الفصل المائة وثلاثة
**
بعد مرور يومين، كانت جوليا تجلس في ردهة المنزل، فنظرت إلى رلين التي كانت تستعد للخروج، لتسألها بشك:
- إلى أين أيتها الطير؟
عدّلت رلين خصلات شعرها، ثم أجابتها بهدوء:
- مع آليس، سنذهب إلى أمبر. وكما تعلمين، لا يوجد له ملامح كما أخبرنا ديفيد، ولقد طلبني.
زفرت جوليا بضيقٍ منها، ثم قالت:
- أتعلمين؟ كنت أتمنى أن يكون والدكِ قد علم في اليوم السابق، لكنه وبخنا بسبب تأخرنا عن ستيف حتى نبارك له زواجه.
دبّت رلين بقدميها الأرض بغضب:
- أمي! لماذا تريدين أن يوبخني والدي؟ هل من أجلها؟ إنها لا تستحق منا أن نفكر بها حتى، ولا تذكري اسمها أمامي مجددًا، وإلا أقسم بالرب أن أصنع بها ما لا تتوقعينه.
نظرت إليها جوليا بتهكم، ثم خاطبتها وهي تنظر إلى مايا:
- اذهبي يا رلين، ولكن اعلمي أن والدكِ إن علم أنكِ السبب في أذيتها أو فيما حدث لأمبر، فلن يرحمكِ أبدًا. كوني على علمٍ بذلك.
قلّبت رلين عينيها بضيق، ثم توجهت نحو الخارج، لتجد آليس بانتظارها. اتجهتا نحو السيارة الخاصة برلين، وانطلق بهما السائق نحو المشفى.
نظرت مايا إلى جوليا، ثم تحدثت بترددٍ وشك:
- أمي، هل رلين فعلت ذلك بريليان حقًا؟
تنهدت جوليا بقلة حيلة، وأجابتها بحزن:
- لا أعلم كيف تحولت إلى شيطان يا مايا. لقد كانت طيبةً وحنونة، عكس هذه الأيام تمامًا. إن ابتعاد ريليان عنها غيّرها كثيرًا.
ثم صمتت قليلًا قبل أن تتابع:
- يبدو أنني سأفعل شيئًا لا يخطر على بال أحد حتى أعيد المياه إلى مجاريها، لكن إياكِ يا مايا أن يعلم والدكِ بما فعلته رلين، فهي ما زالت طائشة وتتصرف دون تفكير. اتفقنا؟
أومأت لها بخفة، ليقاطع حديثهما صوت جرير متسائلًا:
- ما الذي ينبغي عليَّ عدم معرفته يا جوليا؟ أخبريني.
ابتلعت جوليا ريقها بتوتر، ثم أجابته بابتسامةٍ مرتبكة:
- لا شيء يا جرير، هل تريد تناول إفطارك؟
خاطبها وهو يضغط على أسنانه بقوة:
- أخبريني يا جوليا، ولا تكذبي. ما الذي تتهامسون به وتتلمزون عنه؟
ابتلعت جوليا ريقها بخوف، فقد شعرت بأن مصير رلين بات قريبًا، ثم أجابته بتوتر:
- كل ما في الأمر هو أنـــ...
قاطعها بضيق:
- أعلم أن الأمر يتعلق برلين، أخبريني دون مقدمات.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
خرج سليم من مدخل العيادة النسائية، واتجه بنظره نحو ريليان التي كانت تنتظره، وقلبه ممتلئٌ بحبٍ وسعادة لا يستطيع إخفاءهما. لقد أخبر ابتهال بالأعراض التي تراودها، فأجابته بفرحةٍ بأن هذه قد تكون أعراض حمل، وأن عليهما التأكد من ذلك، وها قد تحقق شكه وحدسه أخيرًا.
نظر إليها بحب، لكنه سرعان ما لاحظ أن ملامحها لا تحمل أي علامات فرح، بل بدت وكأنها تلقت صدمةً كبيرة أو أنها ما زالت غير مستوعبة لما يحدث.
صعد إلى السيارة، ثم جلس خلف المقود والتفت إليها متسائلًا بقلق:
- ما بكِ يا ريليان؟! ألستِ سعيدةً بذلك؟
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع، وهمست بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
- هل أنا كذلك حقًا يا سليم؟ هل أحمل الآن طفلًا بداخلي؟
أومأ لها بسعادةٍ غامرة، وأمسك يدها بحب:
- هل تتذكرين قبل يومين عندما أخبرتكِ أنني سأصبح أبًا، فقلتِ لي: هل أنت متزوجٌ من أخرى؟ هل علمتِ الآن ممن سأصبح أبًا؟
ضحكت على سذاجتها، فقد نسيت تمامًا ذلك الموقف. طوال اليومين الماضيين كان هو وابتهال يحاولان إقناعها بالذهاب إلى العيادة النسائية للاطمئنان والفحص، بينما كانت تعاند وترفض، لكنها جاءت أخيرًا، والحمد لله أن الله رزقها بطفلٍ من سليم.
احتضنته بسعادةٍ كبيرة، وكأنها بدأت تستوعب الحقيقة للمرة الأولى، ثم ابتعدت عنه قليلًا وسألته بلهفة:
- هل أنت سعيدٌ حقًا يا سليم؟ أم أن هذه مجرد مشاعر عادية؟
ضرب مقدمة رأسها بخفةٍ وهو يبتسم بضيق:
- لا أعلم كيف تفكرين يا ريليان. وكيف لي ألا أفرح أيتها الذكية؟ هل يوجد رجلٌ لا يحب أن يصبح أبًا، وخاصةً عندما يكون هذا الطفل من زوجته التي يحبها؟
نظرت إليه بترددٍ، وكأنها تخشى سماع الإجابة، ثم سألته بتوجس:
- وهل تحبني حقًا يا سليم؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم زفره قبل أن يجيبها بصوتٍ صادقٍ خرج من أعماقه:
- لا أعلم كيف دخلتِ قلبي، ولا أعلم كيف جعلتني أتعلق بكِ، ولا أعلم كيف عشقتكِ، ولا أعلم متى أو لماذا حدث ذلك.
ابتسم بحنان وهو ينظر إليها:
- كل ما أعلمه أنه لو كان لي ألف قلب، فسأحبكِ وحدكِ ألف مرة.
سألته بسعادةٍ امتزج بها شيءٌ من الخوف:
- إذًا... أنت لم تجبر نفسك على حبي؟ ولم تكن تكرهني من قبل، أليس كذلك؟
نفى برأسه مجيبًا بهدوء:
- لا، لم أجبر قلبي على اعتناق روحكِ. فالحب مثل الدين، لا إكراه فيه.
بدأت دموعها تتسابق على وجنتيها، ليخاطبها ببعض الضيق المحب:
- لماذا البكاء الآن يا ريليان؟ امسحي دموعكِ، هل كل شيءٍ لديكِ يكون بالدموع؟
اقتربت منه بتردد، ثم وضعت قبلةً رقيقة على وجنته جعلته يصمت للحظة، قبل أن تبتعد عنه مبتسمة:
- هذه دموع السعادة يا سليم، وهيا بنا لنُفرح أمي ابتهال بهذا الخبر.
استجمع نفسه وأدار السيارة، محاولًا التركيز على الطريق وإجبار نفسه على عدم النظر إليها كثيرًا. كان الطريق هادئًا نسبيًا، حتى عقد سليم حاجبيه وهو ينظر أمامه وقال:
- يبدو أن هناك حريقًا في المنطقة.
التفتت نحو المكان الذي أشار إليه، ثم أجابته بحزن:
- كان الله بعونهم، وخفف عنهم، ونجّاهم من هذا الحريق ومن كل ألمٍ وحزن.
وصل إلى مسامعه صوت سيارات الإسعاف والإطفاء القادمة، حتى أوقفه أحد المواطنين محذرًا:
- لا يمكنك الخروج أخي، فقد أغلقوا المربع كاملًا بسبب اندلاع حريقٍ في أحد المخابز، ولم نعد نستطيع السيطرة عليه. يمكنك الانتظار حتى تخمد النيران.
نظر سليم إلى ألسنة اللهب المتصاعدة، وتنهد قبل أن يترجل من السيارة.
أوقفته ريليان بتساؤلٍ وقلق:
- إلى أين أنت ذاهب؟
ابتسم لها مطمئنًا:
- سأذهب لأرى الأمر فقط، ولن أتأخر. لا تخرجي من السيارة، اتفقنا؟
أومأت له بتردد، وهي تشعر بانقباضٍ غريبٍ في قلبها لا تعلم مصدره، ليختفي سليم مع الرجل عن أنظارها.
انتظرت طويلًا، حتى قاربت الساعة السابعة مساءً. لقد بقيت ساعةً كاملة داخل السيارة، والخوف بدأ ينهش قلبها شيئًا فشيئًا، وهي ترى ألسنة النيران تزداد اشتعالًا، وتسمع صرخات الناس، وبكاء النساء، وأصوات الأطفال المرتجفة من الخوف.
لم تعد قادرةً على الانتظار أكثر.
ترجلت من السيارة بترددٍ كبير، واتجهت نحو الطريق الذي سلكه سليم، تبحث عنه بين الحشد الكبير، وقلبها لا يتوقف عن الدعاء بأن يكون بخير، وأن تخالفها تلك المشاعر التي تخيفها.
وما إن وطئت قدماها المكان حتى دوّى صوت انفجارٍ ضخم، جعل المنطقة بأكملها تشتعل بالنيران المتأججة التي بدأت تلتهم كل شيءٍ أمامها.
تجمدت في مكانها، ووضعت يدها على معدتها، بينما كان قلبها يخفق بجنون، وكأن حدسها يخبرها بأن مكروهًا قد أصاب سليم.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!