الفصل الخامس والستون
**
في الداخل كانت ريليان قد بدأت بالاغتسال وما إن سمعت صراخه، حتى وضعت يدها على فمها تكتم شهقةً خرجت رغماً عنها، اتسعت عيناها بصدمة، هل قال أمبر إن شيئًا قد حدث بينهما؟ لا....مستحيل.
لا يمكن! بدأت تستعيد كلماته الأخيرة قبل أن تفقد وعيها، أكان يقصد بذلك أنه اقترب منها؟ ارتجف جسدها كله وأصابها غثيانٌ عنيف.
أخذت تفرك جسدها بقوةٍ مؤلمة، وكأنها تريد أن تقتلع جلدها عن عظامها، وأن تمحو أي أثرٍ لذلك اليوم اللعين.
ثم وصلت إلى أذنها بقية كلمات سليم..
"يريد أن يجعلني أبتعد عنها..."
"قال إنها كانت بإرادتها..."
توقفت يدها فجأة، وأغمضت عينيها بقهرٍ موجع، إذًا لهذا السبب لم ينظر إليها، ولهذا السبب لم يصدقها، انهمرت دموعها بغزارة، وهي تهمس بصوتٍ منكسر:
- تبًا لك يا أمبر وتبًا لكل من يشبهك.
كانت قد رفضته وهي بعيدة عن الله، فكيف يتجرأ اليوم على تلويثها بهذه الكذبة الحقيرة بعدما اقتربت من ربها؟
هزت رأسها بعنف، محاولةً طرد تلك الأفكار التي كانت تخنقها، لكنها شعرت وكأن جلدها ينسلخ عنها، وكأنها لم تعد تحتمل أن تبقى داخل جسدها.
تهاوت أرضًا، وأطلقت صرخةً مزقت سكون المكان، قبل أن تنفجر بالبكاء، وهي تضم نفسها بذراعين مرتجفتين.
هرعت ابتهال إلى المرحاض ما إن سمعت صراخها تطرق الباب بسرعة وهي تخاطبها بلهجةٍ يغلب عليها الخوف:
- حبيبتي كفاكِ بكاءً أرجوكِ، أنهي اغتسالكِ واخرجي سليم هنا لن يتركك وحدك وايضًا انا وسارة بجانبك أرجوكِ لا تقلقيني عليكِ.
ثم التفتت إلى سارة التي بقيت جامدةً في مكانها، وكأن الصدمة سلبتها القدرة على الحركة، بينما كانت الدموع تنهمر بصمتٍ فوق وجنتيها، اقتربت منها ابتهال سريعًا، وأمسكت كتفيها تهزهما برفقٍ وقلق:
- سارة! ما بكِ أنتِ أيضًا؟
رفعت سارة رأسها بصعوبة، وقد اختنق صوتها بالعبرة، لتهمس بانكسارٍ مؤلم:
- لقد صرخ في وجهي يا أمي، أقسم أنني لم أقصد شيئًا، كنت فقط أريد أن أطمئن على ريليان.
تنهدت ابتهال بحرقة، ثم جذبتها إلى صدرها تضمها بحنانٍ أمومي، وكأنها تحاول أن تحتوي ارتجاف قلبها قبل جسدها، وهمست بصوتٍ تغلبه المرارة:
- اعذريه يا سارة... فما حدث ليس هيّنًا على رجلٍ يحب زوجته بهذا القدر، ولا على قلبٍ رأى من يحب يتعرض لمثل ذلك الأذى. صدقيني، سليم الآن يحترق من الداخل، وريليان أيضًا تعيش وجعًا يفوق ما تستطيع الكلمات وصفه.
ربتت على رأسها برفق، ثم أردفت بحنان:
- لا تلوميه يا حبيبتي اذهبي إليها، فهي في أمسّ الحاجة لمن يربت على قلبها، أما أنا فسأذهب إلى سليم لأعرف ما الذي حدث بالتفصيل.
هبطت ابتهال إلى الطابق السفلي تبحث عنه، بينما أسرعت سارة نحو ريليان، لكن ما إن وصلت حتى فوجئت بالمنزل خاليًا... لقد غادر.
توقفت مكانها، وشعرت بأن قلبها يهبط بين ضلوعها، ثم أطلقت زفرةً موجوعة، ورفعت كفيها إلى السماء بعينين دامعتين، تدعو الله أن يربط على قلوبهم جميعًا، وأن يجعل لهذه الغمة فرجًا قريبًا، وألا يزيد وجعهم فوق ما يحتملون.
وبقلبٍ مثقلٍ بالعجز، اتجهت إلى المطبخ، وأخذت تُعد مشروبًا دافئًا لريليان، متشبثةً بأملٍ صغير أن يمنح دفؤه شيئًا من السكينة لقلبها المرتجف، ويخفف عنها ولو قليلًا من قسوة ما مرت به.
««:::::::::::::-::::::::::::»»
دلفت جوليا إلى غرفة رلين بعاصفةٍ من الغضب، حتى إن الباب ارتطم بالحائط بقوة، مما جعل رلين تنتفض في مكانها، وترتجف أكثر مما كانت عليه، أغلقت الهاتف الذي كان بين يديها بسرعة، فقد كانت تتحدث مع آليس، ثم وقفت تنظر إلى والدتها بقلقٍ واضح.
تقدمت جوليا منها بخطواتٍ غاضبة، متحدثة من بين أسنانها:
- ما الذي فعلته يا رلين؟! هل تدركين حجم فعلتكِ الحمقاء؟!
ابتلعت رلين ريقها بصعوبة، تجيبها بصوتٍ مرتجف:
- ما الأمر يا أمي؟... عن ماذا تتحدثين؟
لم تمهلها جوليا فرصةً أخرى، ارتفعت يدها وصفعتها بقوةٍ على وجنتها، حتى ارتد رأسها إلى الجانب، ولسعت النار وجهها.
وضعت رلين يدها على خدها بصدمة، واتسعت عيناها وهي تهمس بألم:
- هل، هل ضربتِني للتو يا أمي؟ من أجلها ضربتِني؟!
جزّت جوليا على أسنانها حتى كادت تطحنها، ثم قالت بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالخذلان:
- وهل ما زلتِ تسمين نفسكِ أختًا؟! أهذا ما تفعلينه بأختك؟! بنصفكِ الآخر؟! بشق روحكِ؟!
ازدادت نبرة صوتها ارتفاعًا وهي تشير إليها بإصبعها:
- هل تريدين تدميرها؟! هل تريدين إنهاء حياتها بيديكِ؟!
ضربت رلين سطح المكتب بكل قوتها حتى اهتز، ثم صاحت والدموع تملأ عينيها:
- أريدها أن تعود إليّ! أريدها أن تعود إلى رشدها... إلى حياتها السابقة! أخشى عليها من غضب الرب ولعنة اليسوع، لا أريدها أن تصبح من أولئك الأشخاص!
اختنق صوتها وهي تكمل بقهر وتنمي:
- أريدها بجانبي فقط أريد أن أشعر بحبها، بأخوتها، أهذا كثير؟! هل أطلب المستحيل؟!
أغمضت جوليا عينيها بقوة، ثم فتحتهما ببطء، واجابتها بصوتٍ أثقلته الكارثة:
- وهل تعلمين ما الذي فعله أمبر؟ أو هل تعلمين أين هو الآن؟
رفعت رلين رأسها بسرعة، وهزته نفيًا، لتردف جوليا:
- أمبر يرقد الآن في المشفى بين الحياة والموت، بعدما تركه سليم جثةً هامدة، لقد وصلني اتصال من ديفيد... وأخبرني بكل شيء، أخبرني بمخططكم القذر والدنيئ لاسترجاع ريليان.
أغمضت رلين عينيها بارتجاف، وضغطت على أصابعها بقوة، بينما تابعت جوليا بنبرةٍ ازدادت قسوة:
- أتظنين حقًا أن ذلك المحمدي سيترك أمبر حيًا بعدما أخبره أن شيئًا قد حدث بينه وبين ريليان؟!
أجابتها رلين ببرودٍ حاولت أن تتشبث به:
- وما الذي سيفعله؟ فقط سيترك ريليان، وتعود إلينا.
ضحكت جوليا ضحكةً ساخرة، خالية من أي أثرٍ للفرح، ثم اجابتها:
- أجل... سيتركها بالتأكيد!
ثم أضافت وهي تهز رأسها بأسى وكأنها تمحي من عقلها ما فعتله ابنتها:
- خاصةً بعدما نفّذ أمبر خطتكم بطريقةٍ لم تكن في حسبان أحد!
عقدت رلين حاجبيها بعدم فهم، وسألت باستغراب:
- لم أفهم... ماذا تقصدين يا أمي؟
تنهدت جوليا بحرقة، وهي تتخيل اللحظة التي ستعلم فيها ريليان أن شقيقتها كانت شريكةً في كل ما حدث، ثم قالت:
- أنتِ تعلمين جيدًا ما أقصده، أمبر لم يلتزم بما اتفقتم عليه، هل استوعب عقلكِ الساذج والصغير الآن ما الذي تسببتِ به لشقيقتك؟!
رمشت رلين عدة مرات، ثم اتسعت عيناها بفزع، متحدثة بصوتٍ مرتفع:
- أمي، بحق اليسوع، أخبريني ماذا فعل بدون ألغاز؟!
زفرت جوليا بضيق، وأجابتها بحدة:
- لا ينقصني غباؤكِ الآن يا رلين! إن علم والدكِ بما حدث، فلن يترككِ تمرين من أمامه سالمة، وادعي الرب ألا يرفع ذلك المحمدي قضيةً ضدكِ، فهم أصحاب دمٍ حامٍ عندما يتعلق الأمر بنسائهم، ولن يتهاونوا إن علموا أنكِ كنتِ شريكةً فيما حدث.
ارتعد جسد رلين كله، لكنها تماسكت بصعوبة، وقالت بثقةٍ زائفة:
- لن يستطيع فعل شيء، لا يوجد دليل يثبت أنني كنتُ مشتركة مع أمبر.
في تلك اللحظة، طرقت مايا الباب بخفة، ثم دخلت بتردد، التفتت إليها جوليا ورلين معًا، تحدثت مايا بتوتر ظاهريٍ:
- أمي... أبي يريدكِ أنتِ ورلين في الأسفل... يبدو غاضبًا جدًا.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!