الفصل المئة واثنان وأربعون
بعد مرور عدة أسابيع، تحسنت صحة خديجة الجسدية والنفسية بصورةٍ كبيرة وملحوظة، وكان الفضل بعد الله لوجود سليم بجانبها، وكأنها وجدت فيه الترياق الذي أعاد إليها الحياة من جديد.
أما سارة، فقد رأت من همام شخصًا آخر؛ عاد إليها ذلك الزوج الحنون الذي تزوجته منذ البداية، لا يناديها إلا بـ"الطبيبة"، ولا يسمح لأي شخصٍ آخر بمناداتها بهذا اللقب سواه. حتى إنه عاد يتشاجر مع سليم كعادتهما، كعلاقة القط والفأر، إذ كان سليم يتعمد مضايقته كلما سنحت له الفرصة، ولم يسمح لهما بالعودة إلى منزلهما حتى الآن.
لكن، وعلى الجانب الآخر، كان همام يشعر بوخزةٍ قاتلة في قلبه كلما وقع بصره على سارة.
فقد أخبره الطبيب أن المرض بدأ يتمكن من جسده، وأن عليه أن يبدأ العلاج فورًا قبل أن تتدهور حالته أكثر، لكنه رفض رفضًا قاطعًا. لم يكن يريد أن تراه زوجته أصلع الرأس، هزيل الجسد، بعد أن اعتادتا، هي وابنة أخيه الصغيرة، أن ترياه سندًا ومصدرًا للقوة.
ولأجل ذلك، بدأ يضع حبوب منع الحمل في شراب سارة خفيةً، حتى لا يمنحهما القدر فرصةً لإنجاب طفل.
كان عقله يقيده بفكرةٍ واحدة؛ بعد موته ستتزوج رجلًا آخر إن لم يكن لديها أطفالٌ منه... ورغم أن هذا التفكير كان يمزق قلبه ويقوده إلى الجنون، فإنه لم يستطع التخلص منه.
هل يعقل أن تتزوج بغيره بعد وفاته؟
هل يمكن أن تنساه يومًا؟
كان يعلم أن أجله قد يكون قصيرًا، لكن سعادتها كانت تعني له أكثر من أي شيء. ولم يكن يعلم إن كانت صادقة عندما سألها قبل أيام إن كانت ستتزوج بعده، فأجهشت بالبكاء وهي تنفي ذلك بشدة، متشبثةً بأحضانه، تعترف له بحبها الذي ازداد في الآونة الأخيرة، ثم توسلته أن يغلق هذا الموضوع، وألا يفتحه معها مرةً أخرى.
ويا الله... كم آلمه بكاؤها يومها.
أمسك شريط الدواء، فوجده قد فرغ تمامًا، فخرج من غرفته، ليصطدم بأمل التي كانت تركض مسرعة نحو الطابق العلوي، حيث خديجة التي لم تعد تغادره إلا نادرًا، إما لتناول الطعام، أو عند قدوم ريم.
ابتسم لها بمحبة، ثم أكمل طريقه نحو الصالة، ليستمع إلى صوت ريم التي كثرت زياراتها للمنزل، بعدما أصبحت صديقةً مقربة لسارة وخديجة. ولم يكن في الأمر غرابة، فهي صاحبة الفضل بعد الله في إنقاذ سليم من الموت.
لمحته سارة لحظة خروجها من المطبخ، فسارت خلفه تسأله برقة:
- إلى أين أنت ذاهب يا همام؟
تنحنح بخفة، ثم قبّل رأسها بابتسامةٍ دافئة وقال:
- أريد أن أستنشق بعض الهواء، هل تريدين شيئًا أحضره لكِ عند عودتي يا حبيبتي؟
بدأت تفرك يديها بتوترٍ وعيناها تلمعان بطفولية، لينفجر ضاحكًا من عفويتها، ثم قال مستسلمًا:
- حسنًا... حسنًا، لقد فهمت ما الذي تريدينه، سأحضر حلوى الأطفال الخاصة بكِ.
ضحكت بسعادةٍ غامرة، ثم احتضنته هامسةً بجوار أذنه بحب:
- أحبك يا همام.
ابتعدت عنه بخجلٍ لطيف وقد احمرّت وجنتاها، ثم قالت:
- هيا اذهب، ولا تنسَ أن تحضرها لي... وبالطبع لأمل وخديجة أيضًا. استودعك الله.
خرج من تأمله لوجهها، ثم ابتسم وأومأ برأسه موافقًا، وقبل وجنتها قبل أن يتجه نحو الباب، يتمتم في داخله بدعاءٍ واحد:
أن يمد الله في عمره... فقط ليمنحها مزيدًا من السعادة.
عادت سارة إلى الصالة، لتجد خديجة تجلس مع ريم بعدما أخبرتها أمل بقدومها.
جلست بجوارهما، ويبدو أن الحديث كان يدور حول حياة ريم، بعدما روت لهما جزءًا من معاناتها.
وضعت خديجة يدها فوق يد ريم تربت عليها بحنان، ثم قالت:
- لقد أخبرت سليم بأمركِ يا ريم، لا تقلقي.
توترت ريم فور سماعها ذلك، فسألت بحذر:
- وماذا قال؟
تنهدت خديجة بيأس، ثم أجابت:
- لم يقل شيئًا... وما زال صمته سيد الموقف. مع أنني أخبره دائمًا أن انفصالكِ سيكون خيرًا لكِ، كما تقول صديقتك كيان. وبصراحة، لا أعلم كيف استطعتِ تحمل زوجٍ مثله.
أطلقت ريم زفرةً مثقلة بالخذلان، ثم قالت بانكسار:
- كنت عمياء البصيرة في البداية... أما الآن، فلا أريد سوى حضانة أطفالي، وبعدها سأخلعه إن استطعت.
ضحكت سارة بخفةٍ عند لفظها كلمة "أخلعه"، ثم قالت باستغراب:
- وهل سيترككِ تفعلين ذلك؟! فكما أخبرتنا، هو يؤمن الطريق لتجار المخدرات! سامحيني يا ريم، لكن زوجكِ من نسل إبليس، فكيف ستتخلصين منه؟
تنهدت ريم بعمق، وقد حملت تنهيدتها كل ما في قلبها من يأس وإرهاق، ثم قالت:
- لا أعلم يا سارة... لكن لا بد أن تكون هناك طريقة. لقد وكلت أمري إلى الله، وكما تقول لي كيان دائمًا:
- لا تيأسي يا ريم... صبرٌ جميل، فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
تقدمت ابتهال وهي تحمل أكواب القهوة الساخنة، التي أصبحت إدمانهن في هذه الأيام، وإلى جانبها أطباق الحلوى.
اعتدلت ريم فجأة بعدما نظرت إلى ساعة هاتفها، فقد تأخر موعد خروج الأطفال من المدرسة.
قطبت ابتهال حاجبيها باستغراب، ثم سألتها:
- إلى أين يا ابنتي؟
ابتسمت ريم لها بصدق، فوجود ابتهال كان يمنحها حنانًا يذكرها بوالدتها، ثم قالت:
- يجب أن أحضر الأولاد من المدرسة، وأشتري بعض الفيتامينات لسما، فهي كما تعلمين في شهرها الرابع من الحمل. شكرًا على ضيافتكِ، لكنني وعدت كيان ألا أشرب أكثر من كوبٍ واحد من القهوة يوميًا.
ثم تناولت قطعةً من الحلوى وهي تبتسم، وقالت برقة:
- لكنني سأخذ هذه... لأنها من صنع يديكِ.
ربتت ابتهال على كتفها بحنان أمٍ حقيقي، ثم قالت بمحبة:
- اهتمي بنفسكِ يا ابنتي، وأوصلي سلامي لكيان، وقبلاتي لأولادكِ... واعتني بنفسكِ مرةً أخرى.
ابتسمت ريم لها بهدوءٍ واحترام، ثم قالت:
- حسنًا، سأفعل... في أمان الله.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
تنهدت خديجة، واضعةً يدها على بطنها التي أصبح انتفاخها كبيرًا جدًا، ثم خاطبت سارة بتردد بعد مغادرة ريم:
- سارة، هل لكِ أن تحضري لي حبة خوخ وبعض البسكويت؟ أشعر بالجوع.
ثم نقلت بصرها نحو ابتهال، وسألتها باستفسار:
- أمي، الطعام جاهز، أليس كذلك؟ إنني أتضور جوعًا.
أرادت سارة استفزازها على سبيل المزاح، فكتمت ابتسامةً كادت تفضحها، ثم قالت بجديةٍ مصطنعة:
- ألا تعرفين شيئًا غير الطعام يا فتاة؟ لقد أصبحتِ مثل البالون المنتفخ، وهذا ما يجعل سليم ينفر منكِ. صدقيني يا خداوج، الرجال يحبون الفتاة ممشوقة القوام، لا كأمثالكِ. نصيحة مني، خففي من تناول الطعام، فقد فقدتِ جمالكِ الهادئ، وهذا سيجعل سليم يبحث عن أخرى... حسنًا، سأذهب لأحضر الطعام لكِ.
رمشت خديجة عدة مرات، تحاول جاهدةً حبس دموعها، ثم خرج صوتها مرتجفًا بالخوف:
- لا أريد... شكرًا لكِ يا سارة.
وضعت يدها خلف ظهرها، متحاملةً على نفسها لتعتدل، ثم اتجهت نحو الدرج بخطواتٍ بطيئة، بينما كانت دموعها تهدد بالانهمار في أي لحظة.
التفتت ابتهال نحو سارة التي انفجرت ضاحكة، فاقتربت منها تؤنبها بضيق:
- سارة! لماذا قلتِ لها ذلك؟ دعيها تأكل ما تشاء، فهي تحمل ثلاثة أرواح، ثم إنها ليست كما وصفتِها أبدًا. بل من الطبيعي أن يتغير جسدها في الحمل، لكن انتفاخ بطنها يوحي وكأنها تحمل طفلًا واحدًا لا طفلين.
توقفت سارة عن الضحك وهي تمسح دموع المرح عن عينيها، ثم قالت:
- لقد صدقت كل ما قلته لها! يا لها من بلهاء... أقسم إنها ما زالت طفلة، وتحمل طفلين في بطنها. سأذهب لأصالحها، لا تقلقي يا أمي... حقًا، أعان الله أخي عليها.
قاطعها سليم، الذي دخل المنزل لتوه عائدًا من عمله، قائلًا باستغراب:
- أعانني الله على من يا سارة؟
تنحنحت وهي تفرك أنفها بسبابتها، ثم قالت بسرعة:
- حمدًا لله على سلامتك يا أخي.
ابتسم، ثم قبّل جبينها بعدما وضع حقيبته على الأرض، وقال:
- سلّمكِ الله من كل سوء يا مشاكسة. هيا، أخبريني، بماذا أزعجتِ زوجتي هذه المرة؟ اعترفي بسرعة، ودون مراوغة.
نقلت سارة نظرها نحو والدتها باستنكار، بعدما فهمت أنها أخبرته بإشاراتها السريعة، ثم زمت شفتيها وقالت بضيق:
- لم أقل لها شيئًا، فقط نصحتها ألا تأكل كثيرًا... حتى لا تتزوج عليها.
طرق جبهتها بإصبعه الأوسط بخفة، ثم قال بهدوء:
- وكم مرة أخبرتكِ ألا تفتحي معها هذا الموضوع يا سارة؟ سامحكِ الله... أنتِ تعرفين خديجة، فهي سريعة البكاء، وهذا ليس جيدًا لصحتها. بعد أن تلد، تشاجرا كما تشاءان.
زفرت سارة بهدوء، ثم أومأت برأسها، وعادت لتجلس بجانب ابتهال التي كانت تجدل خصلات شعر أمل، بينما الصغيرة تأكل بعض الحلوى. أمسكت هاتفها محاولةً الاتصال بهمام لتشغل وقتها.
أما سليم، فتنهد بعمق، ثم صعد الدرج المؤدي إلى غرفته.
طرق الباب بخفة، ثم دلف إلى الداخل، فوجد خديجة تتوسط السرير، متكوّرةً على نفسها كجنينٍ صغير.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم جلس بجانبها، وقال بصوتٍ هادئٍ يفيض حبًا:
- هل أنتِ نائمة يا خديجة قلبي؟
لم تبدِ أي ردة فعل، فأخرج لوح شوكولاتة من حقيبته، ووضعه أمامها بإغراء:
- لقد أحضرت لكِ هذا اللوح الذي تحبينه... بالزبيب واللوز.
فرك لحيته مفكرًا بعدما لم يجد أي استجابة، فأخرج عدة ألواحٍ أخرى، ثم اعتدل قائلًا بصوتٍ مسموع وكأنه يحدث نفسه:
- بما أنكِ نائمة... سأذهب وأعطي سارة وأمل هذه الألواح، يبدو أنه لا نصيب لكِ فيها.
كاد يفتح الباب، حتى أوقفه صوتها المتحشرج:
- لا تفعل... إنها لي.
ابتسم بانتصار، وأبعد يده عن المقبض، ثم عاد إليها وجلس بجانبها، ومسح دموعها العالقة بأطراف أصابعه، وقال بحنان:
- أخبريني يا خديجة قلبي... ما بكِ؟
حاولت السيطرة على دموعها، ثم سألته بخوفٍ امتزج بالشك:
- سليم... أخبرني الحقيقة، هل أصبحت قبيحةً في نظرك؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!