الفصل التاسع والتسعون
**
ساد صمتٌ في مكان، ثم خرجت منها ضحكة قصيرة، ضحكة لا تحمل فرحًا، بل عدم تصديق.
- جزاك الله خيرًا يا سليم، لقد أضحكتني.
خرجت من المرحاض ثم توجهت نحو الصالة تكمل حديثها:
-رلين؟ شقيقتي؟ هي من فعلت ذلك؟
اقترب منها يخاطبها بثبات واضح:
- نعم، هي فعلت، لأنها ظنت أنني سأترككِ وتعودين إليهم.
امسك بيديها ثم أجلسها على الأريكة من خلفهم رغم اعتراضها في البداية، ثم بدأ يحكي لها كل ما عرفه، عن الخطة، عن تحالف شقيقتها وأمبر، وعن اتصالات ديفيد، وعن كل التفاصيل، كانت ملامحها تتغير مع كل كلمة.
حتى وضعت يديها على أذنيها:
- كفى. لا أريد أن أسمع أكثر انت...
توقفت الكلمات، وانهارت أرضًا رفعت نظرها إليه، وكانت عيناها تحملان وجعًا لا يوصف:
- أنت تكذب... قل لي إنك تكذب، رلين لا تفعل هذا بي، أنا نصفها الآخر، أنا توأم روحها.
ثم وقفت تسير في الصالة بدون هدى، ثم اقتربت منه وهي تهز رأسها:
- أنت تريد التخلص مني، أليس كذلك؟ تريد أن تجعلها السبب حتى تتركني.
بدأت تضرب صدره بضعف، لا بقوة غضب، بل بقوة قلبٍ محطم:
- قلها فقط يا سليم، قل إنك لم تردني أصلًا، قل إنك تزوجتني فقط لتحميني، قل إن كل شيء كان من أجل أمي ابتهال.
ثم ضعفت ضرباتها شيئًا فشيئًا لتخاطبه بضياع بعد ان فكرت جيدًا انه من الممكن ان يكون ذلك صحيح فكيف وصل امبر اليها ولماذا طلبتها رلين في الليل بالتحديد ربطت ذلك بحديث سارة ايضًا، حتى توقفت، وهمست:
- ألم تقل لي يومًا إن من كان الله معه فلن يصيبه شيء؟ إذن لماذا حدث هذا؟ لماذا لم يحمِني؟ لماذا تركني أصل إلى هذا المكان؟ لقد أسلمت به وآمنت بوجوده، عدت إليه طامعة رحمته، فلماذا لم يساعدني؟ لماذا أنا من دون الجميع يحدث لي ذلك؟ لماذا لم يقف معي؟ أين هو اللـ...
أمسك سليم يديها بحزن، يقاطعها بلطفٍ وهو يرى تخبطها يخاطبها بهدوءٍ رغم الألم:
- لأن هذا ربما قد يكون هذا ابتلاءً واختبارًا، ليس لكِ وحدكِ، بل لنا نحن الاثنين ريليان، وعلينا أن نصبر على اجتيازه بالصبر والتقرب اليه، واقول هذا لي قبل ان اقوله لكِ، ف الله لا يترك عباده.
سحبت يديها منه مبتعدة عنه بسخرية، متحدثة بصوتٍ منكسر:
- أي اختبار هذا يا سليم؟ أن يؤذيني أحدهم؟ أن تخونني شقيقتي وتطعنني في ظهري وتساعد على كسري؟ أن أفقد ثقتي بكل شيء؟ أين هو الله اذًا عندما كنت أحتاجه؟
تقدم نحوها، وصوته يحمل خوفًا عليها ممسكًا كتفيها متحدثًا بغضبٍ مكتوم:
- عودي لرشدكِ ريليان ما الذي تتفوهين به استغفري الله واذهبي توضأي كي نصلي معًا.
لكنها ابتعدت عنه بنفور متحدثة بصوتٍ خالٍ من القوة بل بدا وكأنها تتحدث من اخر صوتها:
- لا أريد، وهل اقول لك شيئًا آخر؟!
رفعت عينيها إليه تصيبه في مقتل بجملتها التي ألقتها عليه:
- أريد الطلاق.
تجمد مكانه، ليس لأنها طلبت الرحيل، بل لأنها قالتها وهي ليست هي، تقدم خطوة ثم توقف، نظر إلى عينيها بغضبٍ كبير يبدو انها لن تعود الىرشدها البتة، رفع يده نحوها مما جعلها تغمض عينيها بقوة وهي تشاهده يريد ضربها واضعةً يديها على وجهها تخبأه لا إراديًا ليهوى بها مما جعلها تنصدم بقوة كبيرة فلم تكن تتوقع ان يفعل ذلك.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
استعد إبراهيم للرحيل، لتتطلع إليه سما بنظراتٍ متوسلة، تهمس بصوتٍ خافت:
- أرجوك إبراهيم، دعنا نبقى اليوم فقط، ألم ترَ والدتي؟
زفر بقوة، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل إقناعها، فعاد إلى ذاكرته مشهد إغماء سلوى أمامهم، اعتدل في جلسته، لتنظر إليه والدتها بضعفٍ شديد، وصوتها لا يكاد يخرج:
- هل ستغادرون الآن يا بني؟
أومأ لها إبراهيم بتأكيد، لتزداد ملامحها تعبًا وهي تهمس:
- ابقيا بجانبي اليوم فقط.
نظر إليها بضيق، ثم أجابها محاولًا إنهاء الأمر:
- اعذريني سيدة سلوى، لكنني لا أستطيع تلبية طلبكِ هذا.
تدخل ساهر، شقيق سما الأكبر، محاولًا تهدئة الموقف:
- ما بك يا إبراهيم؟ ابقيا اليوم وغادرا صباحًا، ماذا سيحدث في ذلك؟
لم يجبه إبراهيم، بل اكتفى بزفرةٍ غاضبة، ونظر إلى سما التي كانت ترجوه بعينيها، لكنها ما إن رأت إصراره حتى أدركت أن النقاش لن يغير شيئًا، وأن عقابها سينتظرها ان أصرت على ذلك.
نهضت بصمت، وحملت أغراضها، وغادرت معه، بعدما قبلت والدتها، ما إن ابتعدا عن المنزل حتى توقفت سما، ونظرت إليه بألمٍ كبير:
- هل هذا يرضيك يا إبراهيم؟ ماذا سيحدث لو بقينا يومًا واحدًا فقط، ألم ترَ والدتي؟ ألم ترَ حالتها؟ ألم ترَ إغماءها أمامنا، كانت تحتاجنا بجانبها،أنت قاسٍ جدًا.
توقف إبراهيم، ونظر إليها بملامح جامدة، كانت كلماتها تصيب مكانًا حساسًا داخله، لكنه لم يسمح لنفسه بإظهار ذلك.
قال بصوتٍ بارد:
- لا تتحدثي وكأنني لا أهتم، أنا فقط أعرف ما أريده.
نظرت إليه بعدم تصديق، وامتلأت عيناها بالخذلان:
- بل أنت لا ترى إلا نفسك إبراهيم، دائمًا تريد أن يكون كل شيء كما ترغب أنت، أنت متغطرس وظالم.
اشتد توتره، وشعر أن غضبه يزداد، فابتعد عنها قليلًا محاولًا السيطرة على نفسه، لكن سما، التي تراكم داخلها الكثير، تابعت بألم:
- تعبت..تعبت من محاولة فهمك، تعبت من أن أبحث عن مكانٍ لي في حياتك، أنت أناني ومتغطرس وظالم.
ساد الصمت بينهما، كانت كلماتها أثقل من أي شيء آخر، تغيرت ملامحه بين غضبه وجرحه، لم يعرف أي شعورٍ يسيطر عليه. خاطبها بصوتٍ مرتفع:
- أنتِ لا تعرفين ما الذي تقولينه.
أجابته بانكسار رغم ما تشعر به من ألم:
- بل أعرف جيدًا، لأول مرة أعرف أن وجودي بجانبك لا يعني لك شيئًا، وان حريتي في ابتعدي عن شخصٍ مثلك، شخص لا يعرف إلا نفسه ولا يهتم بأطفاله، بالأمس تزوجتني على ريم وبالغد ستتنزوج بأخرى، لا أريد شخصًا يبدل النساء كما يبدل ثيابه، فأنت لست برجل.
ثم نظر بعدما أخرجت شياطينه، ثم صفع وجنتيها الاثنتين بقوة فقد استفزته بكلامها:
- أيتها الجاحدة، هل وصلتِ إلى هذه المرحلة؟!
تجمدت سما مكانها، لم تتوقع أن تصل الأمور إلى هنا، نظرت اليه بغضب كبير متجاهلة ألم وجنتيها لتوزع أنظارها بينه وبين مدخل باب البناية وهي تشعر لأول مرة أنها تريد الابتعاد عنه، لا هروبًا فقط... بل بحثًا عن راحة افتقدتها طويلًا.
اقتربت منه تقوم بدفعه بقوةٍ كبيرة متوجهة نحو البوابة هاربة فها هي فرصة التخلص منه جاءتها على طبقٍ من ذهب.
كادت ان تغلق الباب ليضع إبراهيم قدمه مانعًا إياها من ذلك، إبتلعت ريقها بخوفٍ كبير ليمسكها من خصلات شعرها بقوةٍ كبيرة وهو يتحدث من بين اسنانه:
- هل تعلمين ما الذي فعلتِه وقلته؟ أتظنين التخلص مني سهل؟ انتِ ساذجة ومغفلة.
هسهس اليها مقتربًا من أذنها جعل الخوف يدبُّ في أوصالها، وتمنت لو أنها لم تفعل فعلتها:
- لو كان التخلص مني سهل لفعلتها ريم من قبلك، سأجعلكِ تدفعين ثمن ما صدر منكِ الان.
حاولت الابتعاد عنه لتجيبه بألمٍ كبير بيده التي تضعط على خصلاتها:
- لا اريدك، لا اريدك اتركني ايها الغبي.
نظر اليها وقد بدأت الشياطين تتراقص امامه ليبدأ بضربها بقوةٍ كبيرة، غير مراعٍ انه في بناية عائلتها أو حتى أنها زوجته وحبيبته.
بدأت بالصراخ والإستغاثة بأشقائها؛ مما جعل الجيران يخرجون وهم ينظرون ما الذي يجري، هبطت سلوى وساهر و سراج ليجدوا سما ممددة أرضًا وابراهيم يهيل إليها الضربات دون رحمة، حاول ساهر إبعاده عنها بغضب كبير فضخامة الاخر تفوقه.
نظر إليها إبراهيم بكره كبير مبتعدًا عن ساهر بنفور:
- انتِ طالق.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!