الفصل المئة وواحد وأربعون
**
جلس خالد بجانب ريم، ثم وضع هاتفه بين يديها بضيقٍ واضح. نظرت إليه باستغراب، فما إن فتح الصورة حتى قال بصوتٍ يحمل من السخرية أكثر مما يحمل من الغضب:
- انظري إلى هذه الصورة.
أطرقت ريم ببصرها نحو الشاشة، فعقدت حاجبيها وهي تتأمل السيارة البيضاء الفارهة، ثم رفعت رأسها إليه باستفهام:
- ما الأمر يا خالد؟
ابتسم بسخريةٍ لاذعة، وقال من بين أسنانه:
- زوجكِ المصون... منذ أسبوعين وهو يسأل عن سعرها، ويبدو أنه ينوي شراءها.
عادت ريم تنظر إلى السيارة التي تُقدّر بآلاف الدولارات، ثم قالت بابتسامةٍ متوجسة:
- ربما لا يريدها لنفسه يا خالد، ما أدراك أنها له؟
انتزع الهاتف من بين يديها، ثم اعتدل واقفًا وهو يخفي غضبه بصعوبة:
- سيكون كلامي صحيحًا يا ريم، وعندها يمكنكِ أن تندبي حظكِ العثر الذي أوقعكِ بزوجٍ مثله. لن أطيل الحديث، فأنتِ لا تحبين أن يتحدث أحدٌ عنه بسوء.
ثم استدار وسار بضع خطوات قبل أن يقول:
- بالمناسبة... أمي تريدكِ في المطبخ.
ظلت ريم تنظر إلى أثره شاردةً، بينما بقيت صورة السيارة عالقةً أمام عينيها. هزت رأسها محاولةً طرد الأفكار التي بدأت تهاجمها، ثم اتجهت نحو المطبخ لتساعد والدتها في إعداد الطعام.
في المساء، كانت تجلس مع عليّ يحاولان حل أحد الألغاز، فأخذت نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء، بالتزامن مع ارتفاع رنين هاتفها المحمول.
حاولت رسم ابتسامةٍ على شفتيها وجعل صوتها طبيعيًا، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل ما إن سمعت صوت كيان:
- مساء الخير لأغلى الناس، كيف حالكِ يا ريم؟
حبست ريم دمعةً خانتها، ثم أجابت بصوتٍ محشرج:
- بخير يا كياني... وأنتِ، كيف حالكِ؟
عقدت كيان حاجبيها فورًا بعدما التقطت ذلك الانكسار في صوتها، ثم تنهدت قائلةً بهدوء:
- ريم، أخبريني بسرعة... ما بكِ؟ وأحذركِ أن تتجاهلي سؤالي.
نظرت ريم حولها كالتائهة وسط بحرٍ هائج، ثم همست:
- لا أعلم يا كيان حقًا... لكن أتعلمين كم مرة هاتفني البرهم اليوم؟
فكرت كيان بجديةٍ مصطنعة، ثم قالت مازحة:
- ممم... خمس مرات؟
انفجرت ريم ضاحكةً بسخرية:
- ليس إلى هذه الدرجة يا كيان... خمني.
قلبت كيان عينيها وهي تفكر:
- مرتين؟ أم أكثر؟ انتظري... ولا مرة؟!
أخرجت ريم زفيرًا طويلًا، ثم أجابت:
- أجل... ولا مرة حتى الآن.
زفرت كيان بضيق:
- ولماذا تنتظرين اتصاله أصلًا؟ في كل مرة تثبتين لي أنكِ ما زلتِ تحبينه وتتلهفين لسماع صوته. أعلم أنني ذكية في هذه المواضيع، والعكس صحيح، لكن تصرفاتكِ تكشف ذلك حتى للأعمى.
دافعت ريم عن نفسها بسرعة:
- ليس الأمر هكذا يا كيان، أريد فقط أن أتأكد من شيءٍ واحد، لذلك كنت أنتظر أن يهاتفني، أقسم لكِ.
أغلقت كيان حاسوبها المحمول، ثم قالت بضيق:
- لقد تشاجرت مع سنابل، ولن...
قاطعتها ريم وهي تزفر بانزعاج:
- ما بكما أنتما الاثنتان؟ لقد أصبتُماني بالجنون! أقسم إنني سئمت شجاركما الدائم. حسنًا، هل انتهيتِ من البكاء أم تريدين الإعادة من جديد؟
أخذت كيان نفسًا عميقًا، ثم قالت بضيقٍ حقيقي وهي على وشك البكاء:
- أولًا، لست طفلةً حتى أبكي يا ريم. وثانيًا، هي من تستفزني، ولست أنا. أنا أخلق ألف حل لكل مشكلةٍ تحدث بيننا، بينما تصر هي بكل جدارة على مضايقتي... إنها تعشق ذلك، أقسم لكِ.
زفرت ريم بقوة:
- أنتِ طفلة يا كيان، صدقيني. ثم لا تهتمي لاستفزازها، فهي تفعل معي الشيء نفسه، لكنني فهمت طريقتها وأصبحت أسايرها، وأنتِ افعلي ذلك أيضًا.
زمت كيان شفتيها كالأطفال، ثم قالت باعتراض:
- ريم، قلت لكِ ألف مرة إنني لست طفلة! لقد أنهيت بحث تخرجي لتوي، وهذا وحده دليل على أنني لست كما تدعين. احترميني على الأقل يا فتاة، ما هذه قلة الاحترام؟
ضحكت ريم بخفة، ثم اعتدلت فجأة وهي تقول:
- حسنًا، سوف أفعل أيتها الكبيرة... سأغلق الآن لأن البرهم يتصل بي.
أنهت المكالمة، ثم أجابت على اتصاله متظاهرةً باللامبالاة، لكنه انفجر صارخًا بها منذ اللحظة الأولى:
- أخبري أخاكِ ألا يتعقبني، هل فهمتِ؟
في تلك اللحظة، تيقنت من صحة ما أخبرها به خالد، فسألته بجهلٍ متعمد:
- ما الأمر يا إبراهيم؟
زفر بقوة، ثم جلس على الأريكة القريبة منه وقال:
- أخبري الأولاد أنني اشتريت لهم سيارة، وها أنا أخبرتكِ حتى لا تفتعلي قصةً عندما ترينها.
رمشت عدة مرات بعدم استيعاب، ثم قالت باستنكار:
- أفتعل قصةً أنا؟ ولماذا؟
أجابها بمللٍ واضح، وكأنه لا يريد إطالة الحديث:
- لأنكِ عندما تعودين إلى المنزل وترينها، ستحزنين عندما تتأكدين أنها لي... ولا تجادليني يا ريم.
ابتسمت بقلة حيلة، وما إن سمعت صفارة انتهاء المكالمة حتى أدركت أنه أغلق الخط في وجهها كعادته.
تنهدت بعمق، ثم سارعت بالاتصال بكيان.
أجابتها الأخرى باستغراب:
- بهذه السرعة انتهيتما؟
ضحكت ريم رغمًا عنها، ثم قالت:
- وماذا تتوقعين؟ أن تكون مكالمة عشقٍ وغرام؟ يبدو أنكِ نعسانة يا كيان.
تنهدت كيان بحزنٍ على حال صديقتها، وقالت:
- أعتذر... يبدو أنه عشقٌ وغرام من نوعٍ آخر. هيا، أخبريني، ماذا يريد منكِ البرهم البغيض، الشبيه بدراكولا اللعين؟
وضعت ريم قدميها فوق المنضدة أمامها، ثم أجابت بلا مبالاة:
- لا شيء... فقط أخبرني أنه اشترى سيارة، ثم أغلق الخط كعادته.
أنزلت قدميها بعد لحظات، ثم قالت بجدية:
- أتعلمين يا كياني؟ أنا مذهولة منه حقًا. إنه لا يملك المال الكافي لشراء سيارةٍ فارهة كهذه، فهي تساوي آلاف الدولارات.
أجابتها كيان وهي تفكر بجدية:
- وهل كان يملك المال الكافي لشراء شاشة التلفاز في صالة منزلكِ، وتجديد غرفة الأطفال، واستبدال سرير غرفته هو وسما؟
نظرت ريم أمامها بشرودٍ عميق:
- بالطبع لا... صحيح أنه يملك مالًا، لكن ليس بهذه الكمية الضخمة. كان الأولى أن يدخره لأولاده وقت الحاجة، أو أن...
قاطعتها كيان بهدوء، محاولةً إبعاد تلك الأفكار السوداء:
- ربما اشترك في جمعية، أو دخل مشروعًا صغيرًا ولم يخبركِ.
ترددت قليلًا، ثم أكملت:
- أو ربما... أقصد أنه قد...
أكملت ريم عنها بابتسامةٍ ساخرة، لا من كيان بل من الفكرة نفسها:
- أو ربما يتاجر في الممنوعات.
ثم ابتسمت بسخريةٍ أكبر وأضافت:
- صدقيني، هذا أول ما خطر ببالي أيضًا. فهمت ما كنتِ ستقولينه، فلا تتعبي نفسكِ بالشرح.
أجابتها كيان بتوجسٍ حقيقي:
- ريم، هذا مجرد احتمال، ولا نريد أن نظلمه بأفكارنا. اسأليه من أين جاء بالمال، ولا أظنه سيرفض الإجابة.
أغمضت ريم عينيها بقوة، محاولةً منع تلك الأفكار المخيفة من السيطرة عليها، ثم قالت بصوتٍ منكسر:
- كيان... هل ستغضبين إن أغلقت الآن؟
تنهدت كيان، ثم قالت بحزمٍ ممزوج بالحنان:
- أجل، سأحزن من أجلكِ بالتأكيد. لكن يا ريم، لا تجعلي هذه المكالمة تؤثر فيكِ. المهم الآن صحتكِ ونفسيتكِ. عديني ألا تستسلمي لهذه الأفكار، وسأغلق إن كان ذلك سيمنحكِ بعض الراحة.
زمت ريم شفتيها بقوة، ثم قالت بطفوليةٍ صادقة:
- كيان... أشعر وكأن سما وإبراهيم يخرجان لي لسانيهما بغيظ... آه، لا أستطيع، أكرههما!
انفجرت كيان ضاحكةً حتى اغرورقت عيناها بالدموع، ثم قالت:
- أخرجي لسانكِ لهما أنتِ أيضًا، وهكذا تتعادلان، ثم أخرجيه مرةً أخرى فتفوزين عليهما بنقطة!
ابتسمت ريم أخيرًا، وقالت بلطف:
- دمي يغلي... شكرًا لكِ يا كيان لأنكِ في حياتي.
ابتسمت كيان بدورها، وأجابتها بصدق:
- بل شكرًا لكِ أنتِ يا ريمي. سأغلق الآن لأن بطارية هاتفي أوشكت على النفاد. لا تفكري بهما، ولا تسهري مع سنابل، نامي يا فتاة، وأخبري الأخرى أن تنام هي أيضًا، فأنا لا أكلمها. تصبحين من أهل الجنة.
اعتدلت ريم متجهةً نحو غرفتها، وقد شعرت براحةٍ خفيفة بعد حديث صديقتها، ثم قالت بابتسامةٍ هادئة:
- سأحاول، أعدكِ يا كياني... تصبحين من أهل الجنة أنتِ أيضًا.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!