الفصل الثاني والسبعون
**
جلست ريم إلى جوار إبراهيم، وعلى ملامحها ابتسامةٌ تحمل الكثير من الاطمئنان، ثم همست بحنان:
- حمدًا لله على سلامتك يا إبراهيم.
أومأ لها بتعب، ثم رفع عينيه نحو عمر وعليّ اللذين كانا يقفان عند الباب، فابتسم لهما مشجعًا إياهما على الاقتراب.
لم ينتظر عليّ أكثر، بل هرول نحوه ببراءة، ثم قبّل وجنتيه بحب:
- حمدًا لله على سلامتك يا إبراهيم.
ارتسمت على وجه إبراهيم ابتسامةٌ متعبة، بينما تقدم عمر وجلس بجانب ريم، ثم تمتم بهدوء:
- حمدًا لله على سلامتك.
تنهدت ريم، ثم اقتربت قليلًا من إبراهيم وهمست له:
- إنه يشعر بالضيق لأنك جئت إلى هنا، ومن المفترض أن تكون في الغرفة الأخرى.
زفر إبراهيم بضيق، ونظر إليها باستغراب:
- ريم... ألا ترين حالتي؟ لم تمضِ ساعتان على خروجي من المشفى، هل هذا وقت العتاب؟
حدقت به ريم للحظات ببلاهة، ثم أسرعت بالدفاع عن نفسها:
- لم تفهم كلامي يا إبراهيم... أنا أقول إن عمر هو من يشعر بالضيق، ولست أنا.
حرك رأسه بضجر من حديثها، ثم أردف:
- أعلم أنكِ تقصدينه بحديثكِ يا ريم.
ثم التفت نحو عمر الذي كان يراقب سما وهي تلاعب عليّ، وخاطبه بجدية:
- عمر، هل ترى أن الغرفة جيدة لمكوثي فيها؟ فالسرير لا يتسع لنا جميعًا، وأنا أحتاج إلى راحةٍ تامة... هل فهمت؟
أومأ عمر بتفهم، فهذا ما أخبرته به ريم مسبقًا، اعتدل في جلسته بعدها، واتجه نحو الخارج، تابعته ريم بنظرةٍ عاجزة، وقد ضايقها أسلوب إبراهيم الجاف، ثم لحقت به حتى دخل غرفتهما.
جلست على ركبتيها أمامه، وحاولت أن تمنحه بعض الطمأنينة بابتسامةٍ حانية:
- ألم أقل لك إن الغرفة لا تلائمه؟ عندما يتحسن سيعود إلى هنا.
خفض عمر عينيه، ثم خرج صوته محملًا بغصةٍ عميقة:
- أمي... لماذا أبي هكذا؟ أريد أن أشعر بأنه أبي... وليس زوج أمي أو أخي.
حبست ريم دموعها بصعوبة، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا:
- وهل تراه ليس أبًا يا عمر؟
بدأت دموعه تهبط على وجنتيه، وكأن الكلمات التي أخفاها طويلًا وجدت طريقها للخروج:
- هل هناك أب لا يحب أن يُنادى بكلمة "أبي"؟ أريد أن أشعر بأن لي أبًا... لا أخًا أخاطبه باسمه. إنه لا يسمح لنا بمناداته أبي، بحجة أنه لا يريد أن يشعر بأنه كبر.
احتضنته ريم بألمٍ شديد، فقد كانت تعرف قسوة جفاء إبراهيم، وتعلم أن حرمان أبنائه من أبسط مشاعر الأبوة كان يؤلمهم أكثر مما يظهرون.
تساءلت في داخلها، إن كان معها ليس زوجًا كما يجب، فهل سيكون مع أبنائه أبًا كما يتمنون؟ هل يوجد أب لا يسأل عن ابنته، حتى إنه لا يعرف اسمها؟
كانت ستخبر عمر الآن بوجود أخته، ثم ستواجه إبراهيم بالأمر وتحاول إحضارها إلى هنا.
ابتعدت عنه بعدما مسحت دموعه ودموعها، ثم رسمت ابتسامةً هادئة على وجهها:
- عمر... أريد أن أخبرك بشيء، حسنًا؟
أومأ لها برأسه، فتابعت:
- لديك أخت تدعى لمار... وهي تكبرك بسنتين.
اتسعت عيناه بدهشة، وسألها بعدم تصديق:
- أين هي؟ ولماذا لا تعيش معنا؟
تنهدت ريم بقلة حيلة، ثم أجابته:
- كان والدك متزوجًا من امرأةٍ أخرى قبلي، وأنجب منها فتاةً جميلة... بعينين خضراوين وشعرٍ بني. لكنه انفصل عنها، وتزوجني بعد ذلك... ومنذ ذلك اليوم لم يسأل عنها.
زفر عمر بضيق من تصرفات والده، وبقيت دموعه عالقةً في عينيه:
- ماذا أتوقع منه أساسًا؟
ثم أضاف بصوتٍ مكسور:
- أريد أن يتغير يا أمي... أريد أن يحبنا، وأن يجلس معنا ولو لمرةٍ واحدة. أتصدقين أنني أشعر بنفسي يتيمًا وأنا لدي أب؟ أنا لا...
قاطعته ريم بسرعة، محاولةً تخفيف ألمه، حتى وإن اضطرت للكذب:
- إنه يحبك كثيرًا يا عمر، لكنه لا يعرف كيف يعبر عن مشاعره... هذا هو إبراهيم. ادعُ الله فقط أن يتغير، حسنًا؟
أومأ لها برأسه، فنهضت واقفةً وقالت بحنان:
- امسح دموعك... فالرجال لا يبكون. هيا نعود إلى هناك.
أمسك يدها، وخرجا متجهين نحو غرفة سما مرةً أخرى، حيث لم تفارق سما إبراهيم لحظةً واحدة، تحمد الله أنه خرج سالمًا.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
طرق جرير باب غرفة رلين، ثم دخل بعدما أُذن له، تقدم نحوها بخطواتٍ هادئة، فرفعت عينيها إليه بتوجس، إذ التقطت من ملامحه شيئًا جعل القلق يتسلل إلى قلبها.
جلس بجانبها، ثم بقي للحظاتٍ صامتًا قبل أن يخرج صوته هادئًا، إلا أن الغضب كان واضحًا بين كلماته:
- لقد وجدت المنزل.
رمشت رلين بعينيها عدة مرات، وكأنها تحتاج إلى وقتٍ حتى تستوعب ما سمعته، ثم خرج صوتها من بين صمتها:
- حقًا؟!
أومأ لها مؤكدًا، ثم أردف:
- كان زفافها بالأمس أيضًا.
اتسعت عيناها بصدمة، وارتفعت يدها إلى فمها تكتم شهقتها، أما جرير، فضغط على يده بقوة، محاولًا السيطرة على غضبه:
- لم أشأ أن أذهب إليها، لأنني وعدتكِ أن أخبركِ قبل أن أفعل شيئًا. بالنسبة لي... أريد أن أفتك بها في الحال، لكنني أردت أن أخبركِ أولًا.
أنزلت رلين يدها ببطء، وكأن الخبر أثقل من قدرتها على الاحتمال، ثم خرج صوتها ضعيفًا:
- لقد فعلتها... وحسمت الأمر. إنها تكسر آخر رابطٍ بيني وبينها.
ضحكت بسخريةٍ موجوعة، ثم تابعت:
- وكأنني أعني لها شيئًا أصلًا... ألم تسأل عني؟ ألم تهاتفني ولو لمرةٍ واحدة؟
تدخلت جوليا، التي كانت تتابع الموقف بصمت، فتقدمت نحوها محاولةً تهدئة غضبها:
- ليس معها هاتف يا رلين، وأنتِ تعلمين أن هاتفها معكِ.
وضعت رلين يدها على جبينها بعصبيةٍ شديدة، ثم نهضت من مكانها متجاهلةً حديث جوليا:
- لقد فعلتها وانتهى الأمر... حسنًا، حسنًا، هي من بدأت بذلك.
اشتعل الغضب في عينيها وهي تضيف:
- تريد الحرب؟ إذًا لها ذلك.
أمسكت جوليا يدها محاولةً إيقاف اندفاعها:
- رلين، اهدئي... إنها أختكِ. عن أي حربٍ تتحدثين؟
نزعت رلين يدها بغضب، وكأن الكلمة آلمتها أكثر:
- لا تقولي أختي... إنها ليست أختي. إنها نكرة.
ضغطت جوليا على يدها بانزعاج، لكنها حافظت على هدوئها:
- رلين حبيبتي... أنتِ الآن غاضبة. اهدئي وفكري جيدًا. لقد أقصيناها من عائلتنا، وهذا يكفي.
ارتسمت على شفتي رلين ابتسامةٌ ساخرة، بينما كان قلبها يحترق خلف قسوة كلماتها:
- أنتِ تقولين هذا... لكنكِ لا تشعرين بما في قلبي يا أمي.
وضعت يدها على صدرها وكأنها تحاول تخفيف الألم، ثم همست بصوتٍ ضعيف:
- إنه يحترق لابتعادها عني.
سكتت لحظة، ثم بدأت الدموع تلمع في عينيها:
- ألا تشعر هي بذلك؟ ألا يؤلمها قلبها مثلي... بسبب ابتعادها عني؟
ربتت جوليا على ظهرها بحنان، محاولةً مواساتها:
- بالتأكيد تشعر يا رلين... أنتما مترابطتان. أنتما روحٌ واحدة يا حبيبتي.
لم تستطع رلين الصمود أكثر، فانحنت نحو والدتها وعانقتها بضعف، انفجرت بالبكاء، وكان بكاؤها مؤلمًا لدرجة أنه مزق قلب جرير، بقي واقفًا للحظاتٍ يستمع إلى انكسار ابنته، ثم لم يحتمل أكثر، اتجه نحو الأسفل، ومنها خرج من المنزل، تاركًا خلفه ثقلًا كبيرًا في صدره.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
انفجرت سارة ضاحكة وهي تستمع إلى أمل عبر الهاتف، بعدما بدأت الأخيرة تقلد صوت والدة همام بطريقة جعلتها لا تستطيع السيطرة على ضحكاتها.
كان سليم يجلس بجانب ريليان، وقد عاد من المسجد قبل قليل، ثم قرآ وِردهما معًا، وبدأ بعدها بتحفيظها بعض الآيات التي جاءت بعد ما حفظته له.
كان قد اتفق معها أن تحفظ ورقةً كاملة كل يوم، حتى تسير بخطواتٍ ثابتة في طريق تعلمها.
نظر إليها سليم بضيقٍ مصطنع، ثم خاطب سارة:
- سارة... ما المضحك في الأمر؟ بدلًا من أن تنصحيها بأن هذا لا يجوز.
حاولت سارة كتم ضحكاتها، لكن أمل أسرعت بالتدخل بعدما سمعت صوته، واتخذت نبرةً حزينة مصطنعة:
- لا تريدنا أن نضحك؟ هل بعد أن تزوجت ليان أصبحت لا تحبني؟ أنت لا تحبني يا سليم... وتحب ليان أكثر مني.
نظرت ابتهال نحو ريليان التي بدأت تضحك رغمًا عنها، بينما كانت تضع آخر طبقٍ على المائدة.
التفتت ريليان نحو الهاتف بضيقٍ حقيقي، وقالت:
- كم مرةً قلت لكِ إن اسمي ريليان وليس ليان يا أمل؟
ابتسمت أمل بخبثٍ طفولي، ثم تابعت:
- بل ليان يا ليان... أليس كذلك يا أخي سليم؟
ضحك سليم بخفة، ثم احتضن كف ريليان بين يديه بحنان:
- إنها زوجة سليم يا أمل.
ارتسم الضيق على وجه أمل، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، بينما ذابت ريليان من الداخل بتلك الحركة البسيطة منه، شدت على يده بحب، وكأنها تشكره بصمت على كل الطمأنينة التي يمنحها لها.
تدخلت سارة بنبرة استعلاءٍ مصطنعة وهي تخاطب أمل:
- اتركيهم يا أمل، وأخبريني... لماذا أخذتِ هاتف عمكِ من غير إذنه؟
زفرت أمل بملل، ثم أجابت بعفوية:
- كنت أشعر بالضجر، وهو لم يكن مستيقظًا، لذلك أخذت الهاتف واتصلت بكِ بعدما وضعت بصمة إصبعه لفتح القفل.
ضحكت سارة على تصرفها، لكنها ما لبثت أن سمعت صوت همام ينادي أمل، تغيرت ملامحها قليلًا، ثم أسرعت بإنهاء المكالمة:
- حسنًا أمل، أغلقي الآن، ونتحدث مرةً أخرى... ولا تنسي أن تتناولي فطورك.
أومأت أمل من خلف شاشة الهاتف، ثم أجابتها:
- إلى اللقاء يا سارة.
أغلقت سارة الهاتف، ثم التفتت نحو ابتهال التي كانت قد جهزت مائدة الإفطار وتنتظرهم حتى ينتهوا من حديثهم.
اتجهت نحو الرواق لتغسل يديها، ثم جلس الجميع حول المائدة.
وقبل أن يبدأوا بتناول الطعام، ارتفع صوت جرس المنزل، رفعت ابتهال عينيها باستغراب، وسألت:
- من يا ترى في هذا الصباح؟
أجابها سليم بهدوء:
- يبدو أنهم أصدقائي.
اعتدل في جلسته، وأبعد المقعد عنه ليستطيع السير، ثم توجه نحو الباب، فتح الباب بابتسامةٍ هادئة، لكن تلك الابتسامة اختفت في اللحظة التي رأى فيها الزائر أمامه.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!