الفصل الثاني والستون
**
بعد أن أغلقت جوليا الهاتف، بقيت ريليان جاثية على ركبتيها، تبكي بقوة حتى وصلت شهقاتها إلى الخارج.
كان صوت بكائها كافيًا ليجعل قلب سليم ينقبض خوفًا.
لم يكن يخشى بكاءها فقط، بل كان يخشى ذلك الانكسار الذي شعر به في صوتها.
لقد اعتاد أن يراها صامدة أمام كل شيء، تقاوم خوفها، وتتشبث بإيمانها، لكنه الآن رأى الجانب الذي كانت تخفيه... فتاة لا تريد سوى أن تسمع من أمها أنها ما زالت ابنتها.
اعتدلت ابتهال وسارة بسرعة، وتوجهتا نحوها، بينما وقف سليم للحظة مترددًا.
كان يريد الاقتراب، يريد أن يخفف عنها، أن يقول لها إن كل شيء سيكون بخير، لكنه شعر بالعجز أمام ألمها.
لم يكن يملك سوى الدعاء والصبر.
دلفت ابتهال إلى الغرفة، ثم هبطت إلى مستواها وعانقتها بحنان وهي تمسح على شعرها.
- اهدئي عزيزتي، لماذا كل هذا البكاء؟ استعِيذي بالله ريليان.
تشبثت ريليان بها وكأنها وجدت مأوى بعد انهيار كل شيء حولها، وقالت بين شهقاتها:
- إنها تقول إنه لا يوجد لديها فتاة اسمها ريليان... إنها لا تعترف بي أبدًا. تقول إنني مت ولن تخاطبني إلا إذا تركت الإسلام... وهي غير موافقة على زواجي.
كانت كلماتها تخرج متقطعة، وكل كلمة تحمل معها ألمًا جديدًا.
شدت من احتضانها، ثم تابعت بصوتٍ مكسور:
- أمي... إن أختي ليست بخير. قلبي يؤلمني كثيرًا... أشعر وكأن روحي تُسحب مني.
بدأت ابتهال تقرأ على رأسها بعض الآيات القرآنية، محاولةً تهدئة قلبها المضطرب.
أما ريليان فكانت ما تزال تبكي بصوتٍ خافت، وكأنها تحمل في داخلها حزنًا أكبر من قدرتها على التعبير عنه.
بعد مدة قصيرة، بدأت شهقاتها تهدأ قليلًا، فابتعدت عن أحضان ابتهال بوجهٍ محمر من كثرة البكاء.
اعتدلت واقفة، ثم تركتهم متوجهة نحو غرفتها في الأعلى.
كادت سارة أن تلحق بها، لكن سليم أوقفها بهدوء يخفي خلفه قلقًا كبيرًا:
- اتركيها سارة... إنها تحتاج إلى البقاء بمفردها الآن، لا تزعجي خلوتها.
زفرت سارة بقلق، بينما نظر سليم إلى والدته التي جلست بحزن وضيق.
قال لها بصوتٍ هادئ:
- كنت أعلم رد والدتها، فليس من السهل عليها الموافقة على هذا الأمر. وحتى لو وافقت والدتها، فلن يوافق والدها.
ثم تنهد وأضاف:
- اذهبا للنوم الآن، ولكن أرجوكِ أمي... تفقديها كلما سنحت لكِ الفرصة.
نظرت إليه سارة بتساؤل:
- سليم، هل هذا يعني أنك لن تتزوجها؟ أليست هذه إشارة من الله ودليل منه؟
نظر إليها بهدوء بعدما تنهد، ثم أجاب:
- ردة فعلهم كانت متوقعة سارة. لكن طالما أن ريليان وافقت وشعرت بالراحة تجاه الأمر، وكما أخبرت أمي... فلا داعي لموافقة عائلتها، لأنني أعلم أن الرد سيكون بالرفض والمعارضة. هل فهمتِ؟
أومأت له بتفهم.
نظر إلى ساعته، ثم حمل حقيبته متوجهًا نحو غرفته، وقبل أن يصعد قال لهن:
- لا تنسيا تفقدها، وعندما تستيقظ اجعلاها تلجأ إلى الله، وتحدثا معها عن الصبر واليقين به. في النهاية ستتفهم عائلتها موقفها وتغييرها لدينها... الأمر يحتاج إلى وقت فقط.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
دلف غرفته زافرًا بضيقٍ مكتوم، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل على صدره. وضع حقيبته بجانب المكتب بهدوء، ثم خلع سترته ببطء، لكن يده توقفت للحظة عندما عاد إلى أذنه صوت بكائها...
ذلك الصوت الذي اخترق ثباته، وأوجعه أكثر مما توقع.
أغمض عينيه بقوة وهو يتذكر شهقاتها المتقطعة وهي تتوسل والدتها، شعر بعجزٍ لم يختبره من قبل، وكأن يديه اللتين اعتادتا مواجهة الصعاب أصبحتا مقيدتين لا تملكان فعل شيء.
وضع كفه على منطقة قلبه، يشعر بذلك الألم الغريب الذي يعتصره، وكأن بكاءها لم يكن مجرد صوتٍ سمعه، بل جرحٌ انتقل إليه واستقر داخله.
لم يفهم ما الذي يحدث له... كيف أصبح حزنها يؤلمه بهذه الطريقة؟ كيف أصبح خوفه عليها أكبر من خوفه على نفسه؟
رفع يده إلى شعره وأرجعه للخلف بعجز، يزفر بقوة وهو يحاول إنكار الحقيقة التي أصبحت أوضح من أن تُنكر.
لأول مرةٍ في حياته كان يتمنى لو كان مكان والدته، لو كان هو من احتضنها عندما انهارت، لو كان يستطيع أن يمسح دموعها بيده ويخبرها أنها ليست وحدها، وأنه سيقف بجانبها مهما كان الثمن.
لكنه لم يستطع، لم يملك سوى الوقوف بعيدًا والدعاء، تنهد بمرارة، ثم جلس على طرف السرير وهو يشعر بثقلٍ كبير فوق قلبه.
حسنًا... لن يهرب أكثر من ذلك، لقد تسربت إلى أعماقه دون أن يشعر، لم تعد مجرد فتاةٍ أراد حمايتها أو شخصٍ شعر بالمسؤولية تجاهه.
لقد أصبحت جزءًا من تفكيره، من دعائه، من خوفه وفرحه، لم يكن الأمر إعجابًا عابرًا كما حاول إقناع نفسه، بل كان حبًا عميقًا تسلل إلى قلبه بهدوء حتى احتل مكانًا لم يعد قادرًا على إخراجه منه.
لكن السؤال الذي أرهقه بقي يلاحقه متى حدث هذا؟ وكيف استطاعت أن تصل إلى هذا المكان في قلبه دون أن ينتبه؟
أغمض عينيه بعجز، وأسند رأسه للحائط للحظات، ثم نهض وكأن شيئًا واحدًا فقط قادر على تهدئة اضطرابه.
توضأ ووقف بين يدي الله، يناجيه بقلبٍ مثقل، يطلب منه أن يكون معها، أن يحفظها، وأن لا يتركها تواجه هذا الطريق وحدها.
فهو الآن لا يملك قوةً تغير كل شيء، ولا كلماتٍ تمحو ألمها... كل ما بين يديه هو الدعاء، والله وحده قادر على أن يطمئن قلبًا خائفًا، ويجمع ما تفرّق، ويكتب لهما الخير حيث كان.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد مرور سبعة عشر يومًا، كانت الأيام تسير بموجاتٍ متقلبة؛ تحمل في طياتها لحظاتٍ من الفرح الهادئ، وأخرى يغلب عليها الحزن والقلق.
كانت حياة ريم وسما وإبراهيم تسير بصورةٍ مستقرة ظاهريًا، رغم استمرار إبراهيم في إزعاج ريم وتجاهله الدائم لها، الأمر الذي كان يترك في قلبها أثرًا لا يظهره وجهها. ومع ذلك، وجدت في كيان شخصًا استطاعت أن تفتح له قلبها، فقد دخلت حياتها بصورةٍ محببة جعلتها تشعر ببعض الراحة وسط ما تمر به.
ورغم ذلك، لم يفارقها ذلك الألم الذي يسكن جسدها، حتى قررت الذهاب إلى الطبيب، لكنها أرادت أولًا أن ترتب كلماتها جيدًا لإبراهيم، فهي تعلم أنه سيحوّل الأمر إلى تحقيقٍ طويل وكأنه يفتح إذاعة مونت كارلو معها.
أما جرير، فلم ينجح حتى الآن في العثور على سليم، فقد فقد الأمل من ظهوره، ولم يعد يقف أمام المنزل كما كان يفعل سابقًا، بل عيّن شخصًا آخر يراقب المكان بدلًا منه.
وفي أحد الأيام، التقى بهاشم عندما طرق باب منزل سليم القديم، وحين سأله عن صلته بهم، أخبره بما فعله سليم وما حدث بينهما، فما كان من هاشم إلا أن اشتعل غضبه بجنون، فقد كان الكره الذي يحمله لهم كافيًا لإشعال مواجهةٍ كبيرة بينهما.
تشابكا في الحديث والاتهامات، لكن جرير انسحب في النهاية، فلم يكن لديه مزاجٌ للدخول في صراعٍ جديد في ذلك الوقت.
إلا أن غضبه لم يهدأ بعد ذلك، بل ازداد اشتعالًا، ولم يكن وحده من يعيش ذلك الغضب، فقد كانت رلين تسير معه في الطريق ذاته.
فقد اتصلت ريليان بجوليا مرتين بعد المكالمة الأولى، تطلب منها أن تأتي لتكون وكيلةً لها في عقد قرانها، وهذا الأمر كان كالصاعقة التي أكدت لهم أنها ماضيةٌ في قرارها، وأنها ستتزوج بذلك الشخص الذي ـ كما يعتقدون ـ غيّر تفكيرها وأبعدها عنهم.
وقعت جوليا في صراعٍ مؤلم بين رغبتها في إراحة نفسها وإنهاء هذا الألم، وبين قلبها الذي لا يستطيع تجاهل ابنتها، خاصةً مع الصراع القائم بينها وبين زوجها وابنتها الأخرى.
أما بالنسبة لسمر، فقد حدث تمامًا ما توقعته سارة.
فقد قامت بتنفيذ ما خططت له، وأخبرت والدها هاشم بأن ريليان قد قضت تلك الليلة في منزل سليم، وأن هناك شيئًا بينهما، فهي لا تستطيع تصديق أن يبقى رجل وامرأة معًا دون أن يكون هناك أمرٌ يجمعهما.
وكان لذلك الخبر أثره الكبير على هاشم، خاصةً بعدما أخبرته أن ابتهال وسليم يرفضان نسبه إليهم، وأن ابتهال أخبرته بزواج سليم القريب من ريليان.
تنهد سليم وهو يتذكر طلب همام منه، فقد أراد أن يتحرى عنه قبل أن يخبر عائلته، لكنه فوجئ بأن الجميع لديهم علمٌ مسبق بهذا الأمر.
يا إلهي... هل كان هو آخر من يعلم؟
ابتسم داخليًا بسخرية خفيفة، لكنه تجاوز الأمر، فقد جعل سارة تستخير حتى تعطيه جوابها بعد أسبوع، وعندما توافق سيخبر همام بذلك، لكنه طلب منه الانتظار حتى تنهي عامها الدراسي القادم، فستكون خطبة بعقد قرانٍ دون زواج، وبعدها يتفقان على بقية الأمور.
اقترب سليم من التخلص من الرقم الثالث الذي استخدمته ريليان للاتصال بوالدتها، فقد كانت كل مرة تعود إليه بعد رفض جوليا أن تكون شاهدةً ووكيلةً على عقد قرانها، فتدخل ريليان في موجةٍ من البكاء المتواصل، ثم تنتهي باللجوء إلى الله والدعاء أن يلين قلب والدتها.
لكن قبل أن يتخلص من الرقم، وصلت رسالةٌ نصية إليه.
فتحها سليم بتوجسٍ وترقب، وما إن قرأ كلماتها حتى اتسعت عيناه بعدم تصديق.
ظل للحظاتٍ صامتًا وكأنه يحاول استيعاب ما بين يديه، ثم تحرك مباشرةً نحو والدته، فوجدها تجلس مع سارة وريليان التي كانت تهاتف أمل بعد أن تحسنت صحتها.
خفض سليم بصره احترامًا، ثم أخرج صوته بهدوءٍ يحمل شيئًا من التوتر:
- أمي، لقد وصلت رسالةٌ من والدة ريليان.
التفت الجميع نحوه، بينما اعتدلت ريليان بسرعة، واقتربت منه بخطواتٍ مرتجفة، وكأن قلبها سبقها قبل قدميها.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالخوف والرجاء:
- ماذا يوجد بها؟ أرجوك أخبرني.
ناولها الهاتف دون كلمة، فأخذته منه بأنامل مرتعشة، وبدأت تقرأ الرسالة.
كانت عيناها تتحركان بين الكلمات، ثم رفعت نظرها إليه ببطء، ترمش عدة مرات وكأن عقلها يرفض تصديق ما تقرأه...
««:::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!