الفصل الحادي والثلاثون
وقف سليم باتزان، ناظرًا إلى ساعة يده، ليبدأ بالحديث عندما أصبحت الساعة الرابعة عصرًا، تزامنًا مع إرسال سارة له رسالةً تنبهه بوصولهن:
أخذ نفسًا عميقًا، ليبدأ بابتسامته المنيرة والسمحة:
- إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له من بعده.
الحمد لله معزِّ من أطاعه واتقاه، ومذلِّ من عصاه واتبع هواه.
أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، الذي بعثه هاديًا، وبشيرًا، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا.
أما بعد...
أكمل سليم بعدما أخذ نفسًا:
- الحمد لله الذي خصنا بخير رسله، وأنزل علينا أكرم كتبه، وشرع لنا أكمل شرائعه، أحمده سبحانه وأشكره، لا أُحصي ثناءً عليه، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، فقال جلَّ من قائلٍ كريم:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
ليكمل سليم باسترسال:
- فاتقوا الله حق التقوى، فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله ﷺ لأمته.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131].
بدايةً، إخواني وأخواتي، أرحب بكم من جديد، ولا بد أنكم عرفتم موضوع خطبتنا اليوم.
تعالت الأصوات مجيبةً إياه بسعادةٍ وحماس:
- إنه حبيبنا ورسولنا، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أومأ لهم باسمًا، ليكمل:
- يا عباد الله، من رحمة الله بنا أن بعث فينا محمدًا ﷺ، وأمرنا بالإيمان به، وتصديقه، واتباعه، والاقتداء به، والانتصار له، ومحبته، وتقديمه على النفس، والمال، والولد.
فعلى يديه كمل الدين، وبه خُتمت الرسالات، وأُرسل إليه أفضل الشرائع، وأنزل إليه أفضل الكتب.
فهو خليل الله، وصفيه، ورسوله، وحبيبه.
بدأ يسير على المنبر، وهو ينظر إليهم:
- لقد رأى الصحابة الصفات العظيمة، والأخلاق الكريمة، متمثلةً في شخصه ﷺ قبل نصه، وفي سيرته قبل كلمته.
لم يقرؤوا هذه الصفات والأخلاق في كتابٍ جامد، بل رأوها في بشرٍ متحرك، فتحركت لها مشاعرهم، وقبلتها نفوسهم، فكان ﷺ أكبر قدوةٍ للبشرية في تاريخها الطويل.
عباد الله، كان ثوبان مولى رسول الله ﷺ شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يومٍ وقد تغير لونه، ونحل جسمه، وعُرف في وجهه الحزن، فقال له النبي ﷺ:
- ما غيَّر لونك؟!
قال:
- يا رسول الله، ما بي ضرٌّ ولا وجع، غير أنني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشةً شديدةً حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف ألا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك تُرفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلةٍ هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخلها فلا أراك أبدًا.
أشار سليم بأصبعه إليهم:
- انظروا ماذا أنزل الله عز وجل:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].
وقد امتنَّ الله به على الثقلين؛ الإنس والجن، وأرسله إليهما معًا، ففتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، وأخرج به الناس من الضلالة إلى الهدى.
ارتفع صوت سليم تلقائيًا عندما أخذه الحماس في الإلقاء:
- إنه محمد ﷺ، بلَّغ الرسالة أحسن بلاغ، وأدى الأمانة أحسن أداء، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
محمد بن عبد الله ﷺ، أعز الناس نسبًا، وأشرفهم مكانة، أظهر الله على يديه من المعجزات ما أبهر العقول، ففلق له القمر فلقتين، وتكلمت الحيوانات بحضرته، وسبح الطعام، وتكاثر بين يديه، وسلم عليه الحجر والشجر، وأخبر بالمغيبات، فما زالت تتحقق في حياته وبعد وفاته.
إنه محمد ﷺ، الذي اختصه الله من بين إخوانه المرسلين بخصائص تفوق العد، فله الوسيلة، والفضيلة، والمقام المحمود، ولواء الحمد.
خاطبهم مؤكدًا:
- انظروا أيضًا، محمد ﷺ أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول من يفتح له باب الجنة، وهو أول شافعٍ وأول مشفَّع، وهو سيد ولد آدم أجمعين.
توقف قليلًا، ليكمل بهدوء:
- محمد ﷺ، الذي زكاه ربه تزكيةً ما عُرفت لأحدٍ غيره من المخلوقين.
فلقد زكى الله عقله فقال:
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2].
وزكى لسانه فقال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: 3].
وزكى شرعه فقال:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].
وزكى قلبه فقال:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 11].
وزكى بصره فقال:
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: 17].
وزكى أصحابه فقال:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...﴾ إلى آخر الآية [الفتح: 29].
وزكى أخلاقه فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وزكى دعوته فقال:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].
توقف قليلًا، ثم أكمل بعد برهة:
- نعته الله بالرسالة فقال:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾.
وناداه بالنبوة فقال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾.
وشرفه بالعبودية فقال:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.
وشهد له بالقيام بها فقال:
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: 19].
محمد ﷺ، الذي لا تُحصى فضائله، ولا تُعد مزاياه، فما من صفة كمالٍ إلا واتصف بها، ولا خصلة خيرٍ إلا وتحلى بها.
جمع الله له أجلَّ المقامات، وأسمى المراتب، وأكمل المناقب.
إذا ذُكر العباد فهو إمامهم، وإذا أشير إلى العلماء فهو معلمهم، وإذا أُشيد بالشجعان فهو قائدهم، وإذا مُدح الدعاة فهو قدوتهم.
بلغ في الدنيا يوم المعراج مبلغًا ما بلغه مخلوقٌ غيره، وخصه الله بالمقام المحمود يوم القيامة، الذي تحمده عليه كل الخلائق، وأعطاه الوسيلة في الجنة، وهي منزلةٌ لا تنبغي إلا له.
محمد ﷺ، أرسله الله شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا.
شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وأعلى في العالمين قدره.
ما رآه أحدٌ إلا هابه، ولا عاشره أحدٌ إلا أحبه حبًّا جمًّا.
صاحب الوجه الوضاء، والطهر، والصفاء، دائم الابتسامة، مليح الوجه، أكحل العينين، كالقمر ليلة البدر استنارةً وضياءً، أشد حياءً من العذراء.
يقول أنسٌ رضي الله عنه:
«ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف رسول الله ﷺ».
أكمل بعدما وضع زجاجة الماء، فقد ارتشف منها القليل:
- كان يُعرف بريح الطيب إذا أقبل، أحسن الناس خَلقًا وخُلقًا، وأتقاهم لله، وأخشاهم، وأكرمهم، وأعظم الناس تواضعًا، يخالط الفقير والمسكين، ويمشي معهما، وينطلق مع الجارية الصغيرة، تأخذ بيده حيث شاءت، ولا يتميز عن أصحابه بمظهر.
يزور كبيرهم، ويسلم على صبيانهم، ويأتي ضعفاءهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، يجلس على الأرض، ويأكل عليها، ويعقل الشاة، ويحلبها، ويخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويخدم أهله.
يبيت الليالي طاويًا بلا عشاء، ويعصب الحجر والحجرين على بطنه من شدة الجوع، يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة، أشجع الناس، وأرحم الناس.
وصدق الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وأجملُ منك لم ترَ قطُّ عيني
وأفضلُ منك لم تلدِ النساءُ
خُلقتَ مبرأً من كل عيبٍ
كأنك قد خُلقت كما تشاءُ
فما أعظمه من رجل، وما أجلَّه من نبي، وما أعزَّه من رسول، صلى الله عليه وسلم، حقَّ لنا، معشر المسلمين، الفخر بهذا النبي الكريم، ومباهاة الأمم به.
جلس سليم على مقعده خلف الطاولة:
- عباد الله، لن يكتمل الإيمان الحقيقي في قلوبنا، ولن نذوق حلاوته، ونحس بالراحة النفسية الحقيقية والطمأنينة، حتى نحب النبي ﷺ حبًّا أكثر من أنفسنا، وأهلينا، وأموالنا، وكل الدنيا.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين».
فهذا الحديث من أوضح الأدلة على وجوب محبة الرسول ﷺ؛ لأن المؤمن لا يستحق اسم الإيمان الكامل، ولا يدخل في عداد الناجين، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين.
ومن لوازم ذلك أن تكون أوامر الرسول ﷺ ونواهيه مقدمةً على كل الأوامر والنواهي، في جميع ما جاء به من المكارم، والمحاسن، والفضائل، في العسر واليسر، ووقت الضر والشكر، وعلى صعوبة الأمر وسهولته، ومحنته ونعمته، وعلى جوعنا وشبعنا، وبلائنا ورخائنا، ومنشطنا ومكرهنا، وحال سعتنا وضيقنا، وحال غضبنا ورضانا، وحال حزننا وفرحنا. يجب أن نقدم محبة الرسول ﷺ في جميع هذه المواقف.
قاطعه أحد الأشخاص متدخلًا:
- أحبه أصحابه رضي الله عنهم حبًّا ما سمع التاريخ بمثله. سُئل عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟ فقال: «كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا، وأولادنا، وآبائنا، وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!