الفصل الثامن عشر
**نظرت ريم إليها بصدمةٍ من تفكيرها:
- ماذا؟! لا تخبريه بذلك يا سما، يومان، وتكون قد اكتفت قدرتي على التحمل، هل تريدين أن يصبح الأمر ثلاثة أو أربعة أيام؟! لا، أرجوكِ. انظري، لقد سحبت كلامي، لا أريدك أن تأخذي دوري في أيامي، فقط لا تقترحي عليه هذا الأمر.
ضحكت سما لتعابير ريم المصدومة والمتوسلة، لتجيبها بهدوء:
- حسنًا، كما تريدين، لكن إن وجدته قد جعلها ثلاثة، فلا تلوميني.
تحدثت ريم بترجٍّ كبير:
- سما، من فضلكِ، لا تخبريه باقتراحكِ، حبيبتي.
ضحكت سما من أعماق قلبها، لتبتسم لها ريم:
- أدامها الله، حبيبتي.
مدت سما يدها نحو ريم، لتقترب الأخرى منها ممسكةً بيدها، فقامت سما بسحبها نحوها:
- نامي عندي يا ريم، واعبثي بشعري.
ابتسمت لها ريم، وأخذت وضعية الجلوس بميلان، لتنام سما وهي تغلق عينيها براحة، بينما وضعت ريم أصابع يدها متخللةً شعر سما، وهي تنظر إلى الأمام، تسبح في حياتها السابقة.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
هبطت ريليان من الأعلى بعدما أخبرتها الخادمة أن طعام العشاء قد أُعد، وهو جاهز الآن. جلست بتوتر بعدما أدت تحية المساء، لتنظر إلى رلين المبتسمة، فقد أخبرتها كاذبةً أنها لن تفكر في ذلك الشخص، وستفكر في أمبر فقط، وأنها كانت فترةً طائشة لا أكثر. التفتت إلى والدها بعدما أمرها بأن تهاتف أمبر ليشاركهم تناول الطعام، فأخرجت هاتفها من جيب سروالها لتهاتفه على مضض، واستمعت إلى رنين هاتفه منتظرةً أن يجيب:
في أحد البارات المحرمة، كان أمبر يجلس وهو يحاوط كتفي إحدى الفتيات، ليمسك هاتفه الذي علا صوته، ويجيب المتصل بسعادةٍ كبيرة بعدما تجرع ما في الكأس الموضوع أمامه. استمع إلى صوت ريليان المنخفض وهي تهاتفه برقة:
- مرحبًا، أمبر.
خرج صوت أمبر بحبٍ كبير:
- لقد اشتقتُ إليكِ، حبيبتي، كيف حالك؟
ضغطت ريليان على غطاء طاولة الطعام، لتجيبه باسمةً بزيف:
- بخير، عزيزي.
ابتعد أمبر عن الفتاة بعدما أشار لها بأن تنتظره ريثما يعود، ليتحدث بهيام:
- ماذا تريد أميرتي مني؟
تحدثت ريليان وهي تنظر إلى والدها بتوتر:
- أمبر، هل تستطيع القدوم الآن، أم أنك مشغول؟
نظر أمبر إلى الفتاة التي تشرب كأسها وتنظر إليه بابتسامةٍ عذبة، ليخاطبها بتردد:
- ما الأمر، حبيبتي؟
دعت ريليان ربها بأن يكون مشغولًا، لتجيبه:
- إن أبي يدعوك لتناول العشاء معنا.
أجابها أمبر بتردد:
- بالتأكيد، سيشرفني ذلك، لكنني مشغول حقًا، أعتذر.
تنفست براحةٍ كبيرة، وكأن روحه قد أُعيدت إليها، لتجيبه بسعادةٍ غير مبررة:
- لا عليك، عزيزي، في المرة المقبلة ستكون من نصيبك.
أجابها أمبر وهو يتوجه نحو الفتاة ليجلس بجانبها:
- أجل، بالتأكيد، حبيبتي.
ابتسمت ريليان بزيف وهي تغلق معه:
- إلى اللقاء، أمبر.
أجابها أمبر وهو يمسك بالكأس مرةً أخرى:
- فليحفظكِ الرب، حبيبتي.
أغلقت ريليان الهاتف، وأعادته إلى جيبها، لتخاطب والدها باحترام:
- إنه مشغول يا أبي، ويعتذر منك.
خاطبها جرير وهو يبدأ بتناول الطعام:
- حسنًا، ابدئي بتناول طعامك كي لا يبرد.
بدأت ريليان تناول الطعام بشهيةٍ منغلقة، ثم توقفت عن الأكل بعد مدة، وهي تنتظر والدها حتى ينهي طعامه، فهناك عادة لديهم، وهي أنه لا يُسمح لأي شخصٍ بترك المائدة قبل جرير. زفرت براحةٍ وسعادة عندما اعتدل جرير تاركًا مائدة الطعام، فمسحت فمها بخفة، واعتدلت في وقفتها، ثم صعدت إلى الأعلى لتهاتف سارة قبل أن تأتي رلين وتفهم الأمر. لقد فكرت اليوم فيما تسرعت به، لتشعر ببعض التردد في تلك الخطوة:
استمعت إلى رنين هاتف سارة، لتنظر إلى الساعة فتجدها ما زالت التاسعة. أرسلت إليها رسالةً نصية تخبرها:
- "سارة، أخبريني، هل إن كنتُ مسيحيةً سأدخل الجنة أم لا؟"
وضعت هاتفها بجانبها، وهي تعيد التفكير من جديد في هذه الخطوة الكبيرة والخطيرة التي ستُقدم عليها:
««:::::::::::-:::::::::::»»
بعد مرور أسبوعٍ كامل، نظرت سارة إلى سليم الذي كان يقف مرتديًا زيًا رسميًا مكوّنًا من سروالٍ بني، وسترةٍ باللون نفسه، وأسفلها قميص باللون البني الفاتح جدًا، مع ربطة عنقٍ بنية تتخللها بعض الخطوط بلون القميص. نظر إليها عندما انتبه إلى وجودها، متسائلًا باستفسار:
- ماذا؟ هل سوف تأتي؟
أجابته سارة بقلقٍ واضح، وقد انعقد حاجباها بينما أخذت تعصر أصابعها بتوتر. فمنذ آخر رسالةٍ أرسلتها إلى ريليان قبل أسبوع، لم تفتح الأخرى هاتفها، ولم يصلها منها أي رد. بل إنها قبل يومين تسلقت سور مدرسة ريليان على أمل أن تراها، لكنها لم تجد لها أثرًا، الأمر الذي أشعل في قلبها خوفًا لم تستطع إخفاءه؛ خوفًا من أن تكون ريليان قد تراجعت، أو استسلمت للضغوط التي تحيط بها.
لا أعلم يا سليم... هاتفها مغلق منذ أسبوعٍ كامل، لم تفتحه ولو لمرة واحدة، ولم تجبني حتى عندما أخبرتها أن تأتي لتسمع إجابة سؤالها عن دخولها الجنة. أخشى... أخشى أنها تراجعت، أو أن أحدًا منعها من التواصل معنا.
تنهد سليم بعجزٍ وهو يحاول كبح قلقه، ثم ألقى نظرةً سريعة إلى ساعة يده قبل أن يقول بهدوءٍ يخفي خلفه شيئًا من التوتر:
- لكن هكذا سنتأخر عن الندوة يا سارة... لم يعد أمامنا الكثير من الوقت.
نظرت إليه سارة بإحباطٍ شديد، وقد كساها الحزن:
- دعنا نذهب يا سليم، يبدو أنها تراجعت ولن تأتي.
تنهدت ابتهال لتتحدث بتأكيدٍ محبط:
- يبدو ذلك، اذهبا في حفظ الرحمن.
فتح سليم باب المنزل، ليتفاجأ بوجود فتاةٍ أمامه طليقة الشعر. التقت عيناه البنيتان بعينيها ذواتي لون القهوة الصافية للحظةٍ خاطفة، قبل أن يخفض بصره مباشرةً إلى الأرض، مستغفرًا ربه في سرّه، وقد ضاق بنفسه لوقوع بصره عليها على تلك الحال.
تحدثت ريليان وهي تلهث من شدة الركض، تحاول بصعوبةٍ التقاط أنفاسها المتقطعة:
- أوه... لم تذهبا بعد.
في تلك اللحظة، انزاح عن صدر سارة حملٌ ثقيل كاد يخنقها. أغمضت عينيها لبرهة وهي تزفر زفرةً طويلة، وكأن قلبها عاد ينبض من جديد. لم تكن سعيدةً لمجيء ريليان فحسب، بل لأنها رأتها أمامها سالمة، ولأن كل تلك المخاوف التي ظلت تعصف بها طوال الأسبوع لم تتحول إلى حقيقة.
اندفعت نحوها دون تردد، وأحاطتها بذراعيها في عناقٍ قوي، كأنها تخشى أن تختفي من جديد، ثم قالت بصوتٍ اختلطت فيه الراحة بالفرحة والعتاب:
- ظننتكِ تراجعتِ، لقد أقلقتِني كثيرًا.
أخفضت ريليان رأسها بأسف:
- أعتذر يا سارة، إنني مستعدة.
ابتعدت سارة عن الباب، وهي تسحب ريليان جانبًا ليتسنى لسليم الخروج، بعدما حمحم بصوتٍ خافت. توجه سليم نحو سيارته ليحتل مقعد السائق، فتبعته ريليان وسارة، وجلستا في المقعد الخلفي:
همست سارة وهي تنظر نحو ريليان:
- أخبريني الحقيقة، لماذا كان هاتفكِ مغلقًا؟ هل حدث شيء؟
أجابتها ريليان بندم:
- في الحقيقة، كنتُ سأتراجع عن قراري، لكنني فكرت بالأمر جيدًا طوال الأسبوع، وعزمت أمري.
احتضنتها سارة بسعادة، ثم ابتعدت عنها مبتسمة:
- أسأل الله لكِ الهداية الكاملة، وأن يجعلكِ من عباده الصالحين.
تساءلت ريليان بحماس:
- ما رأيكِ بثيابي يا سارة؟ هل هي مناسبة؟
نظرت سارة إلى ثياب ريليان، المكوّنة من سروالٍ وسترةٍ طويلة، لتبتسم لها:
- أجل، إنها مناسبة، وغير كاشفة.
تحدثت ريليان بإحباط:
- لكنني لم أجد ذلك الوشاح الذي وضعته في المرة السابقة، لا يوجد لديّ مثله.
ضربت سارة رأسها، متذكرةً كيف نسيته، لتخاطب سليم، الذي كان يقود مستمعًا إلى حديثهما:
- سليم، هل يمكنك التوقف قليلًا؟
خاطبها وهو يواصل القيادة ببعض السرعة؛ لأنه لم يتبقَّ وقتٌ لبدء الندوة:
- هل هناك أمرٌ مهم يا سارة؟ إننا متأخرون جدًا، ومن المفترض أن أكون هناك الآن.
أجابته سارة بتردد:
- ريليان لم ترتدِ الحجاب.
ضربت سارة رأسها، متذكرةً كيف نسيت أمر الحجاب، لتخاطب سليم، الذي كان يقود مستمعًا إلى حديثهما:
- سليم، هل يمكنك التوقف قليلًا؟
خاطبها وهو يواصل القيادة ببعض السرعة؛ لأنه لم يتبقَّ وقتٌ لبدء الندوة:
- هل هناك أمرٌ مهم يا سارة؟ إننا متأخرون جدًا، ومن المفترض أن أكون هناك الآن.
أجابته سارة بتردد:
- ريليان لم ترتدِ الحجاب.
خاطبها سليم بهدوء، وما زال يواصل القيادة:
- لا بأس، فهناك الكثير من الأشخاص لا يرتدون الحجاب هناك، وستعلمان ذلك عندما نصل، فلا تقلقي.
أومأت سارة برأسها بتفهمٍ وراحة:
- حسنًا.
بعد عشر دقائق، ترجل سليم من سيارته بعدما أخبر سارة أنه يمكنهما اللحاق به. دلف نحو الفندق، وإلى جواره سارة، التي كانت ترتدي عباءةً سوداء وحجابًا أبيض، وبجانبهما كانت ريليان تسير بتوجس، ناظرةً إلى من حولها باستكشاف. وقف سليم عند موظف الاستقبال، فرحب به الآخر بحرارة عندما علم هويته، ثم أعطاه ثلاث بطاقات بعدما أخبره أن الفتاتين برفقته. دلفت ريليان بعدما أعطتها سارة بطاقةً كان سليم قد سلمها لها:
(هذه البطاقات تمكن صاحبها من توجيه أي سؤال يريده، ولا تسمح لمن لا يحملها بذلك).
نظرت ريليان إلى القاعة الكبيرة والضخمة جدًا، لتجد أن هناك أشخاصًا من مختلف الأجناس والأديان. جلست على المقعد وهي تشعر بخوفٍ شديد، عندما وجدت القسيس البرت يجلس على المنصة في الأعلى، وهو صديق والدها. ابتلعت ريقها، وقد بدأت أنفاسها تنقطع، لتمسك بيد سارة بخوف:
- سارة... أريد أن أخرج من هنا.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!