الفصل الثالث عشر
نظرت إليه بصدمة. هل أجابها الآن؟ ثم هل يسألها حقًا؟ لتجيبه بسعادةٍ كبيرة:
- إنني بخير جدًا، شكرًا لك.
تخطاها متجهًا نحو المطبخ، مجيبًا:
- الشكر لله.
دلف إلى المطبخ، فقبّل رأس والدته، ثم يد هاشم الذي كان يجلس على المقعد. ابتسم له الآخر عندما شاهده أمامه، مخاطبًا ابتهال ضاحكًا:
- يأتي الصالح عند ذكره، لقد كنا نتحدث عنك قبل قليل.
جلس سليم على المقعد المقابل لهاشم، وتناول كوب الماء الموجود على الطاولة، ثم أمسك إبريق الماء وسكب منه:
- حقًا؟ وماذا كنتما تتحدثان؟ اعترفا.
أجابه هاشم بابتسامة:
- كنت أخبرها أنك أصبحت رجلًا، وعليك الزواج.
تزاحمت قطرات الماء في جوفه، فأصيب بسعالٍ شديد، وبدأ يشعر بالاختناق حقًا. سارعت ابتهال إليه بخوف، تحرك يدها أمام وجهه لتجلب له الهواء، بينما كانت يدها الأخرى تربت على ظهره بخفة. وقف هاشم ناظرًا إليه بقلق، وقد دلفت سمر التي كانت ترتكز على حافة الباب، ليرفع سليم يده بضعف طالبًا منهم التوقف.
حاول لملمة نفسه، ثم رفع رأسه الذي اصطبغ باللون الأحمر، وأغمض عينيه آخذًا نفسًا عميقًا، قبل أن يبتسم لهاشم بخفة:
- سامحك الله.
زفر هاشم براحةٍ تامة، ثم جلس على المقعد ضاحكًا:
- لقد أوقعت قلوبنا يا رجل، ظننتك لِنتَ في هذا الموضوع.
نظر إليه سليم باستفسار، ثم ابتسم لابتهال قبل أن يقول:
- عن أي لينٍ تتحدث؟ أتقصد أنني متشدد؟ أعتذر لك، لكنك مخطئ يا خالي. لقد فاتحت أمي منذ أربعة أشهر تقريبًا بأن تبحث لي عن زوجةٍ صالحة، وما زلت أنتظر حتى الآن. أما سبب معارضتي في السابق، فهو أنني لم أكن قد كوّنت نفسي جيدًا، لكن الحمد لله، لقد انتهيت من بناء منزلي الخاص، كما تعلم.
ابتسم هاشم بسعادة، ثم خاطبه بلوم:
- ولماذا تبحث عن عروس وابنتي موجودة؟
في ذلك الوقت، استأذنت ريليان سارة لتغادر، بعدما بدلت ثيابها بأخرى من ملابس سارة بدلًا من فستان السهرة. خرجت من الغرفة، لكنها توقفت في منتصف الطريق عندما استمعت إلى آخر جملة قالها هاشم، وكأنها أصيبت بصدمة.
نظرت إليها سارة باستعجال:
- ما بكِ؟ لماذا توقفتِ؟
التفتت إليها بعدما استعادت تماسكها:
- بالمناسبة... من هذا الرجل؟
أجابتها سارة بابتسامة هادئة:
- إنه خالي هاشم، والفتاة هي سمر، ابنته. إنها تكبرنا بأربع سنوات، وتدرس الهندسة.
ابتسمت ريليان بحزن. إذًا سوف يتزوجها... لقد كان يقصد سمر.
نظرت إلى سارة باستفسار، ولم تستطع منع نفسها من السؤال:
- هل سوف يتزوج سليم منها؟
عقدت سارة حاجبيها باستغرابٍ شديد:
- ما الذي تقولينه؟ سمر تعتبر أخت سليم... أقصد، سليم يعتبرها أخته.
وفعلًا، جاء رد سليم مؤكدًا كلام سارة عندما أجاب هاشم:
- أعتذر منك يا خالي، أنا لا أعيبك ولا أعيبها، على العكس، إنها فتاة محترمة، ويشرفني أن أناسبك، لكنني أعتبر سمر مثل سارة تمامًا، وما زالت صغيرة أيضًا، ولا تنسَ أنها ما زالت تدرس، وسيكون من الصعب عليها كل ذلك.
خاطبه هاشم بتعقل:
- يمكنك تأجيل أمر الزواج حتى تنتهي سمر من الدراسة.
تنهد سليم، ونظر إلى والدته علّها تتدخل في الحديث، لكنها لم تستجب له، فقال:
- عندما تنتهي، سوف أنظر في الأمر، وإن لم تحضر أمي فتاةً صالحة، أعدك بذلك يا خالي.
اتسعت ابتسامة سمر بعدما كانت تشعر بالحزن من حديثه الأول، ونظرت إلى ابتهال بخجل، ثم ابتعدت قليلًا نحو الخارج، لتجد ريليان تقف مع سارة، فانقلبت ملامحها إلى العداء.
- لقد سمعت حديثكما في الداخل يا سارة.
ابتلعت سارة ريقها بخوفٍ كبير:
- عن أي حديث تقصدين؟
نظرت ريليان إليها بتفحص. أجل، إنها مسلمة، ومن دينه، وترتدي الحجاب الذي يفضله... بالتأكيد سيقبل بها. صحيح أنه خيب آمال ابنة خاله في آخر حديثه، لكنه وعد هاشم بالنظر في الأمر لاحقًا.
ابتسمت لها بحزن، ثم مدت يدها نحو سمر:
- أهلًا بكِ.
نظرت سمر إلى يدها الممدودة، ثم وضعت يدها داخل يد ريليان بغيرةٍ واضحة وتحدٍّ لم تعرف سببه.
قالت ريليان:
- اسمي ريليان، وأنا صديقة سارة.
سحبت سمر يدها، ناظرةً إليها باستعلاء:
- أهلًا، لقد قالت عمتي ذلك.
سحبت سارة ريليان من يدها، فهي لا تريدها أن تختلط بسمر، ثم توجهت بها نحو الباب وهمست:
- اعتني بنفسكِ يا ريليان، وإن احتجتِ إلى شيء فستجدينني معكِ.
أجابتها ريليان بابتسامةٍ أجبرت نفسها على رسمها، رغم ما تشعر به بعد حديث سليم:
- حسنًا... إلى اللقاء.
التفتت سارة إلى سمر، التي كانت تبتسم بسعادة بعدما أغلقت باب المنزل خلف ريليان، وقالت بريبة:
- لماذا أنتِ سعيدة هكذا؟
نظرت إليها سمر، ثم قالت وهي تتذكر حديث والدها:
- سوف أصبح زوجة أخيكِ، وسوف يقوم سليم بخطبتي.
نظرت إليها سارة، تريد أن تتأكد مما سمعته، ثم تحدثت بعدم تصديق:
- هل هذا صحيح؟
أومأت لها سمر بتأكيد، ثم سألتها بفضول:
- أجل، صحيح. أخبريني، كيف بقيت صديقتكِ هنا بمفردها؟ أليست لها عائلة تسأل عنها؟ ألا تعلم عمتي بذلك؟
نظرت إليها سارة، وهي على وشك صفعها، ثم تحدثت بضيق:
- سمر، أنتِ...
قاطع حديثها خروج سليم من المطبخ، ليتوجه إلى غرفته مرةً أخرى.
««:::::::::::-::::::::::»»
كانت ريم تجلس في شرفة المنزل، وبيدها كوب القهوة الخاص بها، والتي تعشقها جدًا. كانت تفكر في حديث إبراهيم في المرة الماضية، وما زالت مبرراته الواهية تتكرر في رأسها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته على مهل، وهي تستمع إلى صوت القرآن الذي فتحته منذ ساعة.
التفتت إلى جانبها عندما شعرت بوجود سما، فابتسمت لها بهدوء:
- تعالي، اجلسي.
جلست سما بجانبها، ناظرةً إلى الأمام، ثم تحدثت بتنهيدة وهي تحتضن كوب القهوة الذي سكبته لنفسها:
- إن كنتِ تظنين أنكِ ظُلِمتِ يا ريم، فأنا أيضًا ظُلِمت معه. لا تنسي أنه أوهمني بأنه رجل أعزب وغير متزوج. لقد رأيتِ صدمتي عندما أتيت إلى هنا، ورأيت أمامي امرأةً وطفلين، ليتبين بعد ذلك أنهم زوجته وأطفاله.
ابتسمت ريم بألم، متذكرةً ذلك اليوم المشؤوم، ثم نظرت إلى الأمام، وتحديدًا إلى ذلك العجوز الذي كان يوبخ ابنه لسببٍ لا تعلمه، فتذكرت والدها الراحل الذي اشتاقت إليه.
لو أنه كان على قيد الحياة، لما ترددت لحظةً واحدة في إخباره بكل شيء.
تحدثت بكسل:
- لم يعد الأمر يفرق معي حقًا. لقد تلاشى الشغف الذي كان موجودًا سابقًا، ولم يبقَ مني ذلك الشخص الذي كنت عليه، ولن أحاول إثبات حبي له.
نظرت سما إليها بمنطقية:
- لكن معكِ أطفالكِ يا ريم، أما أنا فلم أرزق بهم حتى الآن، ويبدو أنني لن أرزق بهم أيضًا.
نظرت إليها ريم بابتسامةٍ هادئة:
- ادعي الله بذلك، وسيعطيكِ يا سما.
تنهدت سما بأمل. كانت تخشى خسارة إبراهيم بسبب هذا الأمر، فلا بد أنه سيمل منها يومًا، كما ملّ من ريم.
أمسكت بعمر من ذراعه عندما مر بجانبها، ثم قالت بابتسامة:
- صباح الخير.
نظر إليها، ثم قبل وجنتها بخفة:
- صباح النور، سما.
ابتسمت سما، ثم قبلت شعره الأشقر:
- أفدي صباحي بك يا رجل.
ابتسم لها، ثم انتقل إلى ريم، ينهال عليها بالقبل المتلاحقة، فضحكت ريم من أعماق قلبها بسعادة عندما استمعت إليه يقول:
- إن لم تقبليني، فسأحب سما أكثر منكِ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!