الفصل المئة وأربعة عشر
**
جلست رلين بجانب ديفيد الذي كان يفرك مؤخرة رأسه بتوتر، ليخاطبها زافرًا:
- انظري رلين، أريد أن أخبركِ بشيء احتفظتُ به منذ عدة أسابيع.
وضعت قدمًا فوق الأخرى متحدثة باهتمامٍ مبطنٍ بسخرية:
- أخبرني ما الأمر.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث:
- لقد هاتفتني ريليان قبل عدة أسابيع وأخبرتني أنها تريد العودة إلى ديننا والانفصال عن زوجها.
نظرت إليه بسعادةٍ وتفاجؤٍ أتقنَت إخفاءه جيدًا:
- حقًا؟ أتقول الصدق ديفيد؟ أرني، أرني المكالمة.
أخرج ديفيد هاتفه لها، ثم قصّ عليها بقية ما يعلمه، لتخاطبه بسرعة:
- إذًا دعنا نخبر أبي جرير بذلك، هيا.
تريث قليلًا متحدثًا بتفكير:
- لا، ليس الآن رلين، أخبرتها أن تأخذ وقتها في التفكير، وهي وافقت.
أجابته بنفس السرعة:
- لا، لم توافق ديفيد.
رفع حاجبه بتعجب:
- وما أدراكِ رلين؟
ابتلعت ريقها بتوتر متحدثة:
- لا أظن أنها وافقت، أنا متأكدة، وانتهى الأمر.
أومأ برأسه بهدوء، ثم خاطبها:
- لماذا لم تأتي لزيارة أمبر؟ لقد أجرى عملية في أنفه الذي كُسر، وقد عاد إلى طبيعته مع انحرافٍ بسيط يكاد لا يُرى.
زفرت بغضبٍ من كل ما يحدث معها:
- لقد منعني والدي من ذلك، حتى إنه منعني من هاتفي الخاص وكل شيءٍ أحبه، والشكر للرب أن مدة العقاب قد انتهت.
ابتسم لها بهدوء، فما زال كالأبله يعشقها ويعشق حركاتها. صحيح أنها في الآونة الأخيرة أصبحت كالأشرار، لكن ما عاشته من صدمةٍ يُعذر لها.
اعتدل في جلسته ثم خاطبها بلطف:
- بما أن مدة العقاب قد انتهت، سوف آخذكِ غدًا إلى مكانٍ جميل، ليس البار، بل مكانٌ آخر تحبينه، اتفقنا؟
قفزت تعانقه كالطفلة، ثم قبلت وجنته بسعادةٍ كبيرة:
- أحبكَ ديفيد، أحبكَ جدًا.
ابتسم لها متحدثًا قبل أن يرحل:
- لا تخبري والدكِ رلين، ريثما أرى وأتأكد منها، ولا تستحضري اسم ريليان في المنزل، اتفقنا؟
أومأت له على مضض، ليتوجه نحو الخارج، مما جعلها تتنهد بضيق.
صعد نحو الدرج ليتوقف عندما استمع إلى صوت جوليا المتسائل:
- هل حقًا ريليان تريد أن تعود لديننا؟! تريد أن تعود إلى أحضان أسرتها؟
أومأت لها رلين بتأكيد، باسمةً بتوتر:
- أجل أمي، سوف تفعل ذلك كما سمعتِ من ديفيد.
اتسعت ابتسامة جوليا أكثر فأكثر، ولم تعد تصدق ما تسمع، لتمسح دمعةً فرت من عينيها.
نظرت إليها رلين لبعض الوقت، ثم توجهت نحو غرفتها في الأعلى، تاركةً جوليا تخطط لعودة ابنتها واستقبالها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في الصباح كان هُمام يجلس وهو يتناول فطوره، وعلى يمينه تجلس أمل، أما على يساره فتجلس سارة.
ابتسم بحبٍ كبير، فقد استيقظا قبل أذان الفجر ليؤديا قيام الليل معًا، وبعد أن انتهيا صلّيا الفجر.
نظر إليها بحبٍ كبير ليجدها كحبة الفراولة، ويبدو أنها تذكرت ما حدث بينهما. أجل، لقد أصبحت زوجته أمام الله أيضًا، وكم أسعده ذلك كثيرًا، وأخيرًا أصبحت له وحده.
قاطع نظراته رنين هاتفه، فاعتدل متوجهًا إليه ليشاهد اسم والدته الذي يزين الشاشة.
ابتلع ريقه بصعوبةٍ كبيرة، فهي لم تحضر الزفاف حتى نهايته بالأمس، وكم أحزنه ذلك بشدة، لكنه حمد الله بأنها كانت حاضرة في بدايته.
أجابها بابتسامة:
- صباح الخير أمي.
أجابته بضعف:
- صباح الخير بني، كيف حالك وحال زوجتك؟
أجابها بالابتسامة ذاتها:
- نحمد الله ونشكره، وأنتِ كيف حالكِ أمي؟
تنهدت بقلة حيلة وهي تجيبه:
- جيدة، هُمام أريد أن أطلب منك طلبًا، هل تسمح بذلك؟
أومأ لها بتأكيد:
- عيوني لكِ يا سعادتي.
ابتسمت بهدوء متحدثة:
- أريد أن...
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
زفرت ريليان وهي ترتدي ثيابها المدرسية، مخاطبة سليم بضيق:
- أرجوكَ سليم، لا أريد أن أذهب، فسارة غير موجودة وهذا أولًا، ثم إنني متعبة.
نظر إليها بطرف عينيه متحدثًا وما زال يرتدي سترته العملية:
- لقد أصبحتِ تكذبين ريليان، وكثيرًا أيضًا، إنها ليست المرة الأولى لكِ. كوني صادقة فيما بعد.
أجابته بصدقٍ وهي تتقدم منه:
- أُقسم لكَ أنني متعبة سليم، ثم انظر إلى الساعة، لقد انتهت الحصة الثانية.
التفت إليها بعدما انتهى من ربط عنقه، متحدثًا بابتسامةٍ مستفزة:
- وماذا أفعل أنا؟ سوف أوصلكِ صغيرتي، لا تقلقي، ولا يوجد عقابٌ من المديرة.
ضربت الأرض بقدميها بغضبٍ طفولي، لتمسك حقيبتها المدرسية وتضعها بين يديه بقوة:
- خذها إذًا واحملها، إنها ثقيلة.
رمش بتعجبٍ من تصرفها، لتغلق الباب خلفها وهي تحدث نفسها بغضب.
ضحك هازًا رأسه بقلة حيلة، واضعًا القليل من عطره، ثم أمسك بحقيبته الخاصة بجانب حقيبتها ليتوجه نحو الأسفل.
نظر إليها وهي تشتكي لابتهال، ليزفر بضيقٍ من تصرفاتها، ثم سار عدة خطواتٍ وصولًا إليهما ليقف بجانبها متحدثًا:
- يا فتاة، كم مرةً قلت لكِ لا تشكي لأمي؟ تعلمين أنها تقف في صفكِ دائمًا، وكأني لستُ ابنها.
نظرت إليه ابتهال متحدثة بضيق:
- لماذا أحزنتها سليم؟ ألا تعلم أنها الآن في أشهر حملها، وأي شيءٍ يؤثر على الجنين؟
أجابها بهدوءٍ متنهدًا:
- لم أُحزنها أمي، بل كل ذلك في مصلحتها. انظري إليها، لا تريد أن تذهب إلى المدرسة بحجة الحمل هذا.
نظرت إليها ابتهال ببعض التوبيخ، لتخفض الأخرى رأسها بحرج، ثم تتحدث وهي ترفع رأسها:
- أريد أن أذهب معكِ عند سارة أمي، ليس عدلًا أن تذهبي وتزوريها وأنا أُجبر نفسي على الاستماع لحديث المعلمة التي لا تفقه شيئًا، ثم إن سليم يشرح لي أكثر منها.
قلب سليم عينيه للداخل من تلميحها هذا، أي أنها تقصد أنه لا يشرح جيدًا، فتوجه نحو الباب.
وقبل أن يفتحه سمعها تصرخ بسعادة:
- يا إلهي، سوف تذهب وتتركني هنا؟ أجل، شكرًا لك.
نظر إليها باستهزاء متحدثًا بجدية:
- حمقاء، معكِ حتى أعد للثلاثة، ثم أنتِ أعلم ماذا أفعل، ولن يعجبكِ الأمر.
زمت شفتيها بضيقٍ منه بعدما أغلق الباب، ثم خاطبت ابتهال بدموع:
- أمي، أرجوكِ لا أريد أن أذهب، إن سارة ليست معي.
تساءلت ابتهال باستفسار:
- ريليان، أصدقيني القول، لماذا لا تريدين الذهاب إلى المدرسة؟
تحدثت بغصةٍ في حلقها، وذلك بعد ترددٍ كبير:
- إنني أهاب حديث الفتيات في الفصل، كوني كنتُ نصرانية ثم أسلمت.
نظرت إليها ابتهال بتعجب:
- ومنذ متى تواجهين هذا الأمر؟
أجابتها بعد أن مسحت دمعةً سالت بحزنٍ على وجنتها:
- واجهتُ هذا الأمر منذ ثاني يومٍ لي في المدرسة، لكن سارة كانت تواجههم وتدافع عني، لقد كانت شرسة في هذا الموضوع. صحيح أنهم توقفوا عن ذلك، لكن ما زال هناك بعض الهمزات واللمزات. أمي، أخشى أن يضايقوني اليوم بما أن سارة غير موجودة، أرجوكِ لا أريد أن أذهب.
تساءلت ابتهال باستفسار:
- وما الذي أدراهم بذلك؟ من أين علموا؟ وهل سليم يعرف بهذا الأمر؟
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيبها:
- هناك صديقة لسارة كانت تشاهدني معها السنة الماضية، وهي من أخبرت بقية الطالبات، حتى إن بعض المعلمات تنظر إليّ بنظرةٍ لا أستطيع تفسيرها، وكأنني نكرة.
احتضنتها ابتهال بحنان، ممسدةً على رأسها وهي تخاطبها بهدوء:
- لا تهتمي لهم صغيرتي، من المفترض أن تفتخري بأن الله هداكِ للإسلام، فأنتِ لربما أعظم درجةً منهم وأقربهم إلى الله، ليس كل مسلمٍ مؤمنًا ريليان.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!