًا حاجبه، لتتحدث الأخرى ضاحكةً بقوة:
- حسنًا، حسنًا، إنني آكل ما يأكله الصالح، لا أكثر ولا أقل.
غمز سليم بعينه لها، مصححًا حديثها بضحك:
- بل أكثر يا فتاة، إنني لا أتناول حلوى الأطفال، في المقابل تلتهمينها كلها.
انفجرت سارة ضاحكةً، متمسكةً بمعدتها من كثرة الضحك، لتتساءل ابتهال باستغرابٍ من كمية الضحك هذه:
- إلى هذا الحد أضحكك الأمر؟
نفت سارة برأسها، وهي تحاول أن تتوقف عن الضحك:
- لا، فقط تخيلت سليم يأكل حلوى الأطفال، وعلى رأسه القبعة البيضاء الخاصة بهم.
تحدث سليم وهو ينظر إليها بابتسامةٍ حنونة:
- سأتقبلها منكِ؛ لأنه ليس لديّ مزاج لمجادلتك.
توقفت سارة عن الضحك، لتنظر إليه بتساؤلٍ حقيقي وقلقٍ أكبر:
- ما بك؟ هل هناك شيء يزعجك؟ أم أن موضوع سمر ما زلت تفكر به؟!
تدخلت ابتهال بالحديث، وهي تخاطب سليم بحنانٍ لتجذب انتباهه:
- بُني.
التفت إليها سليم باسمًا، ليجلس بجانبها مرةً أخرى:
- تفضلي، أمي.
خاطبته ابتهال بتنهيدةٍ مثقلة، فقد فكرت كثيرًا قبل أن تتحدث معه:
- أنت تعلم رأيي بهذا الأمر، صحيح؟
أومأ لها سليم باسمًا بحبٍ واحترام، فما كانت لتتحدث إلا وهي تريد مصلحته:
- لا عليكِ يا أمي، أعرف أنك لا تحبين زواج الأقارب، وإن خالي هو من عرض ذلك، لذلك خجلت من الاعتراض والتدخل، لكن عليكِ بالبحث جيدًا عن فتاة، فأنا أعتبر سمر كأختٍ حقًا.
أجابته ابتهال بتأكيدٍ، وقد امتزجت الراحة بالسعادة في نبرتها:
- حسنًا، لا تقلق يا بُني.
اعتدل سليم واقفًا ليستأذنهما قبل أن يُفتح موضوع الزواج الآن، فهو يعلم أنه لن يسلم من أسئلتهما:
- عن إذنكما، سأخلد إلى النوم، وأنتِ يا سارة، اذهبي إلى النوم الآن، فلديكِ دوامٌ غدًا.
وقفت سارة، لتتوجه إليه متسائلةً:
- ذكرتني، كيف ستكون تلك الندوة يا سليم؟
زفر بخفة مجيبًا إياها بهدوء، وقد بدأت رقبته تؤلمه من شدة العمل اليوم:
- لا أعلم يا سارة، إنها تختلف في كل مرة، أي إنها تعتمد على الأسئلة الموجهة فيها، لكنني لا أجادل بالقرآن كثيرًا، فهناك من لا يحب ذلك، لذلك نحن نحترم هذا الأمر، مهما كانت دياناتهم.
أومأت سارة برأسها متفهمةً، ثم ابتسمت له مقبلةً وجنته:
- تصبح من أهل الجنة، أخي.
انحنى سليم وهو يقبل رأسها بحب:
- وأنتِ من أهلها يا سارة.
««:::::::::::-:::::::::::»»
كانت ريم تجلس بجانب سما وهي تمسح دماءها كانت ريم تجلس بجانب سما، وهي تمسح الدماء عن وجهها بخفة، بعدما جعلت إبراهيم يخرج من الغرفة بصعوبة، فقد أغلقت فمه حتى لا يرمي يمين الطلاق عليها، لتتحدث بحنانٍ ناظرةً إليها:
- لقد أخطأتِ يا سما، ما كان عليكِ مجادلته في أمرٍ كهذا، تعلمين أن إبراهيم عقليته صعبة، ولا يتفهم الأمور بمكنونها. صدقيني، لقد جلبتِ هذا لنفسك.
نظرت إليها سما، والدموع ما زالت تترقرق في عينيها:
- إنني أشتاق لأمي يا ريم، إنه لا يجعلني أهاتفها ألبتة، لا أعلم لماذا لا يريدني أن أتواصل معها، مع أنه هو الذي ذهب إلى أمي وأخبرها: حدث شيء بيني وبين ابنتك، وأريد أن أصحح هذا الشيء، إذًا لماذا لا يريدني أن أتواصل معها؟!
تنهدت ريم من هذا الحال، فكل ما تريده هو الخلاص التام من إبراهيم، لتجيبها بهدوء:
- سما، انظري، كنتُ سأكون أتعس فتاة لو قام إبراهيم برمي يمين الطلاق عليكِ قبل قليل، لكنه لم يفعل، والحمد لله، وهذا أسعدني بشدة. ها هو تركك تفكرين بالأمر، ورجاك ألا تتركيه.
أغمضت سما عينيها وهي تتذكر ما قاله إبراهيم لها قبل أن يخرج من المنزل:
"سما، أنتِ تتفوهين بحديثٍ ليس له معنى، وما زلتِ تحبينني كما في السابق، فقط قلتِ ذلك لأنني آذيتك. سأترككِ الآن كي تهدئي وتفكري بالأمر جيدًا، وأرجو أن تعودي إلى صوابك، وتتخلي عن فكرة الطلاق هذه."
نظرت إليه مستفهمةً بفضولٍ كبير:
- لماذا ستكونين أتعس فتاةٍ يا ريم إن تركتُ إبراهيم؟!
تنهدت ريم بحزن، لتجيبها وهي تتذكر ما مرت به في حياتها معه:
- إنني لا أضمن إبراهيم ألبتة يا سما، من الممكن أن يعود إلى أفعاله السابقة، ويحضر الفتيات إلى منزلي. صدقيني، سأموت إن فعل ذلك حينها. صحيح أنني لم أعد أحبه، ولا أتحمل النظر إليه، لكن لو لم يأمرني ربي بطاعته، لوجدتِني داخل غرفتي جالسةً، ولا أهتم لأمره، وليفعل ما يشاء.
أرجعت سما رأسها إلى الخلف، لا تريد أن تبكي الآن، لكنها انفجرت بالبكاء، ولم تعد تتحمل، مما جعل ريم تعانقها بمواساة، فتشبثت بها الأخرى بقوة، وهي تُخرج ما بداخلها من قهر.
مسدت ريم على شعرها بحنان، لتخاطبها برقة:
- اذكري الله يا سما، ما تفعلينه لا يجدي نفعًا. من المفترض أن يضعوني في موسوعة غينيس لأكثر فتاةٍ بكت، ولم يتغير شأنها. لقد تحطمت، وأنا لم أرَ في حياتي شيئًا غير الألم والخيانة يا سما، ومع ذلك، كلي أمل بالله أن يساعدني ويخلصني من هذا الوضع.
ابتعدت سما عن أحضانها، مبتسمةً لها بحب، لتخاطبها:
- ريم، أنتِ فتاة طيبة للغاية، رغم ما فعلتهُ بكِ، ما زلتِ تقفين بجانبي وتساعدينني.
تنهدت ريم بانكسار، ثم ابتسمت لها رغم ذلك:
- لا عليكِ يا سما، لا نريد أن نتذكر الماضي، وصدقيني، لقد نسيتُ كلَّ ما كنتِ تفعلينه.
أجابتها سما بامتنانٍ حقيقي:
- هل تعلمين أنني أعتبرك أختي؟ صحيح أنه في بداية الأمر كنتُ أحرّض إبراهيم عليكِ بطريقةٍ غير مباشرة، لكنني رأيت أنكِ لا تستحقين ذلك، فأنا لم أكن أتوقع مدى تحمّلك وصبرك ومعاملتك الطيبة لي.
ابتسمت ريم لها بمزاح، وهي تضرب كتف سما بخفة:
- يا فتاة، لو كنتُ أحبه لما تركته لكِ. هذا عرضٌ لن تحصلي عليه مطلقًا، ولا في أي مكان، فقط عند ريم الطيبة. وأنا أتنازل لكِ عن هذا الحب، وعن هذا الرجل بأكمله.
لتكمل بجديةٍ حقيقية، ناظرةً إليها بقوة:
- سما، إن كان بمقدورك أن تجعلي إبراهيم لكِ كل الأيام، فلا يهمني، وستكونين بهذا قد صنعتِ لي معروفًا لن أنساه لكِ طوال حياتي، فكما تعلمين، إنه قسم الأيام بيننا منذ مدةٍ كبيرة؛ يومان لي، والخمسة المتبقية لكِ.
أسرعت سما بالنفي، وكأن عقربًا قد لدغها:
- لا، لا أستطيع أن أجعله لي كل الأيام، هذا حقكِ يا ريم. حتى إنني أفكر بأن يقوم بتقسيم الأيام بيننا بالعدل؛ ثلاثةٌ لكِ، وثلاثةٌ لي، واليوم المتبقي يجعله بشكلٍ دوري، أي مرةً لكِ، ومرةً لي.
نظرت ريم إليها بصدمةٍ من تفكيرها:
- ماذا؟!**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!