الفصل التاسع والأربعون
**دعونا نعود إلى الخلف قليلًا، وبالتحديد قبل أربعة أيام، عندما غادر سليم المشفى مودعًا همام ومتمنيًا الشفاء لأمل.
ترجل سليم من سيارته، وأمسك بيد ابتهال متوجهًا نحو المنزل، بينما كانت ريليان وسارة تسيران خلفهما بهدوء. كاد يفتح الباب، إلا أنه انتبه إلى صوت أحدهم يناديه. التفت إليه باستغراب بعدما لمح التوجس على ملامحه، ليتحدث متعجبًا:
- ماذا هناك يا أخي حسن؟
نظر إليه حسن بقلق، ثم اقترب منه مجيبًا:
- حمدًا لله على سلامتك يا أخي سليم. انظر، لقد جاء ثلاثة رجال صباحًا يسألون عنك، ثم رحلوا بعدما أخبرتهم أنك لست موجودًا، لكنهم قاموا بكسر الباب. وقبل نحو نصف ساعة تقريبًا، عاد أحدهم ودلف إلى الداخل، ولم يخرج حتى الآن. حاولت الاتصال بك، لكنك لم تجب.
نظر سليم إلى ابتهال التي تشبثت بذراعه بتوجس، فأخرج هاتفه من جيب سترته، ليجده على الوضع الصامت. زفر بضيق، ثم أعاد نظره إلى ابتهال، فقد بدأ يشك في هوية الدخيل. عاد لينظر إلى حسن متنهدًا وقال بهدوء:
- حسنًا يا أخي، شكرًا لك، وأعتذر لعدم الرد، فقد كان الهاتف على الوضع الصامت. لكن، هل أخبروك بهويتهم؟
أجابه حسن نافيًا:
- لا، لم يخبروني. كنت أنوي استدعاء الأمن لأنني أراهم لأول مرة في هذه المنطقة، وكان تصرفهم يثير الريبة، لكنني ظننت أنك تعرفهم، لذلك تراجعت... أقصد أنني تراجعت عن استدعاء الأمن للرجل الموجود داخل البيت.
أجابه سليم متنهدًا بثقل:
- لا عليك يا حسن، أنا أعرفهم. شكرًا لك مرة أخرى.
ابتسم حسن ابتسامة صغيرة وقال:
- لا داعي للشكر. تصبح على خير يا أخي، وإن احتجت إلى أي شيء فأنا في خدمتك.
نظر سليم إلى ابتهال بعدما غادر حسن وقال:
- أمي، يمكنكم العودة إلى السيارة ريثما أنظر إلى الداخل.
وجهت ابتهال أنظارها نحو ريليان، التي كانت تتشبث بيد سارة بقوة، وقد ارتسم الخوف الشديد على ملامحها. لقد تيبست في مكانها بمجرد أن استمعت إلى حديث حسن. لم تكن تعلم لماذا أيقنت أن الرجال الثلاثة هم أفراد عائلتها، وأن الذي بالداخل هو والدها جرير.
تشبثت بسارة أكثر، لترتجف شفتاها وتتجمع الدموع في عينيها مهددة بالانهمار. تراجعت إلى الخلف بخوفٍ شديد، لا تريد البقاء في هذا المكان. كانت على يقين أن نهايتها قد اقتربت إن أمسكوا بها.
استدارت بجسدها كاملًا، وبدأت تبتعد بخطواتٍ مسرعة.
أمسكتها سارة من ثيابها بعدما لحقت بها، ثم نظرت إليها مطمئنة بعدما توقفت الأخرى عن الركض وقالت:
- ريليان، اهدئي وعودي إلى رشدك. ما بكِ هكذا خائفة؟ ألم نقل لكِ إن من كان الله معه فلن يصيبه شيء، ولن يخذله؟
اقتربت ابتهال منها بعدما دلف سليم إلى الداخل، ثم أكملت وهي تضمها إلى صدرها:
- أنتِ اخترتِ طريق الله يا ريليان، لذلك ضعي كامل ثقتك به. ربما لا يكونوا هم، فنحن لم نعرف بعد هوية من بالداخل. تعالي، لنعد إلى السيارة.
توجهت ريليان مع ابتهال نحو السيارة وجلست بها في انتظار خروج سليم.
أما سليم، فقد دلف إلى المنزل وأشعل الضوء، لينصدم بالفوضى التي عمت المكان. كانت الأرائك والوسائد مبعثرة على الأرض، والزجاج المهشم متناثرًا في كل زاوية، والمقاعد مقلوبة بصورة عشوائية.
تقدم بحذر، وقد تأكدت شكوكه بأن الدخيل ليس سوى أحد أفراد عائلة ريليان.
التفت بنظره نحو الرجل الجالس خلف الطاولة، واضعًا إحدى قدميه فوق الأخرى، وفي يده كأس من شرابٍ أحمر اللون. حسنًا... يبدو أنه نبيذ أحضره معه.
ألقى الجالس نظرة سريعة على أرجاء المنزل، وكأنه يتأمل ما أحدثته يداه، ثم أعاد بصره إلى سليم الواقف أمامه وقال بسخرية:
- لقد شرفت منزلك أيها المحمدي الكاذب.
نظر إليه سليم بعدما تذكره، ثم قال بهدوء:
- وأنت أيضًا شرفتني بقدومك إلى منزلي. أهلًا وسهلًا بك.
وضع أمبر كأس النبيذ على الطاولة، ثم قال بغضبٍ دفين:
- أين ريليان؟
نظر إليه سليم طويلًا دون أن يجيب، فضرب أمبر الطاولة بعنف وهو يصيح:
- أقول لك، أين ريليان يا هذا؟
أغمض سليم عينيه للحظة من صوته المرتفع، فهو يكره الأصوات العالية التي تصيبه بالصداع، ثم قال بهدوء:
- رجاءً، اخفض صوتك وحاورني بهدوء. أنت الآن في منزلي، وليس في منزلك.
ضحك أمبر بقوة، ثم اعتدل في جلسته مقتربًا منه وقال:
- وهل ما أنا فيه يدعو إلى الهدوء؟ أنت لا تعرف ما الذي فعلته يا هذا.
زفر سليم بهدوء، ثم جلس على الأريكة بعدما بدأ يشعر بالغضب يتسلل إليه، وقال متسائلًا:
- وما الذي فعلته يا أخي؟ أخبرني.
نظر إليه أمبر بصدمة، ثم رفع حاجبيه وقال:
- وتقول إنك لا تعرف؟
ثم أكمل بعصبية مفرطة، وقد برزت عروق وجهه واحمر لون بشرته:
- لقد سرقت مني خطيبتي! لقد دمرت حياتي يا هذا. كان من المفترض أن يكون اليوم يوم زواجنا. أنت من أغويتها بحبك وطائفتك المعقدة، وفوق هذا...
قاطعه سليم عاقدًا حاجبيه وقال:
- عن أي حب تتحدث؟ أنا لم أغوِ أحدًا بأي شيء. زن كلامك من فضلك.
ضحك أمبر بسخرية وعدم تصديق وقال:
- ها أنت تعود للكذب أيها المحمدي، وقد بدأت تغضبني.
خاطبه سليم بصدق، ناظرًا إلى عينيه الخضراوين:
- أقسم بالله أنني لا أعلم عن أي حب تتحدث. من فضلك وضح لي كلامك.
ضغط أمبر على أسنانه بغضب، ثم كور قبضته وضرب بها الحائط بقوة وقال:
- لا تصيبني بالجنون يا هذا. لقد بدلت ريليان دينها من أجل حبها لك... لقد فضلتك علي.
أكمل أمبر حديثه بحرقة عاشق، لكن سليم لم يعد يسمع شيئًا بعد جملة: "من أجل حبها لك".
هل حقًا تحبه؟ وهل بدلت دينها من أجله؟
يا الله... لم يعد يستوعب شيئًا.
ولم يفق من شروده إلا على لكمة قوية من أمبر أصابت جانب فمه، فتراجع عدة خطوات إلى الخلف، ليقترب منه أمبر مرة أخرى وهو ينوي تسديد ضربة أخرى.
أمسك سليم بيده مانعًا إياه، ثم قال بضيق:
- استمع إلي يا سيد. أولًا، هذا الكلام أسمعه للمرة الأولى، ولا أعلم عنه شيئًا البتة.
انتزع أمبر يده بعنف من قبضة سليم، فقوته لا تقارن بقوة سليم، ثم قال بعصبية:
- أين ريليان؟ أريدها حالًا إن كان كلامك صحيحًا.
أخذ سليم نفسًا عميقًا ليهدئ غضبه، ثم قال بعد ثوانٍ:
- اعذرني، لكنك لن تستطيع اصطحابها معك. أولًا، لم تعد خطيبتك، وثانيًا، لقد احتمت ببيتي ولجأت إلينا، ومن واجبي أن أحمي كل من يلجأ إلينا طالبًا المساعدة.
ضحك أمبر بجنون من كلام سليم، ثم اقترب منه وأمسكه من تلابيب قميصه، متحدثًا بحرقة:
أقسم بالرب، أيها المحمدي، إن لم تحضر إليّ ريليان الآن فسأحرق بيتك كاملًا، ولا تنسَ أن لديك أختًا أستطيع أن أفعل بها ما لا يخطر ببالك.
لم يجب سليم بأي كلمة، واكتفى بنظراته الثابتة المصوبة نحو عيني أمبر، والتي تحمل تحديًا واضحًا، مما زاد الآخر غضبًا.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!