الغصل السابع والأربعون
**
جلس همام بجانبها لتدخل سارة والبقية إلى الغرفة، ينظرون إليها بسعادةٍ وراحة بعد أن عادت إليهم. نظرت أمل إلى همام، لتتحدث من بين دموعها التي ازدادت وشهقاتها التي ارتفعت شيئًا فشيئًا:
- أنا هنا!
أومأ لها همام بتأكيد، مقبلًا كفيها الصغيرين بحنان:
- أجل حبيبتي وأميرتي، أنتِ هنا.
تحدثت بصوتٍ متقطع وهي تحاول استيعاب ما حدث:
- نمت قليلًا ثم عدت... لقد ذهبت إلى الجنة، ظننت أنني مت.
نظرت إلى سارة التي كانت تشهق باكيةً بصوتٍ مكتوم، لتتسع ابتسامتها رغم تعبها وهي تحاول التقاط أنفاسها:
- سارة! هل أنتِ هنا؟ هل جئتِ إليّ حقًا؟
أومأت لها سارة بسعادةٍ وهي تمسح دموعها، لتتقدم منها وتجلس على السرير، ممسكةً بيدها بحب بعدما تركها همام:
- أجل حبيبتي.
وجهت أمل أنظارها إلى إبتهال، وسألتها بنفسٍ قصير:
- أمي إبتهال، هل تبكين؟
أجابتها إبتهال بسعادةٍ غامرة:
- أبكي من السعادة لرؤيتكِ بخير حبيبتي.
أشارت أمل بيدها غير الموصولة بالأسلاك إلى سليم:
- أخي سليم، أنت أيضًا هنا.
أومأ لها مؤكدًا بابتسامةٍ هادئة:
- بالتأكيد سأكون هنا صغيرتي.
نظرت إلى ريليان التي كانت تمسح دموعها، لتبتسم لها:
- وأنتِ أيضًا أختي ليان، الجميع هنا.
ثم نظرت إلى عمها متحدثةً بصوتٍ ضعيف:
- شكرًا لك عمي لأنك أحضرتهم جميعًا.
نظر إليها همام بعينين ممتلئتين بالحب، ليجيبها:
- لا تشكريني يا أميرتي، سأفعل كل شيء لأجلك.
نظرت إليه أمل بحبٍ وامتنان:
- لأنك كل عائلتي عمي.
ابتسم لها وهو يمسك يدها بحنان:
- أجل، أنا كذلك أميرتي.
نظرت إليه متسائلةً ببراءة:
- سوف أذهب إلى المنزل، أليس كذلك؟
أومأ لها مؤكدًا، مقبلًا يدها:
- أجل، ستذهبين إلى البيت معي وبأمان أيضًا.
شدد على يدها وهو يطمئنها:
- هل تسمعينني؟ لن أترككِ بمفردكِ، سيصبح كل شيء أجمل وأفضل، أعدكِ أننا سنعود إلى المنزل بسلام.
ابتسمت له بحب:
- أنا أشعر أنني أفضل.
ملس على شعرها بحنان:
- هذا جيد صغيرتي.
نظرت إليه وهي تحاول أخذ أنفاسها:
- اعتقدت أنك أخذتني إلى مكانٍ آمن.
نظر إليها مستفسرًا:
- هل تقصدين البيت؟
ثم تابع بابتسامة:
- أجل، إنه أفضل مكانٍ آمن سأذهب إليه، وأنتِ ستأتين معي.
نظرت إليه بسعادةٍ كبيرة:
- سأشعر بتحسن... سأشعر مثلك، وسأشعر بالإيمان والقوة أيضًا.
ثم أومأت عدة مرات برأسها، لتغمض عينيها بنعاس. لم تمر سوى خمس دقائق، لكنها كانت كفيلة بإثارة الخوف في قلوب الجميع، خاصةً أن الأطباء لم يفهموا ما حدث رغم أنها ما زالت تتنفس.
تنهدوا براحةٍ كبيرة عندما استمعوا إلى هدوء دقات قلبها، ليؤكد الطبيب بعد اقترابه منها أنها قد خلدت للنوم.
بعد مرور خمس دقائق، فتحت أمل عينيها وهي تبكي، ثم تحدثت بصوتٍ مرتفع:
- أحب الله، وأحب أن أعيش هناك عنده، أريد أن أُلهم الجميع بألا يفقدوا ثقتهم وإيمانهم بالله.
ثم نظرت إلى سارة، وسط دهشة الجميع وصدمة من كلماتها:
- هل نحن متشابهتان؟ هل أنا أشبهكِ وجميلة مثلكِ؟
أومأت لها سارة وهي تقبل وجنتها باكية:
- أجل حبيبتي وصغيرتي، نحن متشابهتان، لا بل أنتِ أجمل مني. أحبكِ أمل.
أومأت أمل برأسها مبتسمة:
- لقد اشتقت إليكِ سارة، أنا أحبكِ جدًا.
ضحكت سارة بخفةٍ من بين دموعها وهي تقرص وجنتها:
- لقد غفوتِ لمدة خمس دقائق فقط يا أمل.
أومأت لها مبتسمة:
- أجل، أعلم.
نظر إليها همام متسائلًا:
- هل تعتقدين أنها مدة طويلة يا أمل؟
أومأت له مؤكدة:
- أجل، أشعر وكأنني غبت تسعةً وتسعين يومًا.
ابتسم لها وهو يمسك يدها مقبلًا إياها:
- هل أنتِ جاهزة للدعاء؟
نظرت إليه بشك:
- لن تتركني أغفو مرة أخرى، أليس كذلك؟
أومأ وهو يحبس دموعه، لتتمسك بيد سارة جيدًا وتغمض عينيها بقوة:
- أدعو الله أن يحفظ روحي، وأن يحميني، وأتمنى أن أكون بخير وأن يذهب عني المرض.
ابتسمت لها سارة رغم دموعها، فمشهد أمل وهي تدعو الله بيقين، ووجهها الممتلئ بالدموع، وصوتها المتقطع وهي تحاول إخراج كلماتها، كان كفيلًا بأن يجعل الجميع يتأثرون:
- ستشعرين بالتحسن في كل دقيقة حبيبتي.
تحدثت أمل بسعادةٍ وبكاء:
- أنا أفضل الآن، ها قد مرت دقيقة.
أومأ لها همام:
- أجل، أنتِ تتحسنين أميرتي.
ابتسمت بتعبٍ واضح:
- أنا أفضل الآن، الحمد لله.
كررتها مرتين بسعادة:
- أنا أفضل... أنا أفضل.
خاطبت سارة بعدما توقفت عن الحديث:
- عانقيني سارة، لأنني أشعر بأنني أفضل.
انحنت سارة لتعانقها بسعادةٍ كبيرة وحب، لهذه الطفلة التي احتلت مكانًا كبيرًا في قلبها، ليخاطبها سليم بهدوء:
- حسنًا سارة، دعي هذه الأميرة ترتاح قليلًا.
تقدمت ريليان من أمل لتقبل وجنتيها بحنان:
- الحمد لله على سلامتكِ أمل. انظري إليّ، لو أنكِ لم تكوني مريضة لخاصمتكِ بسبب لفظكِ لاسمي بشكلٍ خاطئ، لكن مرضكِ شفع لكِ.
ضحكت أمل بخفةٍ رغم تعبها لتجيبها بمزاح:
- حسنًا ليان، افعلي ما تشائين، لكن عمي وسليم سيأخذان حقي منكِ، أليس كذلك أخي سليم؟
نظر إليها سليم بابتسامة:
- أجل، صحيح أيتها الأميرة الجميلة.
نظرت إبتهال إليها بحنان:
- حسنًا صغيرتي، ارتاحي الآن، ونحن موجودون بجانبكِ.
تقدم الطبيب منهم متحدثًا:
- هذا صحيح، يجب عليها أن ترتاح، وأريدك أستاذ همام في المكتب.
خرج الجميع بعدما خلدت أمل للنوم، وبقيت سارة بجانبها ممسكةً بيدها كما طلبت أمل.
توجه همام وسليم معًا بعدما طلب همام منه ذلك، ليدخلا مكتب الطبيب الذي جلس على مقعده الخاص. جلس الاثنان أمامه ليبدأ الطبيب حديثه:
- لقد تخطت أمل مرحلةً مرضية عصيبة، تسمى التهاب السحايا البكتيري، وهو عدوى تصيب طبقات الأنسجة التي تغطي الدماغ والحبل الشوكي، وقد تسبب تيبس الرقبة، والحمى، والصداع، والتشوش الذهني، والشعور بالارتباك، وارتفاع درجة حرارة الجسم.
توقف قليلًا ثم أكمل:
- وأحيانًا يصاب الأطفال بانخفاض مستويات الإدراك والوعي، وكذلك الصداع، والامتناع عن تناول الطعام، وظهور بقع من الطفح الجلدي، والمعاناة من التهيج والشعور بالنعاس الدائم. ولا بد أنك لاحظت ذلك سيد همام، أليس كذلك؟
أومأ له همام بتأكيد، ليكمل الطبيب متنهدًا:
- إنه مرض قد يتسبب أحيانًا في إعاقة دائمة، وفي بعض الحالات قد يؤدي إلى الوفاة إن كان شديدًا ولم يتم اكتشافه وعلاجه بسرعة.
نظر همام إليه بصدمةٍ كبيرة، هل كانت أمل على وشك الرحيل؟ هل كان يمكن أن يخسرها ويترك وحيدًا؟
تحدث سليم مستفسرًا بقلق:
- وماذا عن الآن؟ هل هناك خطر على حياتها؟
تنهد الطبيب وهو يشبك أصابعه:
- حاليًا لا، لقد احتاجت إلى مضاد حيوي قوي لعلاجه، ويبدو أنها تناولت قبل ذلك عدة مضادات حيوية لكنها كانت ضعيفة، ولو لم تحضرها إلى هنا لكنا فقدناها.
تنهد همام براحةٍ كبيرة، ليسأله:
- هل من الممكن أن يعود هذا المرض؟
زفر الطبيب مجيبًا:
- في بعض الأحيان قد يعود إن لم يتم تحصين المصاب جيدًا، لكن طالما أنها محصنة وتتم حمايتها ووقايتها منه، فلا توجد احتمالية كبيرة لعودته.
أومأ همام متفهمًا، ليكمل الطبيب:
- سنقوم بحجزها لدينا بضعة أيام أخرى، وسنعطيها العلاج اللازم لوقايتها، وأرجو الله أن تكون بخير. هي تحتاج في هذه الفترة إلى الحب والحنان والاهتمام والمساندة، وستتخطى هذه المحنة بسلام إن شاء الله.
ابتسم الطبيب قليلًا وهو يتذكر حالتها:
- إنها تؤمن بالله كثيرًا، وقوة ثقتها وإيمانها بالله أمر عظيم بالنسبة لعمرها الصغير، بل هو أمر نادر أيضًا.
-««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد مدة، ترجل جرير من سيارته، ليتبعه ستيف وأمبر، وكانت علامات وجوههم لا تدل على أي خير.
تقدموا نحو المنزل الذي أعطتهم جوليا عنوانه، لينظر أمبر إلى المنزل بتفحص. لقد تذكر أنه جاء إلى هنا من قبل، لكن متى؟
توقف للحظة عندما تذكر.
أجل، إنه المنزل الذي جاء إليه وسأل عن ريليان.
يا إلهي... لا يعقل أن يكون هو الشخص الذي تحبه ريليان. لقد صدقه حينها، لكنه الآن يشعر بأنها أخفت عنه الحقيقة.
أخذ جرير نفسًا عميقًا، ثم ضغط على جرس الباب بهدوءٍ يخفي خلفه غضبه. انتظر عدة دقائق، لكن لم يجبه أحد.
بدأ يفقد أعصابه تدريجيًا، فتحولت طرقاته الهادئة على الباب إلى ضرباتٍ غاضبة تعكس ما بداخله.
نظر ستيف حول المنزل لعله يجد أي شخص، ثم التفت إلى أمبر الذي كان يقف وعلامات الحزن بادية على وجهه. كان يتألم لأجل أخته أكثر من نفسه، فهو يعلم شعور الشخص الذي فقد من يحب.
تقدم ستيف من جرير متحدثًا:
- أبي، يبدو أنهم غير موجودين بالداخل.
حاول جرير دفع الباب بكل قوته، وبعد عدة محاولات انفتح الباب معه، ويبدو أنه كسره.
دخل إلى المنزل ليجد الهدوء يعم المكان، ثم بدأ يبحث في الغرف واحدة تلو الأخرى، لعله يجد أي دليل على وجود ريليان هنا.
دخل غرفة سليم، فوجدها مليئةً بالكتب الدينية. شعر بالتوجس والرهبة منها، وتقدم بحذر.
وفجأة شعر بقدميه تتجمدان، وكأنه لم يعد قادرًا على الحركة.
لم يجد تفسيرًا لذلك الشعور الذي اجتاحه، جلس على المقعد بضعف، وأغمض عينيه محاولًا استعادة أنفاسه وقوته.
لم يفهم ما هذا الخوف الذي دب في أوصاله.
تقدم منه ستيف وأمبر، لكنه خاطبهما بقوة عندما شعر بوجودهما:
- لا تدخلا، ابقيا عند الباب.
توقف الاثنان في مكانهما، بينما حاول جرير أن يعتدل، لكنه شعر وكأن شيئًا يمنعه من الوقوف.
نظر إلى كتاب الله، ليشعر بمزيجٍ من الغضب والرهبة يملآن قلبه.
نظر إليه أمبر وستيف بصدمة عندما وقف فجأة صارخًا بغضب، ثم بدأ بعدها بتحطيم الأشياء وتمزيق الكتب الموجودة في غرفة سليم.
تقدم ستيف منه محاولًا تهدئته وإيقافه، لكن جرير لم يتوقف.
نظر أمبر إليه بصدمة، لقد تحول جرير إلى شخصٍ آخر، إلى وحشٍ غاضب لا يستطيع السيطرة على نفسه.
أشار ستيف لأمبر أن يساعده في الإمساك به، فتقدم هو الآخر، لكن جرير كان يبتعد عنهما بقوة.
وبعد أن خرج من الغرفة وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، نظر إلى المنزل ثم خاطبهما:
- دعونا نذهب من هنا.
نظر إليه أمبر بضيقٍ من تصرفه، فهو لم يفهم سبب كل ما حدث.
أغمض عينيه بغضب عندما تذكر حب ريليان لشخصٍ آخر، ثم ضرب بيده القطعة الزخرفية الموجودة على الطاولة، فسقطت على الأرض وتحطمت إلى قطعٍ صغيرة.
نظر إليها بلا مبالاة، ليقول ستيف بضيق:
- ما بكما أنتما الاثنان؟ هل أصبح كل شيء عندكما هو التحطيم والتمزيق؟
توجه جرير نحو الباب ليخرج، فلم يعد يحتمل البقاء أكثر.**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!