الفصل المئة وستة وأربعون
دلف سليم إلى منزله بإرهاقٍ شديد؛ ليجد ابتهال تجلس في الصالة، وقد التفّت حولها ابنتاه، تروي لهما بعض القصص القرآنية، تقدم نحو والدته، وانحنى يقبّل رأسها بحب، لتقفز بسمة ودينا فور رؤيته، تركضان إليه بشوقٍ اعتاد عليه كل يوم.
ابتسم لهما بحنان، ثم انحنى يقبّل وجنة كل واحدةٍ منهما، جلس في منتصف الأريكة، فما كان من بسمة إلا أن تسلقت إلى حضنه بسعادةٍ غامرة، فقد عاد والدها أخيرًا من عمله.
ولم تشأ دينا أن تترك لها المكان وحدها، فجلست بجانبه وهي تريه ربطة شعرها الحريرية ذات اللون البني الفاتح المائل إلى الأشقر، وقالت بفخر:
- أبي، انظر... لقد استطعت ربطه بنفسي.
رفع حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة، ثم ابتسم قائلًا:
- حقًا؟! ومن علّمكِ ذلك؟
أجابته بسمة سريعًا، وهي تعيد خصلاتها البنية اللامعة خلف أذنها بأصابعها الصغيرة:
- أمي هي التي علمتنا.
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه، ثم التفت إلى والدته قائلًا:
- كيف حالكِ يا أمي؟ هل تناولتِ دواءكِ؟
أجابته بحنانٍ جم، وابتسامتها الوادعة تزين وجهها:
- أجل يا بني، تناولته. أخبرني أنت، كيف كان يومك؟
أخرج من حقيبته عدة ألواحٍ من الشوكولاتة، وقال بهدوء:
- الحمد لله... لكنني مرهقٌ قليلًا، لقد كان يومًا شاقًا.
أمسكت بسمة وجهه بين كفيها الصغيرتين، وقالت بضيقٍ طفولي:
- أبي، لماذا تعطي الشوكولاتة لجدتي دائمًا؟ هي لا تأكلها بسبب ألم أسنانها.
ابتسم وهو يطرق مقدمة أنفها برفق:
- لكي تعطيها لتلك الصغيرة التي لا تكف عن إزعاجها وإزعاج والدتها في غيابي... هل فهمتِ؟
عقدت شفتيها بانزعاج، بينما نقل هو بصره إلى زوجته التي كانت تخرج من المطبخ:
- حمدًا لله على سلامتك يا سليم.
ابتسم لها ابتسامته الهادئة التي اعتادت عليها:
- سلّمكِ الله من كل شر، عزيزتي.
ثم سألها مستفسرًا:
- هل أصبح الغداء جاهزًا؟
أومأت برأسها وهي تجلس بجوار ابتهال، بينما تقدم عليّ ووضع رأسه على قدمها، أجابته بهدوء:
- أجل، لم يتبقَّ سوى أن أسكبه في الأطباق.
هز رأسه بهدوء، ثم أنزل ابنتيه عن حضنه ليقف يخاطبهما:
- هيا، اغسلا أيديكما ريثما أعود، ثم نتناول الطعام.
جلست دينا في حضن والدتها بعدما أبعدت رأس عليّ، ثم أخرجت له لسانها بطفولية، فعبس الصغير بضيق، ضحك سليم بخفة ثم داعب شعره:
- أين كنت يا بطل؟
أجابه عليّ بهدوء:
- كنت أكتب واجباتي المدرسية يا أبي.
بعثر سليم شعره بحنان:
- أحسنت يا بطل... أممم، هل عمر في الداخل؟
أومأ عليّ برأسه، لعدها التفت سليم إلى ريم التي كانت تمرر أصابعها بين خصلات شعر دينا، وقال:
- اسكبي الطعام، وعندما تنتهين سأكون عند عمر، حسنًا؟
أومأت برأسها، بينما اتجه هو نحو غرفة عمر، طرق الباب برفق، ثم دخل بعدما سمع الإذن، جلس بجواره وسأله بحنان:
- هل انتهيت من دراستك؟ سنذهب لتناول الغداء.
ابتسم عمر بمحبةٍ صادقة:
- أجل، والحمد لله. بالمناسبة... شكرًا لك يا عمي على الدراجة الهوائية.
ربت سليم على كتفه بلطف:
- لا داعي للشكر يا عمر... فأنت مثل ابني. هيا، لنذهب إليهم.
........
بعد مدة، كان الجميع قد انتهى من تناول الغداء، اقتربت ابتهال من ريم وهمست بصوتٍ منخفض:
- ريم... أما آن الأوان لتنجبا طفلًا؟
احمرت وجنتا ريم خجلًا، ثم أجابت وهي تختلس النظرات نحو سليم الذي كان يلعب مع عمر وعليّ بعض الألغاز:
- ولماذا يا أمي؟ لديّ عمر وعليّ، وقد رزقني الله ببسمة ودينا، وهما نعمة لم أكن أحلم بها يومًا... ثم إن سليم لا يريد ذلك، أو هذا ما أظنه.
تنهدت ابتهال بهدوء تجيبها بتوضيح:
- وهل صارحته بالأمر يا ريم؟ ثم إن خديجة، رحمها الله، أوصتكما أن تُرزقا بأطفالٍ من بعد رحيلها... لذلك لا أظنه سيعارض.
أغمضت ريم عينيها تفكر في كلماتها، ثم رفعت بصرها نحو سليم، لتتفاجأ بأنه ينظر إليها في اللحظة نفسها، تورد وجهها خجلًا، فنهضت مسرعة إلى المطبخ لتشرب كوبًا من الماء، فقد شعرت أن حلقها قد جف، وكأنها تسير في صحراء قاحلة.
أمسكت بالكوب، لكنه انزلق من بين أصابعها فور أن وجدته يقف أمامها على حين غرة، تحطم الكوب على الأرض، وضعت بسمة كفيها الصغيرتين على فمها، وشهقت بفزع وهي ترى شظايا الزجاج تتناثر في كل مكان.
جلست ريم على الأرض تجمع القطع المكسورة، ليجلس سليم بجوارها يساعدها، حدث كل شيء في ثوانٍ معدودة، ولم تستوعب ما جرى إلا عندما لامست يده يدها، سحبت يدها بسرعة، وقالت بتوتر:
- سأجمعها وحدي... لا تتعب نفسك.
وما إن همّت بالوقوف حتى أطلقت صرخةً قوية، وانحنت تمسك بقدمها وهي تغمض عينيها من شدة الألم، في البداية لم يفهم سليم ما حدث، حتى مزقت صرخة دينا سكون المكان.
- أبي... قدم أمي تنزف!
انتفض من مكانه، ثم حمل قدم ريم برفق، وأزال قطعة الزجاج التي استقرت فيها، قبل أن يعقم الجرح ويلفه بالشاش الطبي، همست ريم بألم:
- شكرًا لك يا سليم.
حاولت الوقوف، لكن الألم كان كخناجر تمزق قدمها، فأغمضت عينيها بقوة، ودون أن يمنحها فرصة للاعتراض، وضع إحدى يديه خلف ظهرها، والأخرى أسفل ركبتيها، ثم حملها بين ذراعيه.
كانت ابتهال تقف عند باب المطبخ، فقالت بهدوء:
- ضعها في الأعلى حتى ترتاح قليلًا، وسأتولى أنا تنظيف بقية الزجاج.
ثم التفتت إلى الأطفال الذين بدأت الدموع تملأ أعينهم:
- لا تبكوا يا صغاري... إنها بخير، ستستريح قليلًا ثم تصبح أفضل، بإذن الله.
صعد سليم الدرج بخطواتٍ ثابتة، بينما أحاطت ريم عنقه بذراعيها، وأسندت رأسها إلى كتفه، وأغمضت عينيها براحةٍ لم تشعر بها إلا بين ذراعيه، فتح باب غرفتهما، ووضعها برفق فوق السرير، ثم انحنى وقبّل جبينها، فانكمشت على نفسها خجلًا.
جلس إلى جوارها، وأطلق زفيرًا طويلًا، ثم قال بهدوء:
- أخبريني يا ريم... ما بكِ؟
أبعدت عينيها عنه هربًا من نظراته:
- لا شيء يا سليم.
أمسك وجهها برفق، وأجبرها أن تنظر إلى عينيه:
- بل هناك شيء... أخبريني.
لم تجد مهربًا هذه المرة. تنهدت بخجل، ثم قالت بصوتٍ خافت:
- لقد أخبرتني أمي... أنه يجب علينا أن ننجب طفلًا.
ظل ينظر إليها لبرهة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، جلس أقرب إليها، وأخذ يدها بين يديه، وقال بتروٍّ:
- في الحقيقة... كنت أفكر في الأمر منذ عدة أسابيع لذلـ...
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
فتحت سارة باب منزلها بأنامل مرتجفة، بينما كانت الدموع تتسابق على وجنتيها في ضعفٍ وقهر.
رفعت خمارها عن وجهها المحمر بسرعة، ثم اتجهت إلى المرحاض، وغسلت وجهها بالماء البارد مراتٍ متتالية، وكأنها تحاول أن تمحو أثر لقائه من ملامحها، رفعت رأسها ببطء، لتنظر إلى انعكاسها في المرآة.
تأملت وجهها طويلًا...وسرعان ما بدأت السنوات الخمس الماضية تمر أمام عينيها كشريطٍ سينمائي لا يرحم.
معاملته المتناقضة...حنانه الذي كان يسبق قسوته بدقائق، اتهام والدته لها بالعقم، قبل أن تكتشف بعد الفحوصات أنه كان يضع لها حبوبًا مانعة للحمل في كوب الماء قبل أن تشربه.
يوم رمى عليها يمين الطلاق بقلبٍ متحجر، وأخبرها ببرودٍ قاتل أنه سيتزوج فتاةً كان يحبها أيام دراسته الجامعية في الخارج.
بكاء أمل وتشبثها بها...هدوؤه وغضبه...عطفه وجفاؤه...كل ذلك التناقض الذي كان يحيط به، كانت تعلم يقينًا أنه يخفي سرًا كبيرًا، لكنها لم تعرف ماهيته قط.
ولم تفهم شيئًا مما حدث، إلا بعدما أخبرتها أمل بالحقيقة كاملة قبل أسبوع، حين التقيا مصادفةً في المشفى، وعرفت أيضًا أنه موجود هناك.
حينها فقط...اكتشفت أنه يصارع المرض منذ ست سنوات، وأنه خضع لعمليتين جراحيتين بعد طلاقهم، لكن الورم عاد إليه من جديد.
أصبح هزيلًا...شاحب الوجه...كأنه فقد الحياة وهو ما يزال يتنفس، تمامًا كما فقدتها هي منذ أن طلقها.
انتشلها من دوامة ذكرياتها رنين هاتفها، مسحت دموعها بسرعة، وجاهدت حتى يبدو صوتها طبيعيًا.
- لا أريد التحدث الآن يا كريم... بعد إذنك.
تنهد كريم بهدوء، وقال وهو يقود سيارته:
- لكنني أريد التحدث يا سارة، ولا تعاندي، لقد خرجت لتوي من المشفى، وسأكون عندك بعد دقائق.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!