الفصل السادس والثمانون
**
أومأت ببعض الراحة عندما اختفى صوت الطرقات، ثم خاطبته بخفوت:
- يبدو أنها رحلت يا همام، فلم تعد تطرق الباب.
زفر براحة هو الآخر، ثم عاد ممسكًا بالمقعد حتى يستطيع الجلوس عليه.
بعدها خاطبها باشتياقٍ واضح وهو يتنهد:
- أخبريني، كيف حالكِ؟
نظرت سارة إلى ابتهال، لتجدها تبتسم لها، خفضت رأسها بخجل، ثم أجابته:
- بخير، الحمد لله... وأنتَ كيف حالك؟
أمسك بكوب القهوة، وأجابها بحب:
- مشتاق لكِ يا سارة، متى ستنتهي هذه السنة التي يبدو أنها لن تنتهي؟
اشتعلت وجنتاها بالحمرة، وهي تستمع إلى ضيقه، وقبل أن تسأله، تابع بعجلة:
- سأعود لمهاتفتكِ يا سارة، أمي تتصل بي، ويبدو أنها ما زالت عند الباب.
عاد الخوف يتملكها مجددًا، فأجابته بخفوت وهي تنظر إلى أمل كي لا تصدر صوتًا:
- أجب عليها بسرعة، وأخبرني إن كانت عند الباب أم لا.
أغلق همام مع سارة، ثم عاود الاتصال بوالدته، وما إن أجابته حتى جاءه صوتها الغاضب:
- لماذا لا تفتح الباب يا همام؟ إنني أنتظر بالخارج.
ابتسم بتوتر، ثم أوضح لها بصدق:
- لستُ في المنزل يا أمي، أنا في العمل.
رفعت حاجبها باستنكار وهي تنظر إلى المنزل، فقد استمعت إلى أصواتٍ تصدر من الداخل.
خاطبته بتعجب:
- ومن في المنزل؟ لقد استمعت إلى أصوات ضحكٍ تصدر من الداخل يا همام.
أغمض عينيه محاولًا اختلاق حجة تجعلها تصدقه، ثم ضرب مقدمة رأسه بضيق:
- يبدو أنني نسيت التلفاز مفتوحًا ولم أغلقه عندما خرجت.
لوت فمها بعدم تصديق، ثم واجهته بقوة:
- همام، أخبرني أين أنتَ ولا تكذب عليَّ.
أجابها همام بصدقٍ كبير:
- أقسم أنني في العمل يا أمي.
أومأت برأسها بهدوء، ثم خاطبته بعدما نفد صبرها:
- أعلم أن أمل بالداخل، لذلك أطلب منها أن تفتح الباب.
ابتلع همام ريقه بخوفٍ كبير، ثم أجابها:
- أمي، اهدئي أرجوكِ... عشر دقائق وسأكون عندك، لكن أتوسل إليكِ أن تبتعدي وألا تطرقي الباب.
زفرت بغضبٍ كبير وهي تنظر إلى الباب:
- إذًا هي بالداخل حقًا، كنت أعلم أنكَ لم تُعدها إلى دار الرعاية.
ثم تابعت بقسوة:
- هل تعلم شيئًا أيضًا؟ إن لم تُعدها، فانسَ أن يتم زواجك من سارة يا همام.
برزت عروق همام بقوة، وأجابها وهو يضغط على أسنانه بغضب:
- لقد تخليتم عن أمل وهي طفلةٌ رضيعة، ولم تهتموا لأمرها، بل أودعتموها في دارٍ للرعاية، والآن تطالبينني بالتخلي عنها؟ أعتذر يا أمي، لن أفعل ذلك. زواجي بسارة سيتم أيضًا، ولن أتخلى عن أيٍّ منهما. هل سمعتِني؟ أوصلي كلامي هذا لوالدي أيضًا.
أغمضت نورا عينيها محاولةً استعادة رباطة جأشها، ثم أجابته:
- كما تريد يا همام، لكن صدقني لن يتم ذلك إن لم تُعدها، وسترى.
كانت سارة وابتهال تستمعان إلى حديث نورا بتوتر، بينما كانت أمل تتشبث بقدم ابتهال بخوفٍ كبير، انحنت ابتهال تحتضنها بحنان، ثم همست لها:
- لن يسمح همام بذلك، فهو يحبكِ عزيزتي، لا تخافي.
أومأت لها بعقلٍ شارد، وهي تفكر: هل من الممكن أن يتركها همام ويتخلى عنها، ويودعها في دار الرعاية حقًا؟ بعد ذلك اختفى صوت نورا، ويبدو أنها غادرت، ليتنفس الجميع براحةٍ كبيرة، حيث تأكدتا من ذلك من خلال العين السحرية.
وبالطبع، جاء همام بعد أن هاتف سليم وأخبره بالأمر باختصار، ليترك سليم مائدة الإفطار.
فقد كان يتناول الطعام مع ريليان، وهما يتجاذبان أطراف الحديث في جوٍ هادئ، إذ كان ذلك اليوم إجازتهما الرسمية من المدرسة والجامعة.
تجهزا على عجل، وذهبا إليهم بعد مدةٍ من المشاورات والمناورات.
ألقت ابتهال بعض الحلول، حتى توصلوا إلى حلٍ مؤقت نوعًا ما، لكنهم لم يجزموا به بالفعل.
أما باقي الأيام، فكانت روتينية جدًا كأي يومٍ لا يحدث فيه جديد، سوى حب سليم الذي يزداد في قلب ريليان، وكذلك العكس بالنسبة لسليم.
««:::::::::::::-:::::::::::::»»
في مساء اليوم الرابع، فقد توالت الأيام بسرعة، وها قد تجهزت ريليان لتذهب إلى بيت عائلتها، كانت تجلس في ردهة المنزل بتوترٍ كبير، تنتظر سليم حتى يهبط إليها، فقد جاء قبل قليل من صلاة العشاء، ويبدو أنه اغتسل، إذ كان شعره مبللًا ومائلًا للون الأسود وليس البني، ولعل يومه كان مرهقًا بحق.
هبط إلى الأسفل، وقد سبقته رائحة عطره التي تشبه رائحة العود، والتي تعشقها، كان يرتدي سروالًا من خامة الجينز، وقميصًا باللون الكحلي، وقد صفف شعره بطريقة هادئة.
ابتسم لها بتشجيع، لتعتدل واقفة، ثم توجهت نحو الباب وخلفها سليم، ودعوات ابتهال ترافقهما، فتح سليم لها باب السيارة بعدما وصلا إليها، لتحتل المقعد الأمامي، ثم توجه هو الآخر ليحتل مقعد القيادة.
طوال الطريق، كانت تفرك يديها بتوترٍ كبير، لينظر إليها سليم بابتسامته المعهودة، أخذ كفيها بين يده، بينما كانت يده الأخرى تكمل القيادة، ثم خاطبها بلطفٍ لعله يهدئ توترها:
- من قام بإعداد طعام الغداء اليوم؟
أجابته بتعجب:
- ألم يعجبك؟
نفى برأسه، ونظر إليها برقة:
- لم أقصد ذلك يا ريليان، إنه رائع. أنا أتساءل فقط، لأنه يبدو أن أحدًا ساعد أمي في ذلك.
أنهى حديثه بغمزةٍ أشعلت وجنتيها، لتجيبه وهي تسحب كفيها وتعدل حجابها البني بتوتر:
- هل أعجبكَ حقًا يا سليم؟
أومأ برأسه، ثم شاغبها بمزاح:
- أجل، لقد أعجبني جدًا. يبدو أن همام سيأكل كل يومٍ طعامًا لذيذًا، فيبدو أن سارة ماهرة في إعداد الطعام.
قطبت بين حاجبيها بتعجب:
- لم أفهمك يا سليم.
كتم ابتسامته، ثم أوضح لها:
- أقصد أن سارة هي من أعدت الطعام مع أمي، أليس كذلك؟
نظرت إليه بصدمة، ثم أجابته بحزن:
- ألم تميّزه يا سليم؟ سامحك الله.
تساءل وهو يواصل مزاحه:
- ما بكِ؟ ألم تكوني مشغولةً بدراستكِ اليوم؟ لقد هاتفتكِ وكنتِ متعبة، حتى إنكِ أخبرتِني أنكِ سترتاحين بعد أن أنهيتِ دراستكِ، أليس كذلك؟
ثم تابع بتعجبٍ مصطنع:
- لا تقولي لي إنه أنتِ من ساعدتها.
كتفت يديها بضيق، ونظرت للطريق من خلال النافذة دون أن تجيبه.
بدت ابتسامته تظهر شيئًا فشيئًا، ثم خاطبها دون أن ينظر إليها:
- طفلة.
نظرت إليه ملتفةً برأسها، وأجابته بضيق:
- لستُ طفلة يا سليم. أنتَ منذ ثلاثة أيام تقول لي طفلة، ثم إنني أنا من أعددت اللحم المقلي، وليست سارة، فهي كانت تحادث همام أثناء ذلك.
انفجر ضاحكًا، مما جعلها تنظر إليه بتساؤلٍ غاضب:
- لماذا تضحك؟! هل ألقيتُ عليك إحدى النكات، أم أن هناك أحدًا يدغدغك؟
رفع حاجبيه بتعجبٍ من سلاطة لسانها، لكنه رغم ذلك لم يشعر بالغضب، بل أراد أن يعاود الضحك على هيئتها الغاضبة.
حمحم بصوته حتى يسيطر على ضحكته، ثم خاطبها ببعض الحزم المصطنع:
- كيف تخاطبينني هكذا يا ريليان؟ هل يجب على الزوجة أن ترفع صوتها على زوجها؟
كتفت يديها بضيق، ونظرت للأمام وهي تجيبه:
- أنتَ من استفززتني يا سليم، ولستُ أنا.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!