الفصل الثاني والتسعون
**
أومأ له الاخر باستسلام، فيبدو أن سليم يعشقها؛ فجميع تصرفاته وحركاته تدل على ذلك، وليس كما قالوا له واذاعوه، لقد أشفق عليه حقًا، فلم يتركا البحث سوى مرتين فقط، اللأولى عندما ذهب سليم لأداء صلاته، وحتى تلك المرات لم يطل فيها، فكل ما يشغله هو أن يجدها، والثانية عندما ترجلا عند محطة الوقود لتعبة مخزن السيارة.
اتصل ديفيد برلين ليخبرها بكلام سليم، لتجيبه بعد خوفٍ ومماطلة كبيرة بمكان أمبر، انطلقا بسرعة كبيرة نحو المكان.
كان سليم يسابق الريح، وكأن كل ثانية تمر بعيدًا عنها تُسرق من عمره، لم يكن يفكر بشيء سوى الوصول إليها، أن يطمئن أنها بخير، ان يراها ويحتضنها، ان يستمع الى صوتها، وبعد عشر دقائق بدت له كأنها دهرٌ كامل، كان يقف أمام إحدى الشقق، وأنفاسه مضطربة وقلبه يرفض الهدوء.
مد يده نحو الباب وكاد أن يطرقه، ليمسك ديفيد بذراعه سريعًا مانعًا إياه:
- توقف، لن يفتح لك. دعني أتولى أنا ذلك.
نظر إليه سليم للحظات، ثم تنحى جانبًا بصعوبة، محاولًا السيطرة على الغضب الذي كان يغلي داخله، كان يشعر بأن شيئًا سيئًا يحدث خلف هذا الباب، وأن قلبه يصرخ قبل أن يعرف الحقيقة.
أخذ ديفيد نفسًا عميقًا، ثم طرق الباب بهدوء، منتظرًا فتح أمبر له، في الداخل، انتفضت ريليان فور سماع الطرقات، لم تعرف السبب، لكنها شعرت بأن قلبها يخبرها أن القادم هو سليم، وكم جعل الطمأنينة تسري في أوصالها قليلًا.
حاولت أن تقاوم ضعفها تعتدل في جلستها، بينما خرج أمبر بعد أن ارتدى قميصه بسرعة، ثم اقترب من الباب ونظر من العين السحرية، لتتسع عيناه عندما رأى ديفيد.
عقد حاجبيه باستغراب، وكاد أن يبتعد، لكنه اصطدم بريليان التي كانت تحاول ارتداء عباءتها فوق ثيابها الداخلية.
توقفت أنفاسه للحظة عندما لمح ضوء شاشة هاتفه، فمد يده وأمسكه بسرعة، كانت عشرات الاتصالات والرسائل تملأ الشاشة.
فتح آخر رسالة من رلين، وما إن قرأها حتى ابتلع ريقه بخوف، لقد أخبرته بأن سليم وديفيد على وشك الوصول، لكن الوقت كان قد انتهى ها هم امامه خلف الباب.
أمسك بيد ريليان محاولًا إخفاءها، لتصرخ الأخرى فجأة بصوتٍ مرتجف، يحمل كل ما بداخلها من خوف وألم ها قد عاد صوتها بمجرد شعورها به، فها هو الامان:
- سليم!
كان ذلك الصوت كافيًا ليُخرج كل ما حاول سليم دفنه بداخله طوال الوقت، في لحظة واحدة، اندفع الغضب في عروقه، ودفع ديفيد جانبًا ثم حطم الباب بقوة كبيرة، قوة جعلت المكان يرتج من صوت تحطمه.
التفت أمبر وريليان نحو الباب، ليقف أمبر جامدًا في مكانه، وقد ارتسمت الصدمة والخوف على وجهه، ويقسم انه شعر بالموت امامه.
أما ريليان، فما إن رأته حتى شعرت بأن روحها عادت إليها، ابتسمت وسط دموعها، وكأنها لم تكن تنتظر شيئًا في العالم سوى أن تراه أمامها، لكن سليم لم يرَ سوى صورة واحدة،
صورة أمبر أمامه، يده ممسكة بيد ريليان، وشعرها حرًا طليقًا يغطي كتفيها، صورة عرضه وشرفه مكشوفان لغيره.
في تلك اللحظة، غلبه الغضب قبل أن يفكر، وغمرت وجهه حمرة الانفعال، اقترب منه بسرعة، وسدد إليه عدة لكمات متتالية جعلته يتؤنح متراجعًا ويسقط على ركبتيه، واضعًا يده على وجهه من شدة اللكمات التي تلقاها.
ابتعدت ريليان عنهما بخوف، وهي ترى الجانب الآخر من سليم، الجانب الغاضب الذي لم تره بهذه الصورة من قبل، ثم انكمشت في إحدى الزوايا، تضم نفسها محاولة استيعاب ما يحدث.
انحنى سليم نحو أمبر، وأمسكه من تلابيب قميصه، ثم رفعه وألصقه بالحائط طاحنًا عظامه من شدة الضغط، كانت عيناه تحملان نارًا مشتعلة، وصوته خرج منخفضًا لكنه مرعب:
- أتعلم ما الذي فعلته يا هذا؟ أتعلم مصير من يتجاوز حدوده؟ أتعلم مصير من يتحدى من حذره من قبل؟ لقد ظننت أن الوصول إلى ريليان أمرٌ سهل... ظننت أنك تستطيع أخذها مني وكأنها لا تعني شيئًا.
ثم تغير صوته، وظهر الألم خلف غضبه:
- لقد عذبت روحي بفعلتك هذه... لقد آذيتها، آذيت إنسانةً لا تستحق منك إلا الاحترام، ولن أسمح لك أن تفعل ذلك مرة أخرى.
انهالت ضرباته عليه، وكلما تذكر أنها كانت وحدها معه، وكلما تخيل خوفها في تلك اللحظات، ازداد غضبه اشتعالًا، يكفي نظرتها له بمجرد وصوله.، فهو لم يكن يرى أمامه سوى صورة ريليان وهي تتألم.
سقط أمبر أرضًا، لكن سليم لم يشعر بأن النار داخله قد خمدت، كلما تذكر أنه خدعها، وأنه حاول انتزاع الأمان الوحيد الذي تتمسك به، كان غضبه يعود أقوى.
انحنى نحوه مرة أخرى، ممسكًا يشعر الاخر وصوته يحمل مرارة ما حدث:
- أتتذكر تلك الضربات التي وجهتها إليّ من قبل؟ ظننتني ضعيفًا حينها، أليس كذلك؟ ظننت أن صمتي خوف! لكنك أخطأت.
أمسكه من مقدمة قميصه مرة أخرى، وأجبره على الوقوف، ثم همس أمام وجهه:
- أرأيت الآن إلى أين أوصلك تفكرك الأرعن؟ ماذا استفدت من فعلتك هذه؟
لكمة بغضب العالم اجمع، لكمةً جعلت الاخر لا يتحمل أكثر من ذلك، لترتخي جفونه ويسقط فاقدًا وعيه.
تركه سليم بقوة، ليسقط على الأرض، ثم وقف ينظر إليه للحظات، وكأنه يحاول إقناع نفسه أن الأمر انتهى، التفت نحو ديفيد، فرأى علامات الذعر واضحة على وجهه.
خاطبع بغضب حاول كتمه قد استطاعته:
- خذه من هنا واخرج.
أغمض سليم عينيه بقوة، محاولًا إخماد البركان الذي بداخله، وبعد أن حمل ديفيد أمبر وغادر، بقي سليم واقفًا للحظات، ويداه مقبوضتان بقوة حتى شعر بالألم.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أرخاهما ببطء، محاولًا استعادة نفسه وهدوءه، بعدها عاد ينظر إليها حيث كانت تجلس في الزاوية، تضم قدميها إلى صدرها، وكأنها تحاول الاختباء من العالم كله.
اقترب منها بسرعة، وانحنى أمامها، ثم احتضنها بقوة، كأنه يريد أن يحميها من كل شيء حتى من ذكريات هذه الليلة، يحتضن روحًا فارقته وتألمت، يحتضنها احتضانًا يثبت لنفسه أنها امامه وبين يديه، ولن تذهب.
دفن وجهه بالقرب منها، وقبّل وجنتها بحنان، وهو يستغفر الله في داخله، كان يعلم أنه لو ترك غضبه يقوده أكثر لفعل ما يندم عليه، لكنه لم يكن يحتمل فكرة أنها خافت وحدها.
أغمضت ريليان عينيها بصمت، كان قلبها محطمًا، وأنفاسها متقطعة، ودموعها تحمل ألمًا لم تستطع الكلمات وصفه.
استمعت إلى دقات قلبه القوية، وشعرت لأول مرة منذ ساعات أنها عادت إلى مكانها الآمن، لكن الخوف بقي عالقًا بداخلها، كانت تشعر بأنها فقدت جزءًا من حياتها عندما تخيلت أن أمبر كاد أن يأخذ منها شيئًا لا يحق له.
لقد وعدت نفسها أن سليم وحده هو من يملك قلبها وحياتها، رفعت عينيها إليه بخوفٍ صامت، هل سيبقى يحبها كما كان؟ هل ستتغير نظرته إليها؟ هل سيبتعد عنها بعدما حدث؟
شعر سليم بما يدور بداخلها، فأبعدها عنه قليلًا، ونظر إلى عينيها بابتسامته التي كانت تعرفها، تلك الابتسامة التي تحمل لها الأمان:
- ريليان، انظري إليّ.
رفعت عينيها إليه بتردد، مشدده على قميصه تستمد منه الأمان، وما إن التقت نظراتهما حتى انهارت كل مقاومتها، وارتمت بين ذراعيه وهي تبكي بقوة، تشكيه ضعفها وقلة حيلتها، تشكيه مرارة ما حدث معها وما عاشته، تشكيه خوفها ونفسها.
شدد احتضانه لها، وكأنه يقسم في داخله ألا يسمح لأي ألم بالوصول إليها مرة أخرى، مرر يده على شعرها بحنان، يخاطبها بصوت هادئ رغم العاصفة التي بداخله:
- اهدئي ريليان، اهدئي حبيبتي، أنا هنا، أنا بجانبك، لن يمسكِ أحد بسوء، لقد أتيت، سامحيني لأنني تأخرت، سامحيني، اعدك بألا تتكرر.
ابعدها عنه قليلًا باسمًا بوجهها، وهو يغلق ازرار عبائتها ويعدل من وضع حجابها، ثم بعد ذلك اعادها الى أحضانه، ظلت تبكي بين ذراعيه دون حديث، دون صوتٍ، بكاءً هادئًا يلائم لطفه وحبه، حاول ابعادها عنه لكنها أبت ذلك:
- فقط اسمعيني صوتك لاطمئن عليكِ، لا تتركيني هكذا ريليان.
لم تجب عليه او تصدر صوتًا بل شددت من احتضانها له تخبء نفسها بداخله أكثر، فاحترم رغبتها، يمسد على ظهرها بحنان، بينما بدأ يقرأ عليها بعض الآيات القرآنية بصوت هادئ حتى تهدأ روحها، وتستكين نفسها، بقي محتضنًا لها، لا يريد أن يتركها للحظة واحدة، يخشي ان تركها أن يتكرر ما حصل، حتى شعر بعد مدة أن جسدها هدأ فجأة، وانقطع بكاؤها.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!