الفصل الستون
**
سكتت أمل قليلًا، ثم نظرت إليها بتفكير بريء قبل أن تسأل:
- أي أن عمي همام إذا تزوجكِ كما قال، ستصبحين عندنا في البيت؟
ساد الهدوء المكان للحظات، وكأن كلماتها البسيطة فتحت بابًا لم ينتبه إليه أحد.
قطعت ابتهال الصمت باستغراب:
- ماذا قلتِ ابنتي؟
نظرت إليها أمل بتعجب:
- ماذا قلت؟
سألتها ابتهال بهدوء:
- هل قال همام إنه سيتزوج سارة؟
أومأت أمل بسعادة كبيرة:
- أجل، لقد قال لي بالأمس قبل أن أنام: هل أنا أحبها؟ وهل سأكون سعيدة إن كانت موجودة في البيت هنا؟ فقلت له أجل، فقال إنه سيتزوجها لتكون في البيت معي.
ثم التفتت إلى سارة بعينين ممتلئتين بالفرح، وقالت ببراءة:
- سوف تبقين في البيت هنا، ولن أضطر للذهاب إلى الميتم وأبقى وحدي فيه، سوف نكون سعداء.
ابتسمت سارة بتوتر، فقد لم تكن تتوقع أن يكون تعلق أمل بها بهذا القدر، بينما شعرت ريليان بحرجها، فحاولت تغيير مجرى الحديث بعدما رأت الخجل والتردد على وجهها.
اقتربت من أمل وسألتها بلطف:
- أخبريني أمل، هل تحبينني؟
أومأت أمل بسرعة، وأجابت بطفولة:
- أجل، أحبكِ كثيرًا، لكن لا أحبك قليلًا.
ضحكت ريليان بخفة، واقتربت منها تقرص أرنبة أنفها بحنان:
- ولماذا لا تحبينني قليلًا؟
أشارت أمل إلى أعلى رأس ريليان قائلة:
- لأنكِ تخرجين بشعركِ ولا تخبئينه كما تفعل سارة وأمي ابتهال. لقد أخبرتني أمي أنه عندما أكبر سأرتدي الحجاب، وأنتِ كبيرة يا ليان.
تغيرت ملامح ريليان قليلًا، فقد امتزج خجلها بالحزن وهي تسمع كلمات طفلة صغيرة، لكنها كانت تحمل في داخلها معنى كبيرًا.
ابتسمت لها بيقين وقالت:
- سوف أرتديه أمل، لكنكِ لا تعلمين شيئًا عني بعد، وأنا أعدكِ أنني سأرتديه.
بعد تبادل أطراف الحديث، وقف سليم عند مدخل باب الغرفة، فالتفتت إليه ريليان فور رؤيته، وظهرت ابتسامة صادقة على وجهها.
- لقد اشتقت إليك سليم.
ابتسم لها بحنان، ثم دلف إلى الغرفة وانحنى ليقبل وجنتي أمل قائلًا:
- الحمد لله على سلامتكِ أيتها العصفورة الصغيرة، هيا أخبريني، كيف حال صحتكِ؟ لقد أخبرني العصفور أنكِ لا تحبين تناول الدواء.
تغيرت ملامح أمل فورًا، وظهر الاشمئزاز على وجهها:
- إنه مر وغير لذيذ.
جلس سليم بجانب سارة وهو يبتسم لها:
- لكنه سيساعدكِ على التحسن بإذن الله.
تنهدت أمل بقلة حيلة:
- أعلم، سوف أحاول تناوله مرة أخرى.
نظر سليم إلى ساعته، ثم خاطبها بلطف:
- إنه موعد تناول الدواء، أليس كذلك أمل؟ لقد أخبرني همام بذلك.
رفعت كتفيها بعدم معرفة:
- لا أعلم، لكن يبدو كذلك.
ربت سليم على كتف سارة ثم اعتدل واقفًا:
- إذًا نحن الآن نستأذن من جلالتكِ يا أميرتي، هل تسمحين لنا بالمغادرة؟ فلدي موعد بعد قليل.
ضحكت أمل بسعادة، وأجابته:
- حسنًا، إنني أسمح لك أيها النبيل والوسيم، لكن ستعدني أن تزورني قريبًا.
انحنى سليم يقبل رأسها ضاحكًا:
- حسنًا، أعدكِ. وشكرًا للطفكِ مولاتي، ونتمنى لكِ الشفاء التام.
ظلت تتابعهم بعينيها واحدًا تلو الآخر، حتى وقع نظرها على همام الذي دخل ليعطيها الدواء.
««:::::::::::::-::::::::::::::»»
دلف سليم إلى المنزل بعد يومٍ طويلٍ ومتعب، فقد كان يومه مليئًا بالضغط بسبب اختبارات الماجستير التي يقدمها الطلاب، بالإضافة إلى موعد زيارته لصديقه في الجامعة بعد عودته من العمرة.
استقبلته ابتهال بابتسامةٍ حنونة، وقد ظهر الارتياح على وجهها فور رؤيته.
- حمدًا لله على سلامتك بني.
وضع سليم حقيبته أرضًا، ثم اقترب منها وقبّل يديها وجبينها بحب.
- سلمكِ الله من كل شر أمي.
ربتت على يده بحنان وهي تخاطبه:
- اذهب وارتاح بني، سأقوم بتدفئة الطعام لك حتى تتناوله.
نفى سليم برأسه بهدوء:
- لست جائعًا أمي، شكرًا لكِ.
أخرج من جيب سترته الزيتية هاتفًا، ثم مدّه إليها قائلًا:
- أمي، خذي الهاتف وأخبري ريليان إن كانت تحفظ رقم أحد من عائلتها لتأخذ الموافقة. نحتاج إلى وكيل لها، وهذا الرقم الموجود ليس رقمي حتى لا يستطيعوا تتبعه، وسألقي به بعدما تنتهي من حديثها.
أومأت له ابتهال، ثم نادت عليها بصوتٍ مرتفع، فهي كانت موجودة في المطبخ تعمل مع سارة على تنظيفه.
بعد لحظات، تقدمت ريليان بابتسامة خجولة، وهي تمسح يديها بقطعة القماش الخاصة بالتنظيف، لتتوقف عندما وقع بصرها على سليم الواقف بشموخ.
ابتسمت ابتهال لها بحنان، وأشارت إلى الأريكة بجانبها.
اقتربت ريليان وجلست، فربتت ابتهال على يدها المبللة بالماء وأعطتها الهاتف.
- هل تحفظين رقم أحد أفراد عائلتكِ؟
أومأت ريليان بتوجس، فأكملت ابتهال بهدوء:
- تفضلي ابنتي، يمكنكِ الاتصال به وإخباره بأنك ستتزوجين وتحتاجين إلى وكيل، كما أخبرناكِ في الصباح.
تجمدت أصابع ريليان للحظة وهي تمسك الهاتف، وكأنها تدرك ثقل الخطوة التي ستقدم عليها.
نظرت إليها ابتهال بتشجيع، بينما كان سليم يقف بعيدًا يراقب بصمت.
لم يكن قلقه من مجرد رفضهم، فقد كان يتوقع ذلك، لكنه كان يخشى الألم الذي سيتركه الرفض في قلبها. كان يعلم أن خلف قوتها الظاهرة فتاة تبحث عن كلمة قبول واحدة من عائلتها، كلمة تشعرها أنها لم تُنسَ تمامًا.
ضغطت ريليان على عدة أرقام بأنامل مرتعشة، ثم وضعت الهاتف على أذنها، تستمع إلى رنين الطرف الآخر.
همست إلى ابتهال:
- إنني أهاتف أمي.
نعم، لقد اختارت والدتها، فهي الأقرب إلى قلبها رغم كل شيء.
لم تكن تملك الجرأة لتتصل بوالدها، فهي تعلم أن مجرد سماع صوته قد يحمل معه عاصفة جديدة من الألم.
ابتسمت ريليان باشتياق، ثم خرج صوتها مكسورًا وهي تقول:
- كيف حالكِ أمي؟
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ظلت جوليا صامتة، وكأنها تحاول استيعاب صوت ابنتها الذي عاد إليها بعد غياب.
ابتلعت ريليان خوفها، ثم أكملت بصوتٍ مرتجف والدموع بدأت تتجمع في عينيها:
- أمي... أريدكِ أن تحضري كوكيلة لعقد قراني.
طالت لحظات الصمت، حتى إن ريليان شعرت بأن قلبها توقف عن النبض انتظارًا لإجابتها.
كانت جوليا تحاول فهم ما سمعته، فنظرت إلى الهاتف بعدما أبعدته عن أذنها للحظات، ثم أعادته وهي غير مصدقة.
- ريليان؟
اتسعت ابتسامة ريليان فور سماع صوت والدتها.
- أجل أمي، إنني ريليان... كيف حالكِ؟ لقد اشتقت إليكِ.
أغمضت جوليا عينيها بقوة، تحاول السيطرة على ألمها، ثم أجابت بصوتٍ ثقيل:
- كيف تريدين أن يكون حال أم ماتت ابنتها؟
كانت كلماتها أقسى من أن تتحملها ريليان، شعرت وكأن شيئًا حادًا اخترق قلبها، وانهمرت دموعها دون قدرة على إيقافها.
وقفت من مكانها تخاطبها ببكاء:
- أمي... لا تقولي هكذا أرجوكِ، إنني ابنتكِ جولي.
جاءها صوت جوليا قاسيًا رغم الألم المختبئ خلفه:
- لا، فابنتي لا تفعل هذا. ابنتي لا تعصي عائلتها وتتمرد على دينها وتغيره، ثم تطلب مني أن أكون وكيلةً لزواجها. هذا يعني أنكِ ستتزوجين بذلك المحمدي، أليس كذلك؟
أومأت ريليان وكأن والدتها تراها، وأجابتها بثبات رغم انهيار قلبها:
- أجل أمي... سوف أتزوجه.
ضغطت جوليا على يديها بغضبٍ شديد، محاولةً أن تتمسك بالقسوة التي أظهرتها رغم أن صوت ابنتها كان يمزق قلبها.
- لا أستطيع... فأنا ابنتي ماتت، ولا تتصلي بهذا الرقم، وانسي أن لديكِ أمًا وعائلة، إلا إذا بدلتِ رأيكِ وعدتِ إلى صوابك.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!