الفصل الثالث والثمانون
**
ابتعدت ريليان عن سليم قليلًا، وما زالت بين ذراعيه، ثم سألته بتوجس:
- سليم... هل تسمح لي بحضور زفاف أخي؟
زفر بقوة، ثم أوضح لها:
- انظري يا ريليان، دخول الكنائس إذا خلت من المنكرات والمعاصي جائز، ولا حرج فيه، ولا مانع من الصلاة فيها إن كانت نظيفة. لكن إذا وُجدت فيها منكرات أو معاصٍ، فلا يجوز دخولها. وليس هذا خاصًا بالكنائس، بل بكل مكانٍ تُقام فيه البدع والمنكرات.
تنهدت بحزنٍ كبير، ثم تمتمت وهي تخفض رأسها:
- إذًا... لا يمكنني الذهاب لحضوره.
أومأ لها بابتسامة، ثم رفع رأسها بإصبعيه، موضحًا:
- لا يجوز لكِ حضور الزفاف هناك؛ لأنه من المعلوم غالبًا أنه لا يخلو من منكرات، كالتبرج، والاختلاط، والمعازف، والغناء، وغير ذلك. كما أن لديهم طقوسًا وأقوالًا محرمة، وهذا يزيد الأمر حرمة، كقراءة شيءٍ من باطلهم وتحريفهم، قال تعالى: **﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].
ثم استطرد بهدوء:
- أما لو فُرض خلو الزفاف من المنكرات، وهذا مستبعدٌ جدًا، فيجوز حينها حضوره، بل قد يُستحب إذا كان فيه دعوةٌ إلى الإسلام وتأليفٌ للقلوب.
وضعت رأسها على كتفه متنهدةً بحزن، ثم همست:
- لكنني أريد الذهاب فقط من أجل التحدث مع رلين، فأنا لا أستطيع دعوتهم إلى الإسلام... هذا صعبٌ معهم.
اعتدل في جلسته، ثم طمأنها:
- يمكنكِ الذهاب إلى المنزل، كما فهمت من حديثك مع شقيقتك، ولن أمانع ذلك. لكن بالطبع سأوصلك ذهابًا وإيابًا بنفسي.
ابتسمت له بامتنان، ثم مالت نحوه وقبّلت وجنته برقة.
عقّب بضيقٍ مصطنع، متذكرًا ما حدث:
- لا تظني أنكِ ستصلحين كل شيءٍ بهذه القبلة يا ريليان، فما زلت غاضبًا منكِ.
ابتعدت عنه، ثم أسرعت موضحة بتوتر:
- أقسم إنني نسيت... لم أكن أقصد ذلك.
ظل عابس الوجه، فتقدمت نحوه وقبّلت وجنته مرةً أخرى وهي تترقب ردة فعله.
اتسعت ابتسامته رغمًا عنه، لكنه أخفاها سريعًا، ثم أردف بعدما وضعها على السرير بوجهٍ متماسك:
- نامي يا ريليان... وسنتحدث في الصباح.
قطبت بين حاجبيها بحزن، فهي لا تريده أن ينام وما زال يحمل شيئًا من الضيق تجاهها.
تنهدت بندم، ثم استرضته:
- اعتذر يا سليم، أقسم إنني نسيت.
جلس بجانبها مكتفًا ذراعيه، لتقاطعه بعدما تذكرت:
- انتظر... من المفترض أنك أنت من يصالحني، أليس كذلك؟
كتم ابتسامته بصعوبة، ثم استفهم بعبوسٍ متصنع:
- ولماذا؟
ضربته بخفة على كتفه بعدما لمحت ابتسامته، ثم تمتمت بضيق:
- أنت مزعج يا سليم... لقد اعتذرتُ لك.
بادلها بالأسلوب نفسه:
- وأنا اعتذرت أيضًا.
اقتربت منه وهي تسير على أطرافها الأربعة، تحدق في عينيه بابتسامةٍ مشاكسة، مما جعله يتراجع بجسده إلى الخلف.
خاطبته باسمة:
- مزعج.
زم شفتيه بضيق، ثم اقترب منها فجأة، وألقاها برفقٍ إلى الخلف.
نظرت إليه بتوجس، وهي مستلقية على ظهرها، ليخاطبها بنبرةٍ يغلبها التحدي:
- من المزعج؟
أجابته بعناد، وهي تخترق عينيه بنظرةٍ متحدية:
- أنت المزعج.
رفع أحد حاجبيه بتحدٍّ، ثم أمرها بوجهٍ متصنع، وهو يشير بإصبعه إلى وجنته:
- قبّليني.
نفت برأسها رافضة، ولا تعلم لماذا راق لها أن تعانده، نظر إليها متعجبًا، ثم بدأ يدغدغها، لتتعالى ضحكاتها للمرة الأولى بهذا القدر أمامه.
كانت ضحكتها رقيقةً، كأنها خُلقت من نسيم الربيع، أو من اصطفاف النجوم في ليلةٍ هادئة، حتى أقسم في داخله أن يجعلها طفلته المدللة، وأن يغمرها بدلاله حتى لا ترى في الدنيا أحدًا سواه.
««::::::::::::-::::::::::::»»
في صباح اليوم التالي، وبعدما عادت ريم من الخارج، إذ كانت قد ذهبت لإيصال عمر، بينما بقي عليّ في المنزل، إذ لم يشأ الذهاب إلى مدرسته بسبب ما حدث بالأمس، وما زالت آثار أصابع إبراهيم مطبوعةً على وجنتيه وكفيه.
دلفت ريم إلى غرفته تحمل كأسًا من الحليب وبعض المخبوزات، ثم تقدمت منه بابتسامة، ورفعت الغطاء عن رأسه، وقد كان مستيقظًا منذ خروجها في الصباح.
خاطبته بحنان:
- من البطل الذي سيأكل هذا كله؟
لم يُجبها، بل اكتفى بالنظر إليها بحزنٍ واضح، ثم التفت بجسده الصغير إلى الجهة الأخرى.
جلست بجواره تمسد شعره برفق، ثم أردفت بحنانٍ بالغ:
- هيا يا عليّ، لا أريد أن أراك هكذا، سأحزن إن لم تنهض.
اعتدل في جلسته، ثم قبّل وجنتيها، وهمس بصوتٍ هادئٍ حزين، وكأن روح الطفل التي كانت تسكنه قد انطفأت:
- لا تحزني يا أمي... آسف.
ضمته إلى صدرها بحبٍ كبير، ثم همست:
- لن أحزن يا بطلي، والآن هيا تناول فطورك.
أخفض رأسه إلى الأسفل، ثم تساءل بخوف:
- أمي... إن ذهبت إلى إبراهيم وقلت له صباح الخير، هل سيصرخ في وجهي ويضربني كما فعل بالأمس؟
أجابته وهي تحاول أن تبث الطمأنينة في قلبه قبل قلبها:
- لا يا صغيري، لن يفعل. انهض، وقل له صباح الخير، لكنه ما زال نائمًا، فتناول فطورك أولًا.
نهض من فراشه متوجهًا إلى المرحاض، وأنهى روتينه الصباحي، ثم خرج ليتناول فطوره الذي يحبه كثيرًا.
وبعد مدة، استيقظ إبراهيم.
توجهت ريم إلى عليّ، ثم ابتسمت له قائلة:
- لقد استيقظ إبراهيم، هل تريد أن تقول له صباح الخير، أم تراجعت؟
تصلب في جلسته، وبدأ الخوف يتسلل إلى أوصاله، ثم أجابها بتلعثم:
- إنني خائف يا أمي... أخشى أن يضربني مرةً أخرى.
هزت رأسها نافية، وهي تشجع نفسها قبله:
- لا، لن يفعل. تعال، وسأكون معك، هل تريد ذلك؟
أومأ برأسه مراتٍ متتالية، وأجابها بسرعة:
- أجل... أجل.
مدت يدها إليه، فتشبث بها بقوة، يستمد منها الأمان والشجاعة.
توجها نحو غرفة سما، وكان إبراهيم يضحك بصوتٍ مرتفع معها.
طرقا الباب برفق، رغم أنه كان مفتوحًا.
استدار إبراهيم نحوهما، وما إن وقعت عيناه على ريم وعليّ حتى انقلبت ملامحه إلى الغضب.
اشتدت قبضة عليّ على يد ريم، بينما ابتسمت سما لهما قائلة:
- تفضلا، ما بكما تقفان هكذا؟
دفعت ريم عليّ برفق، فتقدم حتى وقف أمام إبراهيم، واضعًا يديه خلف ظهره، يحرك قدمه بتوتر، بينما ظل رأسه مطأطأً.
تحدث بصوتٍ خافت:
- صباح الخير يا إبراهيم... أنا أعتذر.
أجابه إبراهيم بجمود:
- حسنًا، لم يحدث شيء، لكن لا تكررها مرةً أخرى، مفهوم؟
اتسعت ابتسامة عليّ شيئًا فشيئًا، ثم عاد مسرعًا إلى ريم بسعادةٍ غامرة.
حدجته سما بنظرة عتاب، وما إن أغلقت ريم الباب خلفها حتى خاطبته:
- لكنك مخطئ يا إبراهيم... تصرفك لم يكن صحيحًا.
أجابها ببرود:
- لا، ليس خاطئًا.
زمت شفتيها بضيق من عناده، ثم أردفت:
- لكنك ضربته بقسوة يا إبراهيم.
زفر بقوة، ثم عقب:
- إنها ضربتان فقط، يا سما، لا تكبري الموضوع.
زفرت هي الأخرى بضيق، ثم صححت له بهدوء:
- ليست ضربتين، لقد ضربته أربع مرات على وجهه، غير الضربات التي تلقاها على كفيه.
اعتدل في جلسته، ثم عقب بجمود:
- يستحق ذلك حتى يتعلم، ولا يكررها مرةً أخرى.
رمقته باستهجانٍ واضح، ثم سألته:
- يتعلم ماذا يا إبراهيم؟ هل تعلم أنه فعلها على نفسه من شدة خوفه بسبب تصرفك؟
أجابها قبل أن يغادر الغرفة:
- وإن يكن، فتربية الرجال ليست بالأمر الهين.
ضربت كفًا بكف، غير مصدقة طريقة تفكيره، بعدما فتح باب الغرفة وغادر متجهًا إلى مائدة الإفطار التي أعدتها ريم.
أما هي، فاعتدلت في جلستها، وقد حسمت أمرها، وعزمت على طلب الطلاق منه، رغم الألم الذي كان يعتصر قلبها كلما راودها هذا القرار..
««::::::::::::-::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!