الفصل السابع والتسعون
**
نظرت ابتهال إلى اهتزاز كتفيها، وشعرت أن قلبها يتمزق مع كل شهقة تخرج من ريليان، لم تستطع احتمال المشهد أكثر، فتنهدت بحرقة، فقد كانت ترى ابنتها تنهار أمامها، ولا تملك ما يداوي هذا الوجع.
لكن ريليان شعرت بنظراتهما، فقالت بصوتٍ مبحوح بالكاد خرج:
- من... فضلكما...اتركاني وحدي.
أخذت ابتهال نفسًا مرتجفًا، ثم انحنت وقبّلت رأسها طويلًا، وهمست بحنانٍ امتزج باليقين:
- اسمعيني يا ابنتي، سليم يحبك أكثر مما تتخيلين، وما رأيته منه لم يكن شكًا بكِ، بل كان رجلًا يحترق لأنه تخيل أن أحدًا حاول أن يؤذي زوجته هو الآن يصارع نفسه ويصارع غضبه ويصارع خوفه عليكِ لكنه لن يترككِ أقسم لكِ أنه لن يفعل، عندما يهدأ..سيعود إليكِ...وسيعوضك عن كل دمعة ذرفتها اليوم.
ثم ابتسمت لها بحنانٍ تخفي خلفه خوفها، وأضافت:
- سنخرج الآن وأرجو أن تهدئي قليلًا.
أغمضت ريليان عينيها بقوة، وانسابت دموعها بصمت، دون أن ترد، خرجت ابتهال تتبعها سارة، وأغلقتا الباب بهدوء.
وبمجرد أن أصبحت وحدها...دفنت وجهها في الوسادة، وانفجرت ببكاءٍ مكتوم، تعصر ذاكرتها المرهقة بكل ما بقي فيها من قوة لكنها لم تجد سوى الفراغ... وسؤالٍ واحد كان يمزق قلبها:
"هل ما زال يصدقني... أم خسرته إلى الأبد؟"
««:::::::::::::-::::::::::::»»
خرجت أمل من غرفتها وهي تفرك عينيها بنعاس، وما زالت آثار النوم تزين ملامحها الصغيرة، لتجد همام ممددًا على أريكة الصالة، واضعًا ذراعه فوق عينيه، وكأنه يحاول سرقة دقائق إضافية من الراحة.
ابتسمت بمكرٍ طفولي، وتقدمت نحوه بخطواتٍ هادئة حتى لا يشعر بها، انحنت، ثم طبعت قبلةً دافئة على جبينه، وضغطت على يده حتى لا يرفعها عن وجهه، قبل أن تغني بصوتها الطفولي العذب:
- خمّن وتعرف من أنا، وإن فعلت ذلك، سأفعل كل ما تريد. هيا يا عرّاف خمن من أكون.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتي همام، ثم ضحك بخفة وقال وهو يتصنع التفكير:
- دعيني أعرف فأنا العرّاف همام، أعرف كل شيء وأعرف أي شيء هممم، أنتِ... سليم، أليس كذلك؟
انفجرت أمل ضاحكة، وهزت رأسها نفيًا بحماس:
- لقد أخطأت أيها العرّاف.
ثم وضعت يديها على خصرها وقالت بثقة:
- سأجعل الأمر سهلًا عليك، أنا فتاة جميلة.
وضع همام إصبعه على ذقنه وكأنه يفكر بجدية، ثم قال مبتسمًا:
- عرفتكِ! أنتِ... سارة، أليس كذلك؟
أبعدت أمل يديها عن عينيه، وعبست عبوسًا لطيفًا:
- لا... لستُ سارة يا عمي... لقد أحزنتني.
كتم ضحكته، ثم اعتدل جالسًا، وفتح ذراعيه قائلًا بدلال:
- أوووه... أميرتي حزينة؟ دعيني أفكر كيف أصالحها. هل أحضر لكِ الضفدع؟ أم...
قاطعته بسرعة، وقد انكمشت ملامحها باشمئزاز:
- ضفدع يا عمي؟! ألم تجد شيئًا غير الضفدع؟!
قهقه همام بصوتٍ عالٍ، ثم جذبها إلى حضنه وقبّل وجنتيها بقوة حتى تعالت ضحكاتها، وقال:
- لا... لقد عرفت كيف أصالحكِ.
ابتعدت عنه بعينين تلمعان بالحماس:
- أرني كيف؟
انحنى قليلًا وهمس في أذنها وكأنه يخبرها بسرٍ خطير:
- سأخبركِ بسر صغير لكنه كبير جدًا، اتفقنا؟!
عقدت حاجبيها باستغراب، وقالت ببراءة:
- كيف يكون صغيرًا... لكنه كبير؟
ضحك، ولم يجبها، بل راقب ملامحها بترقب، ثم قال بهدوء:
- سأكون أنا وسارة زوجين الشهر المقبل، أي أنها ستأتي لتعيش معنا إلى الأبد، وسأبدل هذه الشقة بمنزلٍ مستقل لنا، ما رأيكِ بهذا السر؟
ظل يراقب وجهها منتظرًا ردة فعلها، ثانية...ثانيتان، ثم فجأة صرخت أمل بأعلى صوتها من شدة الفرح، وارتمت في حضنه بكل قوتها، حتى كاد يفقد توازنه ويسقط للخلف.
عانقته وهي تردد بحماسٍ لا يوصف:
- أحبك! أحبك! أحبك! أحبك يا عمي! أنت أجمل عم في العالم!
ابتعدت عنه، وبدأت تصفق بيديها وتدور حول نفسها بسعادة طفلة حصلت على أمنيتها الأكبر ثم قالت وعيناها تلمعان:
- يعني ستبقى معي للأبد؟ وسنلعب معًا كل يوم وسنفعل كل شيء معًا؟ أنا متحمسة جدًا يا عمي!
ثم توقفت فجأة وسألته بجدية طفولية:
- أخبرني، كم يومًا يعني الشهر؟
ضحك همام حتى اغرورقت عيناه، ثم قال:
- انه ثلاثون يومًا، لكن الشهر هذا واحد وثلاثون يومًا.
زمّت شفتيها وهي تحاول العد في رأسها، ثم رفعت نظرها إليه وسألته ببراءةٍ جعلت قلبه يلين:
- وإذا دعوت الله أن يمر الشهر بسرعة هل سيمر فعلًا وتأتي سارة؟
تأملها لحظةً طويلة، ثم ابتسم بحنان، وربت على رأسها قائلًا:
- تعالي يا أمل.
أسرعت إليه وجلست فوق ساقه، فاحتضنها برفق وقال:
- سنعد الأيام معًا، يومًا بعد يوم، وفي كل يوم سنقرأ جزءًا كاملًا من القرآن، وعندما ننتهي لن يبقى سوى يومٍ واحد، سأنفذ لكِ أي طلب تريدينه ما رأيكِ؟ هل اتفقنا؟
أومأت بحماسٍ شديد، حتى كادت ضفيرتاها تقفزان مع رأسها، بينما كانت ابتسامتها تملأ وجهها الصغير، ابتسم لها بحب، ثم قال بلطف:
- هيا الآن اغسلي وجهكِ، وتعالي لتتناولي فطوركِ لقد أعددته قبل قليل.
أسرعت أمل نحو الحمام وهي تقفز من شدة سعادتها، أما همام، فما إن اختفت عن ناظريه، حتى أطلق زفرةً طويلة، عادت أفكاره إبتهال في تلك اللحظة التي اقترحت فيها ذلك الحل.
عندما كانت هنا في منزله وهم يتناقشون في حلٍ لعناد سليم بعدم زواج شقيقته وابنته واصرار هو على اتمام الزواج.
ألقت باقتراحها الذي يتضمن زواجهم الشهر المقبل كي يضمن وصاية أمل إن تعرضت لهم والدته نورا بذلك، فلا توجد أي محكمةٌ تقبل بوصاية شاب أعزب لطفلةٍ صغيرة، ابتسم بهيام متذكرًا ملامح وجهها البهية، لكن ملامحه عادت للعبوس وهو يتذكر شروط سليم الخانقة،
ابتسم تلقائيًا، وشعر أن قلبه امتلأ امتنانًا لها، كان يومها يرغب في أن يحتضنها ويقبّل يدها شكرًا، لولا وجود سليم الذي كبّل كل تصرفاته.
صحيح أن الاقتراح جاء محاطًا بالشروط، لكن ما كان يهمه حقًا، أن تصبح سارة إلى جواره، أن يستيقظ كل صباح وهو يعلم أنها أصبحت جزءًا من حياته.
استعاد ملامحها وهي جالسة في منزله قبل أيام، عندما اجتمعوا جميعًا للبحث عن حل يضمن بقاء أمل معه، بعدما خافوا من محاولة نورا سلبها منه.
وحينها اقترحت ابتهال أن يتم عقد زواجه من سارة الشهر المقبل، حتى تصبح وصايته على أمل قانونية، فالمحكمة لن تمنح شابًا أعزب حق الوصاية على طفلة صغيرة.
ابتسم بشرود لكن ابتسامته ما لبثت أن اختفت، وهو يتذكر شروط سليم التي كادت تخنقه، تنهد بضيق وهو يتمتم "ولماذا كل هذه الشروط يا سليم؟"
هز رأسه ساخرًا، فها هو سليم نفسه متزوج من ريليان، وهي في عمر سارة تقريبًا، بل وفي سنتها الدراسية ذاتها، صحيح أنه برر الأمر بأنه لم يكن يعلم سنتها الدراسية، ولو علم لاكتفى بعقد القران لكن هل يظن حقًا أن بإمكان أي رجل أن يمنع نفسه من الاقتراب من زوجته عامًا كاملًا؟
ضحك بصوتٍ مرتفع، ثم بدأ يقلد سليم بملامحه ونبرة صوته بينما وقف أمام المرآة محاولًا استحضار تعلبير وجه سليم "حسنًا يا همام... سأوافق على اقتراح أمي حتى تضمن وصاية أمل... لكن هناك شروط"
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!