الفصل الحادي والأربعون
اعتدل إبراهيم في جلسته ليشرح لهم أولى خطوات ذلك العلاج الذي سيقوم به، والتي كانت إلزام سما بشرب زيت الخروع موضوعًا في أي نوعٍ من أنواع العصير لتنظيف أمعائها، ثم بعد ذلك عليها أن تغتسل بماءٍ قُرئت عليه آياتٌ من القرآن الكريم الخاصة بإخراج الجن داخل وعاءٍ كبير حتى لا تتسرب تلك المياه إلى أرضية المرحاض. يلي ذلك أن يقوم إبراهيم بكتابة سورة الفلق على ظهرها بالمسك، وأخيرًا عليهم تشغيل الرقية الشرعية الخاصة بالمس حتى تتمكن سما من النوم.
نظرت إليه سما متسائلةً بتوجس:
- متى سنبدأ يا إبراهيم؟
أجابها بابتسامةٍ هادئة:
- في الغد، حبيبتي، سوف تكونين بخير، لا تقلقي.
أومأت له متنهدةً بتقطع:
- حسنًا، سوف أذهب للنوم الآن، تصبحون على خير.
تتبعها إبراهيم بنظراته، ثم التفت إلى ريم التي اعتدلت في جلستها ليخاطبها متسائلًا:
- إلى أين؟
أجابته بابتسامةٍ هادئة:
- سوف أقوم بإعادة تسخين الطعام لك لتستطيع أكله.
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ صغيرة لم تصل إلى عينيه، فقد ذهبت دون أن يطلب منها ذلك.
- يمكنكِ الذهاب، لكن لا تتأخري، فإنني جائع.
أثناء إعداد الطعام، شعرت ريم ببعض الإرهاق والغثيان يعاودانها من جديد، فتوجهت نحو المرحاض لتفرغ ما في معدتها. غسلت وجهها بماءٍ باردٍ نوعًا ما، ثم عادت إلى المطبخ مرةً أخرى. فمنذ فترة وهذه الأعراض تداهمها باستمرار.
بعد أن انتهت، خرجت واضعةً الطعام على الطاولة، لينظر إليها إبراهيم بضيق وهو يخاطبها:
- لماذا تأخرتِ؟ هل كنتِ تصنعينه من جديد أم ماذا؟
أجابته بإرهاقٍ ظاهر:
- أعتذر يا إبراهيم، لن يتكرر ذلك.
زفر بغضب، ثم بدأ بالأكل دون أن يعرض عليها حتى أن تشاركه الطعام. نظرت إليه ريم قليلًا، ثم توجهت إلى غرفتها بإعياءٍ واضح. نظرت إلى أبنائها بهدوء، وجلست بجانبهم تساعدهم في إنجاز مهامهم المدرسية.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعدما توجهت سارة نحو غرفتها، بدأت بفك أشرطة العلبة المغلفة لتنظر إلى الهدية التي أرسلتها لها أمل، والتي كانت عبارةً عن كتابٍ لقصص الأنبياء. أمسكت بالورقة الموجودة داخله وهي تشعر بسعادةٍ كبيرة، ثم قرأتها بصوتٍ مرتفعٍ بعض الشيء:
- كيف حالكِ يا سارة؟ لقد اشتقت إليكِ كثيرًا. أريد أن أخبركِ أنني سأسافر مع عمي هذه المرة، ولكن سأعود قريبًا بعدما ينتهي من عمله، وسأزوركِ وأقضي اليوم عندكِ، هكذا أخبرني عمي همام. هذا الكتاب أريدكِ أن تقرئي هذه القصص لي أيضًا عندما آتي إليكِ. أوصلي سلامي لأمي ابتهال، وليان، وأخي الوسيم سليم. أحبكِ يا أختي. في أمان الله.
أنهت سارة قراءة الرسالة، وما زالت الابتسامة تزين شفتيها. كانت متأكدة أن الكتابة ليست كتابة أمل، بل تبدو كتابة عمها، لأنها تعرف خط المشرفة في الميتم، لكن الكلمات كانت كلمات أمل بكل تأكيد.
رفعت رأسها نحو سمر التي دلفت إلى الغرفة بعدما طرقت الباب بخفة، فوقفت أمامها وهي ترفع حاجبها الأيمن عندما رأت تلك الابتسامة على وجهها، ثم تحدثت بخبثٍ أخفته خلف ابتسامةٍ زائفة:
- ما بكِ سعيدةً إلى هذه الدرجة يا سارة؟
أجابتها سارة بابتسامةٍ صادقة:
- لقد وصلتني هدية من فتاةٍ أعتبرها أختي الصغيرة، بل ابنتي التي لم ألدها.
ضحكت سمر باستخفافٍ شديد، ثم جلست بجانبها وقالت:
- هل هذا فقط يا سارة؟ لا تنكري أن الهدية من شخصٍ آخر.
نظرت إليها سارة باستفهام:
- ماذا تقصدين يا سمر؟
غمزت لها سمر وهي تربّع قدميها، ناظرةً إليها بمكر:
- هيّا، اعترفي، إنها من ذلك الشاب، أليس كذلك؟ أخبريني، ولن أخبر خالتي ولا سليم.
وقفت سارة بغضب وهي تخاطبها:
- كفاكِ هراءً وتخيلاتٍ مريضة يا سمر، اخرجي إلى الخارج.
ضحكت سمر باستنكارٍ واضح:
- تخيلات مريضة؟ يا سارة، حبيبتي، أنا أعرف هذه السعادة جيدًا. ليست هدية فتاةٍ صغيرة ما يجعلكِ بهذه السعادة، إنها سعادة هديةٍ وصلت من حبيب.
رفعت سارة حاجبها باحتقار، ثم قالت بخبث:
- يبدو أنكِ جربتِ هذه السعادة من قبل، بما أنكِ تعرفين هذا الشعور.
ضحكت سمر بقوة، ثم أجابت:
- كم أنتِ ساذجة يا سارة. ليس لأنني جربت هذا الشعور، لكنني أقول الحقيقة. لن تصنع هديةٌ من فتاةٍ صغيرة كل هذه السعادة، هيّا اعترفي.
زمت سارة شفتيها بضيق، ثم خاطبتها وهي تريد إنهاء ذلك الحديث العقيم:
- حسنًا، بما أنكِ قلتِ ما لديكِ، يمكنكِ الخروج من عندي، فأنا أريد النوم، من بعد إذنكِ.
نظرت سمر إلى هاتفها، ثم أجابت:
- حسنًا، كما تشائين. لكن يمكنكِ أن تخبريني عنه عندما ترغبين في ذلك، وسأستمع إليكِ برحابة صدر.
ضربت سارة كفيها ببعضهما من شدة ضيقها من غباء سمر، ثم خاطبتها بانزعاجٍ واضح:
- هداكِ الله يا سمر، اخرجي واخلدي إلى النوم، واعلمي أنني لا أحب أي معتوهٍ تتخيلينه، فأنا أحب ربي، وأحترم ديني الذي علمني ذلك.
نظرت إليها سمر وهي ترفع كتفيها، ثم خفضتهما بلا مبالاة وقالت:
- كما تشائين، لن أضغط عليكِ، لكن أريد أن أخبركِ بشيء يا سارة، لا تمثلي دور المحترمة وتخفين حبكِ خلف ثيابكِ وتدينكِ هذا. تصبحين على خير.
توجهت نحو الباب وهي تريد الخروج، ثم توقفت والتفتت إليها بسخرية:
- لقد تذكرت. كنتِ قد أخبرتِني من قبل أنكِ تريدين أن تختمري وتخبئي يديكِ أيضًا. أرجوكِ، التزمي بدينكِ أولًا ثم أعطيني النصائح والمواعظ. وأعيد التكرار يا سارة، بثيابكِ هذه لن تستطيعي مواكبة مسيرة الطب. فكيف لفتاةٍ مختمرة أن تداوي المرضى، وخاصةً الرجال؟ فكري بعقلكِ، وليس برغبتكِ يا سارة، أنا أخبركِ قبل أن تجازفي و...
قاطعتها سارة متحدثةً بغضبٍ حاولت كتمانه:
- اخرجي إلى الخارج يا سمر، لا أريد أن أستمع إلى صوتكِ أكثر من ذلك، فلقد أصبتِني بالصداع من صوتكِ الشبيه بصوت الغراب.
نظرت إليها سمر بغضب، ثم خاطبتها بحقد:
- سوف تندمين يا سارة، وسأخبر خالتي وسليم، وسترين.
لوحت لها سارة وهي تقول بضحكةٍ ساخرة:
- أوصلي سلامي لهما، ومن فضلكِ أغلقي الباب في طريقكِ أيضًا.
ارتمت سارة على سريرها بضيقٍ من حديثها المستفز، ثم أمسكت بهاتفها تريد أن تطمئن على ريليان، فما زال القلق ينهش قلبها. لكنها وجدته مغلقًا أيضًا، فزفرت بهدوء داعيةً الله أن تكون بخير.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كان سليم ينظر إلى هاتفه بعدما أرسلت إليه أم خالد، والدة ريم، رسالةً تخبره فيها بأن ريم لا تريد الطلاق الآن، وأنها غضبت من معرفته بذلك؛ لأنها لا تريد أن يعلم أيُّ شخصٍ بالأمر خوفًا من إبراهيم.
وضع هاتفه على طاولة المكتب، ثم بدّل ثيابه بأخرى مريحة، وبعد ذلك دلف إلى المرحاض ليتوضأ. وبعد مدةٍ قصيرة خرج منه، ليشرع في الصلاة بقلبٍ مطمئن. سجد لله، وبدأ يدعو لوالديه وأخته، ولا يعلم لماذا وجد نفسه يدعو لريليان أيضًا، وقد اعتصر الألم قلبه بمجرد أن نطق باسمها.
"اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيءٍ أنت آخذٌ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء.
اللهم طمئن قلبها، واجعلها بخير، ولا يمسها سوء.
يا مقلب القلوب والأبصار، يا مقلب القلوب والأبصار، يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبها على دينك يا علام الغيوب، يا علام الغيوب، يا علام الغيوب.
لا إله إلا الله، اللهم أسألك أن تيسر لها أمرها، واجعل الخيرة لها، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم إني أسألك بمقاعد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم، وكلماتك التامة، أن تيسر أمرها وتفرج همها. سبحان الله وبحمده، وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم.
اللهم ارحمها بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتها، وأسألك اللهم أن تُلزم قلبها بما يرضيك، وأن تجعلها تتلو كتابك على الوجه الذي يرضيك عنها، وأن تعمل به، وأن تنور بكتابك بصرها، وأن تطلق به لسانها، وأن تفرج به عن قلبها، وأن تشرح به صدرها، وأن تغسل به بدنها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم اجعل القرآن ربيع قلبها، ونور صدرها، وجلاء حزنها، وذهاب همها.
يا لطيف فوق كل لطيف، الطف بها في أمورها كلها، فإنك قلت، وقولك الحق: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾، يا لطيف، يا خبير، يا عزيز.
اللهم إني أسألك اللطف فيما جرت به المقادير، اللهم لا فرج إلا فرجك، ولا لطف إلا لطفك، ففرج عنها كل همٍّ وغمٍّ وكرب، وارفع عنها هذه المحنة والبلية بيدك القوية، وكن معها وانصرها.
اللهم لا تكلها إلى نفسها فتعجز، ولا إلى الناس فتضيع، اللهم أغنها بالافتقار إليك، ولا تفقرها بالاستغناء عنك، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد."
رفع رأسه عن سجادة الصلاة، ثم سلّم بعد أن قرأ التشهد. جلس بهدوءٍ وهو يأخذ نفسًا عميقًا، ثم توجه نحو سريره ليخلد إلى النوم بقلبٍ واثقٍ بالله، راجيًا أن يحفظها الله ويكون معها.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!