الفصل الثالث والعشرون
ابتسم سليم بخفة لإجابتها المتسرعة، ثم أكمل بعدما لاحظ الإحراج في صوتها بسبب إجابتها الخاطئة:
- انتبهي. بينما كانت المعلمة تراقب، شاهدت طالبةً تكتب: تسعة. الآن المعلمة لن تقوم بتصحيح الإجابة لها، لكنها تستطيع ذلك، ولو فعلت هذا لقلتِ إن هذه المعلمة غير عادلة. وإذا قالت للطالبة: لا تكتبي تسعة، واكتبي ثمانية، فسيقول بقية الطلبة: هذا اختبار، وليس تدخلًا. أي إن الله، لو أراد شيئًا، فمن السهل عليه أن يغيره، ولكن لأن للإنسان إرادةً حرة، فهو يترككِ تتخذين قراركِ بنفسك.
تحدث متنهدًا:
- إن هذه الدنيا هي اختبارٌ للآخرة. الله يوضح لكِ القواعد، ويبين لكِ ما هي الأشياء الجيدة، وبذلك يمنحكِ الإرادة الحرة، إذًا فالاختيار لكِ أنتِ. الله لا يتدخل في إرادتكِ الحرة، ويستطيع أن يفعل ذلك لو أراد. يقول الله في كتابه العزيز: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾.
وأيًّا كان الذي يحدث، فهو يحدث بإرادة الله تعالى، ولكن القرار قراركِ في النهاية، واعتمادًا على قراركِ يكافئكِ الله أو يعاقبكِ. أتمنى أن أكون قد أجبتُ عن سؤالكِ.
أجابته ريليان بابتسامةٍ واسعة:
- أجل، أجل، لقد أجبتني، وشكرًا لك يا سليم.
أجابها سليم بهدوء:
- على الرحب والسعة.
تساءلت ريليان مترددةً:
- هل ستقام ندوةٌ أخرى كالتي كانت بالأمس؟
أجابها مؤكدًا:
- أجل، هذا صحيح.
نظرت إليه ريليان باستفسار:
- متى؟ أي في أي يومٍ ستكون؟
أجابها بنفس الهدوء:
- كما كانت بالأمس، من كل أسبوع.
نظرت ريليان إلى ساعة هاتفها، لتشهق بصوتٍ مرتفع وهي تفتح عينيها على مصراعيهما، فالتفت إليها سليم بسرعة، متسائلًا:
- ما الذي حدث؟ ما الأمر؟
تقدمت سارة منها، متسائلةً بقلق:
- ما الأمر يا ريليان؟
حمحمت ريليان بخجل:
- لا يوجد شيء، فقط الوقت تأخر.
نظر سليم إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم لام نفسه على انشغاله بالحديث، ليجدها تشير إلى التاسعة مساءً، فتحدث بهدوء:
- اذهبي وارتدي ثيابكِ يا سارة.
تساءلت الأخرى باستفسار:
- لماذا؟!
نظر إليها سليم نظرةً فهمتها، فهرولت نحو غرفتها بسرعة.
توجهت ريليان نحو باب المنزل، ليخاطب سليم والدته:
- أمي، لا تجعليها تخرج من البيت.
ابتسمت ابتهال بهدوء، ثم خاطبت ريليان:
- ريليان، انتظري يا ابنتي.
توقفت الأخرى، ملتفتةً إليها:
- نعم، خالتي؟
أجابتها ابتهال بابتسامةٍ صغيرة:
- انتظري قليلًا، ريثما تأتي سارة.
مرت دقائق، وحضرت سارة وهي ترتدي ثياب الخروج، لتخاطب سليم على عجل:
- إنني جاهزة، هيّا بنا.
تقدم سليم نحو الباب، ثم خرج من المنزل، لتنظر ريليان إليهما باستغراب بعدما أمسكتها سارة من يدها:
- ما الأمر يا سارة؟
ابتسمت سارة، مجيبةً بهدوء:
- نريد أن نوصلكِ إلى بيتكِ يا ريليان، فلا يصح أن تذهبي إلى المنزل بمفردكِ في هذا الوقت المتأخر.
نظرت ريليان إلى سليم الذي أخرج سيارته، لتتحدث بنفيٍ قاطع:
- لا أريد، شكرًا لكم يا سارة.
قلبت سارة عينيها إلى الأعلى، ثم تحدثت بقلة صبر:
- ليست أوامري، بل هي أوامر المذيع سليم.
نظرت إليها قليلًا، ثم نظرت إلى سليم مرةً أخرى، متحدثةً باستنكار:
- حقًا؟!
أومأت لها سارة بتأكيد:
- أجل.
ثم سحبتها بخفة، متحدثةً وهي تتجه نحو السيارة:
- يا ابنتي، هيّا، لقد أتعبتِني معكِ، ثم إنني أريد أن أرى منزل صديقتي، أم أنكِ لا تريدين ذلك؟
ابتلعت ريليان ريقها بخوفٍ من رؤية والدها أو أحد أفراد عائلتها لهم، فابتعدت عنها، متحدثةً:
- لا أريد... أعرف طريق منزلي، شكرًا لكم.
نظرت سارة إليها وهي تبتعد تاركةً إياها، ثم نظرت إلى سليم الذي كان يجلس خلف المقود، فتوجهت نحوه بخطواتٍ سريعة، وتحدثت عندما وصلت إلى نافذته:
- سليم، إن ريليان لا تريد أن نقوم بإيصالها.
أغمض عينيه بهدوء، ثم أجابها بتريث:
- اصعدي يا سارة.
نظرت إليه باستفسار:
- إلى أين؟
خاطبها زافرًا:
- إلى السيارة.
نظرت إليه سارة باستغراب:
- لماذا؟ لقد ذهبت.
نظر سليم إلى سارة ليجيبها بعصبيةٍ خفيفة:
- سارة، أقول اصعدي دون أي نقاش.
احتلت سارة المقعد الذي بجانبه، ليحرك سليم المقود نحو الخارج. نظر إليها بهدوء متحدثًا بلطفٍ نادم:
- أعتذر، سارة، لم أقصد أن أرفع صوتي.
أجابته سارة بابتسامةٍ صادقة:
- لا عليك، سليم، لستُ غاضبةً منك، لكن أريد تعويضًا ماديًا على ذلك.
ضحك بخفةٍ من كلامها عندما اقترب من ريليان التي كانت تسير بسرعةٍ وكأنها تركض، ولم تكن قد ابتعدت سوى عدة أمتارٍ قليلة:
- سوف أقف عند صديقتكِ، وعليكِ أن تتحدثي معها كي تصعد إلى السيارة، اتفقنا؟
أومأت له، ليعترض طريق ريليان، وخفضت سارة زجاج النافذة كي يتسنى لها الحديث:
- هيّا، اصعدي.
نظرت إليهما ريليان ببعض السعادة، لتجيبها بالنفي وقلق، وهي تتخيل إن علم أهلها بهما:
- لا أريد، شكرًا لكِ، سارة، سأستقل سيارة أجرة.
زفر سليم من عنادها، لتجيبها سارة بضيق:
- ريليان، لا تعاندي، رجاءً، إن كنتِ تحبينني فاصعدي.
نظرت إليها لبرهةٍ من الوقت، ثم نظرت إلى سليم متفحصةً ملامح وجهه، لتجد علامات الغضب باديةً على محياه. تنهدت باستسلام، لتحتل المقعد الخلفي بهدوء:
نظرت إليها سارة، ملتفةً بجسدها نحوها، متسائلة:
- أين تقطنين؟
أجابتها ريليان بتوسلٍ ضعيف:
- أريد أن أترجل عند الشارع العام فقط.
زفرت سارة بضيق، لتخاطبها بقلة صبر:
- ريليان، أجيبيني وحسب، لقد أصبتِني بالجنون حقًا.
عقد سليم حاجبيه بضيقٍ من عناد هذه الفتاة، لتخبرهما باستسلام عنوان منزلها؛ لأنها لا تريد أن ينفعل عليها إذا تحدث:
طوال الطريق، لم تخفض ريليان بصرها عن سليم، وهي تنظر إليه من خلال المرآة الأمامية بتفحص، تريد أن تحفر ملامحه بعنايةٍ كبيرة. انتبهت إلى صوت سارة وهي تخبرها بوصولهم، لتنظر حولها تتفقد المكان حتى لا يراها أحد، ثم ترجلت من السيارة بخفة بعدما ودعت سارة.
دلفت إلى المنزل بعدما تأكدت من ذهابهم، ثم أخذت نفسًا يهدئ من قلقها، تدعو ألا يكون والدها موجودًا في المنزل أو ألا يراها، جدت مايا أمامها، فابتسمت لها بتوتر، لتسألها الأخرى باستغراب، ناظرةً إليها بشك:
- إلى الآن كنتِ تتسوقين، ولم تحضري شيئًا معكِ؟
أجابتها كاذبة، محاولةً رسم ابتسامةٍ على ثغرها:
- لم يعجبني شيء، مايا.
ثم تخطتها نحو الأعلى، متسائلة بعجل:
- هل رلين بالأعلى؟
أومأت لها مايا، مجيبةً بهدوء وهي تغلق الباب خلفها:
- أجل، إنها تهاتف ديفيد.
ضغطت ريليان على أسنانها بغضب، لتصعد السلالم بسرعة، وقبل أن تختفي أوقفها صوت جرير المتسائل:
- أين كنتِ، ريليان، كل هذا الوقت؟ لقد أخبرتِ والدتك أنها ساعة وليست ثلاث ساعات.
نظرت إليه بتوتر اجادت اخفاؤه، لتهبط السلالم وهي تتوجه نحوه باحترام، متحدثةً بأدب:
- لقد كنت أتسوق، أبي.
أجابها جرير بضيقٍ وشك ناظرًا اليها يخرق سبر اغوارها:
- إنكِ لا تحبين التسوق، فما الذي جعلكِ تتأخرين كل هذا الوقت؟
كادت أن تجيبه، ليقاطعها رنين جرس المنزل، التفت جرير بجسده نحو الباب يريد أن يعرف هوية الزائر، ليجد أمبر يقف أمام الباب بعدما فتحت الخادمة له.
تقدم الآخر باسمًا، ليصافح جرير، ثم قبل وجنة ريليان تحت نظراتها المصدومة، تحدث وهو يوجه حديثه إلى جرير:
- كيف حالك، سيد جرير؟
أجابه جرير ببعض الضيق:
- ماذا قلت لك، أمبر؟
أجابه الآخر ببعض الحرج يفرك مؤخرة رأسه:
- نسيت، أبي.
ابتسم له جرير ابتسامةً هادئة مربتًا على كتفه:
- الآن أنا بخير.
بعد ثوانٍ، فُتح الباب ليدلف ستيف وبجانبه فتاةٌ بشعرٍ أشقر وعيونٍ زرقاء، باسمة الوجه، نظر إليها أمبر بسعادة، لتقترب الأخرى منه، معانقةً إياه بحب:
ابتعدت عنه، متحدثةً برقة:
- كيف حالك، أمبر؟
قرص أمبر وجنتيها بخفة:
- بخير يا صغيرة.
التفتت إلى جرير وهي تبتعد عن أمبر، لتصافحه باحترام:
- كيف حالك، أبي؟
أومأ لها جرير بابتسامة صغيرة ضاغطًا بخفةٍ على كفها الرقيق:
- بخير، إليا، وأنتِ كيف حالك؟
اقترب ستيف ليحاوط خصرها بابتسامةٍ سعيدة:
- لا تقلق، أبي، إنها بخير ما دامت معي.
ضحك جرير لتملك ابنه، بعدها نظر إلى ريليان التي تقف تتابع ما يجري بهدوء وأمبر يحاوط كتفيها، ليتحدث الاخير مخاطبًا جرير:
- أعتذر، أبي، لقد جعلتها تتأخر، كنا نتسوق ولم ننتبه للوقت.
نظرت ريليان بصدمةٍ من حديثه، ليومئ جرير برأسه متفهمًا:
- لا عليك، بني.
خاطب الخادمة آمرًا إياها بوضع طعام العشاء، بعدها تقدمت جوليا مرحبةً بهم بحرارة وأخذت بيد إليا، ثم جلستا تتحدثان في أمور زواجها من ستيف.
نظر أمبر إلى ريليان، ليمسك يدها مستأذنًا من جرير، ليتوجها نحو إحدى الغرف التي أمامهما، أغمضت ريليان عينيها بألمٍ جراء ضغط أمبر على معصمها، ليتحدث بغضبٍ وغيرةٍ كبيرين محاولًا اخفاض صوته:
- من ذلك الشخص، ريليان؟
فتحت عينيها على اتساعهما، ليكرر سؤاله، ضاغطًا على أسنانه، يكاد يسحقها من الغضب:
- من ذلك الشاب، ريليان؟
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!