الفصل الثالث والستون
**أخذت ريليان الهاتف من بين يدي سليم بأنامل مرتجفة، لتبتلع ريقها بخوف من مضمون الرسالة الموجودة فيه. جالت أنظارها نحو الحروف المكتوبة بعدم تصديق، ثم رفعت عينيها إلى الأعلى باتجاه سليم، بابتسامة مترددة وهي ترمش بأهدابها عدة مرات، وكأنها لا تصدق ما قرأته للتو.
ابتسامته الهادئة التي زينت ثغره وهو ينظر إلى والدته جعلتها تلتفت للخلف، مصوبةً أنظارها نحوهم. تقدمت ابتهال منهم بعدما اعتدلت في جلستها لتقرأ ما كان موجودًا في الرسالة. صحيح أنها كانت كلمات قليلة، باردة وقاسية، لكنها كانت مفرحة ومبشرة:
- أخبريني أين نلتقي، فسوف أكون وكيلتكِ حتى ننهي هذه المهزلة.
عانقت ريليان ابتهال بسعادة كبيرة وهي تحمد الله في داخلها على مرور هذا الأمر بسلام:
- مبارك ابنتي، ها قد حصلتِ على موافقة والدتكِ.
اقتربت سارة بسعادة كبيرة لتعانقها بعدما ابتعدت عن ابتهال:
- وأخيرًا، وأخيرًا ستصبحين زوجة أخي، يا لسعادتي.
ابتعدت ريليان عنها ببعض القلق الممزوج بالخجل، ناظرةً إلى سليم بعينين مهتزتين:
- لدي إحساس أنه فخ، وأن والدي هو من أجبرها على ذلك حتى يستطيع الإمساك بي.
عمّ الهدوء المكان بعد جملتها تلك، وكأنها ألقت قنبلة موقوتة بينهم. أجل، ربما كان ذلك صحيحًا، فليس من الطبيعي أن توافق بهذه السهولة. صحيح أن أسلوبها بارد وجاف وقاسٍ، لكن لا يعقل أن تؤذيها في النهاية، فهي والدتها.
تحدث سليم بهدوء، عكس ما يبطنه من قلق، فقد ساوره الشك بالأمر حقًا عندما قرأ الرسالة للمرة الأولى:
- حسنًا، يمكننا إعطاؤها عنوانًا آخر، مع أنني لا أظن أن والدتكِ تفعل شيئًا كهذا.
تساءلت ابتهال بتوجس:
- هل يعقل أن تأتي ومعها والدها حقًا يا سليم؟
تنهد بقلة حيلة، ناظرًا إليها ببعض الثقة:
- لا أظن ذلك أمي، ضعي نفسكِ مكانها، هل ستقبلين أن يتم الإمساك بسارة إن فعلت ذلك وتسليمها لوالدها؟
حركت رأسها نافيةً ذلك تمامًا دون أن تعطي عقلها فرصة للتفكير:
- بالطبع لن أفعل، فهذه ابنتي.
ابتسم بهدوء، ابتسامة وصلت إلى عينيه:
- وهذه ابنتها أيضًا، لذلك من غير الممكن أن تفعل بها هذا.
أومأت له بتفهم، ثم سألته مستفسرة:
- وأي عنوان ستعطيه لها يا سليم؟
وضع إصبعي الإبهام والسبابة على لحيته بتفكير، ثم نظر إلى ابتهال مجيبًا:
- بما أنها ستكون الوكيلة، فيتوجب علينا عقد القران، أي يجب التوجه إلى المحكمة الشرعية، وهذا أفضل حل كي لا يعرفوا مكان المنزل.
تعالت ضربات قلبها بتوتر كبير. هل حقًا ستصبح زوجته؟ يا الله، لا تصدق حتى الآن أنه هو من طلب ذلك. لكن هل يعقل أنه أحبها، أم أنه يريد فقط حمايتها من عائلتها؟
خرجت من تفكيرها على صوت سارة المتسائل:
- ومتى ستعقد عليها؟
أجابها ببساطة تامة، ناظرًا إلى ساعته المحيطة بزنده:
- اليوم، حتى نكون مطمئنين أكثر، فلا داعي للتأجيل، فقد تتراجع والدتها عن ذلك.
ابتلعت ريليان ريقها بتوجس وتوتر. هل ستكون اليوم مواجهتها مع والدتها؟ هل يا ترى ستسامحها وتأخذها بين أحضانها مرة أخرى؟ أم أنها ستنهي كل شيء وتغادر، أو لربما تسلمها لوالدها؟
يا رب، كن معي وحنّن قلب أمي. أخذت نفسًا عميقًا، مغمضة عينيها برجاء، متمنية أن تكون والدتها كما كانت سابقًا قبل تبديلها لدينها، وليس كما كانت في آخر مرة تحدثت معها فيها.
شعرت بيدٍ وضعت على كتفها، لتفتح عينيها بنظرة تحمل آلاف المشاعر التي تخشى خذلانها. ابتسمت لها ابتهال بحنان، لتزفر ريليان الهواء الذي احتفظت به، ثم نظرت باتجاه سليم لتجده قد غادر.
خاطبتها بتوجس:
- أين ذهب سليم أمي؟!
أجابتها بذات الابتسامة، مشيرةً إلى الأعلى:
- لقد ذهب ليحضر الأوراق التي جهزناها الأسبوع الماضي من أجل زواجكما.
أومأت لها براحة نسبية وابتسامة خجولة، ثم التفتت نحو سارة التي كانت تبتسم بخبث.
سألتها بتردد:
- ماذا هناك؟
رفعت سارة منكبيها للأعلى ثم أخفضتهما، كاتمةً ضحكتها على خجل ريليان:
- لا شيء، لم أتحدث. ريليان اذهبي وتجهزي، فسوف تصبحين زوجة أخي بعد قليل.
خاطبتها ابتهال بصوت سعيد، وكان ذلك واضحًا:
- هذا صحيح، هيا ابنتي اذهبي وبدلي ثيابكِ قبل أن يأتي سليم.
تمسكت ريليان بيد سارة بخجل:
- تعالي معي سارة.
سحبت سارة يدها من بين كفي ريليان، متحدثةً بضيق مصطنع:
- هل بدأتِ تتحكمين بي منذ الآن؟ تعالي واذهبي، لا أريد يا ريليان.
ضربتها على كتفها بضيق حقيقي:
- اصمتي سارة، أحيانًا من حديثكِ لا أستطيع تمييز هل تتحدثين بجدية أم تمزحين.
انفجرت سارة ضاحكةً بقوة، لتلتصق بذراعها متوجهة نحو غرفة ريليان:
- إنني أمزح يا فتاة، هل تظنين أنني جعلتكِ زوجة أخي من فراغ؟ لقد وافقت لأنني أستطيع أن أضحك عليكِ بعقلكِ الصغير.
لوت ريليان فمها بقلة حيلة من تفكيرها، لتدخلا إلى الغرفة كي تتجهزا.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد ساعتين بالتحديد، كان سليم داخل سيارته وبجانبه ابتهال، ومن خلفه سارة وريليان التي كانت تفرك يديها بتوترٍ كبير مغلفٍ بخوفٍ أكبر.
كانت عيناها تتابعان الطريق بلهفة كبيرة، حتى عانقت أخيرًا تلك العينين اللتين تقفان بحزنٍ كبير تبحثان عنها. خاطبت ابتهال بصوت مهزوز، واضعةً يدها على كتفها تهزها بخفة لتنبهها:
- ها هي أمي، لقد جاءت.
نظرت ابتهال نحو موضع إشارة ريليان، لتجد هناك امرأة في بداية الأربعينات، متوسطة الطول، بشعرٍ بني قصير يصل إلى رقبتها تقريبًا، ويبدو أن ريليان ورثته منها. كانت ترتدي بذلة رمادية اللون، وتمسك حقيبة بيضاء كبياض القميص الذي أسفل سترتها.
ترجل سليم من السيارة بعد أن فتح الباب، ليتوجه نحو والدته مخاطبًا إياها:
- هل يمكنكِ القدوم قليلًا أمي؟
ترجلت ابتهال لتقترب منه بتساؤل بعدما التفت نحوها:
- ما الأمر بني؟
خاطبها بصوت منخفض:
- هل رأيتِ والدتها؟
أومأت بتأكيد، ليهز رأسه بخفة متحدثًا بعد ذلك:
- إذًا اذهبي وتحدثي معها من فضلكِ أمي.
نظرت إليه بتعجب، لتجد ملامح الجدية بادية على وجهه، فخاطبته باستنكار تام:
- وماذا أقول لها يا سليم؟ عذرًا، أنا والدة من ستكون زوجة ابنتكِ، خذيني بالأحضان والقبلات؟
ضحك بخفة ليخاطبها ناهيًا:
- لا، ليس هكذا. أنتن أمهات ونساء، وتستطعن فهم بعضكن البعض. بطريقتكِ اللطيفة تستطيعين معرفة ما تكنه من نية.
زفرت بقلة حيلة، لتوجه أنظارها نحو جوليا التي كانت تمسك هاتفها. ارتفع رنين هاتف سليم تزامنًا مع نظراتها، فزمت شفتيها بضيق بعدما أغلق هاتفه عندما وجد المتصل جوليا.
نظرت إلى ريليان التي كانت تراقبهما من خلف زجاج النافذة بخوفٍ ورجاء، لتأخذ شهيقًا كبيرًا مشجعةً نفسها على الذهاب نحو جوليا.
سارت بخطوات مترددة، محاولةً إخراج صوتها بعدما وقفت أمامها:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شملتها جوليا بنظرة من رأسها إلى أخمص قدميها، بعدما علمت هويتها، فسلام ابتهال وثيابها يدلان على أنها مسلمة.
خاطبتها بجمود:
- أين ريليان؟
تنهدت ابتهال باسمةً بتوتر:
- إنها في أمان معنا يا سيدتي، لكن أريد أن أ...
قاطعتها جوليا زافرةً بضيق:
- يا سيدتي، لا تطيلي الحديث. لقد جئت كما أرسلتم لي، فدعوني أقوم بذلك دون أن أختلط بكم، ولننهِ هذه المهزلة.**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!