صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 32 من 150
وضع القراءة:

الفصل الثاني والثلاثون

**أومأ سليم مؤكدًا له بفخر، فما أجمل ان يكون هناك من يعلم عن النبي ويحبه:
- أحسنت. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«وأما السبب في وجوب محبته ﷺ وتعظيمه أكثر من أي شخص؛ فلأن أعظم الخير في الدنيا والآخرة لا يحصل لنا إلا على يد النبي ﷺ، بالإيمان به واتباعه، وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله، ولا وصول له إلى رحمة الله إلا بواسطة الرسول ﷺ، بالإيمان به، ومحبته، وموالاته، واتباعه.»
وإن من مقتضيات هذا الحب أيضًا أن يُكثر المسلم من ذكره، والصلاة والسلام عليه، وأن يتمنى رؤيته، ويشتاق إلى لقائه، ويسأل الله اللحاق به على الإيمان، وأن يجمع بينه وبين حبيبه في مستقر رحمته.
وقد أخبر ﷺ بأنه سيوجد في هذه الأمة من يود رؤيته بكل ما يملكون، فأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:
«مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ».
أكمل باسمًا، وقد اعتدل ناهضًا:
- بالله عليكم، أسألكم: هل رأت الدنيا قائدًا أعظم وأرحم من محمد ﷺ؟ وهل رأت الدنيا زوجًا ألطف من محمد ﷺ؟ وهل رأت الدنيا صديقًا أوفى من محمد ﷺ؟ وهل رأت الدنيا حاكمًا أعدل من محمد ﷺ؟
اقترب من القسم الخاص بالرجال متسائلًا:
- كيف، وقد رآه الناس في الأيام الأخيرة من حياته، وهو يصعد المنبر ويقول:
«من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري، فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي، فليأخذ منه.»
يقول هذا، وهو الذي مات ﷺ حتى حطمه الجوع.
يقول هذا، وهو الذي يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
يقول هذا، وهو الزاهد في الدنيا، الذي مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي.
وحتى آخر رمقٍ من حياته، كان ﷺ رحيمًا بأصحابه، حريصًا على أمته.
فقد كان ﷺ يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويعالج شدة ألم الموت وسكراته، ومع هذا لم ينس أمته، ولم ينس أن يوصيها بما ينجيها من عقوبة الله، فيقول:
«الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم.»
أكمل بهدوء، وقد سار مبتعدًا عنهم قليلًا:
- عباد الله، إن في سيرة محمد ﷺ، بكل ما فيها من مواقف ووقائع، محلًّا للتأمل والتدبر.
تأملًا يحرك القلوب، ويستثير الهمم، ويقود إلى العمل.
وتدبرًا يزيد في الإيمان، ويزكي القلوب، ويقوم المسيرة.
إنه القدوة ﷺ.
فقل لي أيها الأخ الشاب، وقل لي أيها الابن الناشئ، من هو قدوتك في الحياة؟
أكمل مستفسرًا:
- هل قدوتك، ومثلك، ومحل إعجابك وتأسيك، هو رسول الله ﷺ؟ أم أن قدوتك هو الفنان الفلاني، أو المطرب، أو الممثل، أو اللاعب الكافر؟
بدأ صوته يتخلله الغضب المستنكر وهو يكمل:
- كيف يليق بالمسلم أن يجعل قدوته من يسمون أنفسهم نجومًا، وهم إلى الثرى أقرب، ثم لا يقتدي، ولا يتأسى بأعظم إنسان، بل هو نجم النجوم ﷺ، وهو القدوة الحسنة، والمنبع العذب الذي تُستقى منه معالي الأمور؟
كيف يسوغ للعاقل أن يرى هذه القدوة الحسنة، والشخصية الفذة، في شخص محمد ﷺ، ثم لا يحذو حذوه، ويسير خلفه، ويقتدي بهديه، ويكون من حملة رسالته، وحماة دينه؟
وصدق الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
أغمض عينيه قليلًا، ثم فتحهما بتضرع:
- اللهم إنا نشهد بأننا نحبك، ونحب نبيك ﷺ.
فاللهم ارزقنا اتباعه، والتأسي به، والاقتداء بهديه.
اللهم لا تحرمنا شفاعته يوم العرض عليك.
اللهم اجعلنا من زمرته، واجعلنا من أنصار دينه، والداعين إلى سنته، والمتمسكين بشرعه.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم محبة رسوله في قلوبنا، وأن يجعل محبة رسول الله ﷺ أعظم عندنا من محبة أنفسنا، وأهلينا، وآبائنا، وأمهاتنا، وأزواجنا، وبناتنا، وأن يجعل محبته طمأنينة قلوبنا، وانشراح صدورنا، وأن يجعلها عونًا لنا على طاعة الله عز وجل، وحسن الصلة به، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.
زفر سليم بقوة متنهدًا براحة:
- وفي مسك الختام أقول:
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر المسلمين، ودمر أعداء دينك أجمعين.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، واكفهم شر أنفسهم، ومكر أعدائهم، وخذلان أصحابهم.
إلهنا، لا نهلك وأنت رجاؤنا، فاكتبنا مع عبادك الصالحين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، ولا تخزنا يوم العرض الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، واجعلهم هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، حربًا على أعدائك، يحبون بحبك من أحبك، ويعادون بعداوتك من يعاديك، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
علت القاعة بأكملها بالتصفيق الحار، ليتوجه سليم نحو طاولته، ويجلس عليها ريثما ينتهي الجمع من مغادرة المسجد.
في طريق العودة كان الصمت يملأ السيارة، إلا من أنفاسٍ هادئة تحمل أثر ما سمعته ريليان في ذلك اليوم. كانت تنظر من النافذة بصمتٍ طويل، لكن عقلها لم يكن يرى الطريق، بل كان غارقًا في كل كلمة خرجت من سليم في خطبته، وكأنها تعيد ترتيب قلبها من الداخل.
اقتربوا من المنزل، فالتفتت إليه بصوتٍ منخفضٍ يغلبه التأثر:
- سليم، أريد أن أذهب إلى خالتي ابتهال، وليس إلى البيت، من بعد إذنك.
لم يردّ سليم في البداية، فقط خفف سرعته قليلًا ثم غيّر اتجاه الطريق بهدوء دون تعليق، وكأنه أدرك أن داخلها يحتاج هذا المسار أكثر من أي تفسير.
وصلا بعد فترة، فنزلت ريليان بخطواتٍ هادئة، لكن قلبها كان مضطربًا على غير عادته. دخلت مباشرة نحو ابتهال، وكأنها تبحث عن طمأنينة لا تُقال بالكلمات.
نظرت إليها بخفوت:
- خالتي… هلّا ناديتِ سليم قليلًا من أجلي؟
استدعت ابتهال سليم، فخرج بهدوء، وعيناه تحملان انتظارًا صامتًا لما ستقوله.
وهنا، وقفت ريليان في مكانها، وكأن الزمن توقف عندها. لم تكن كما كانت قبل ساعات، فالكلمات التي سمعتها في خطبة سليم ما زالت تتردد داخل صدرها بلا توقف. لم يكن ما تشعر به مجرد تأثرٍ عابر، بل شيئًا أعمق من ذلك؛ إحساسٌ يشبه انكسارًا لطيفًا يعيد ترتيب الروح من جديد.
كانت تتذكر كل ما قاله عن النبي ﷺ، وكأن الخطبة لم تكن مجرد كلمات تُلقى، بل رسالة وصلت إلى قلبها وحده. صورة الرحمة، والتواضع، والصدق، والعظمة التي لم تعرفها من قبل، جعلت قلبها يجد شيئًا كان يبحث عنه طويلًا دون أن يدري.
نظرت إلى الأرض بصمت، ويداها ترتجفان قليلًا، وكأن داخلها صراعٌ لا يُرى. جزءٌ منها ما زال مترددًا، يخشى الخطوة القادمة، وجزءٌ آخر قد حُسم أمره منذ أن امتلأ قلبه بالنور. ومع ذلك، بدأ اليقين يكبر شيئًا فشيئًا حتى غلب التردد.
رفعت عينيها ببطء نحو سليم، ثم نحو ابتهال، وكأنها تبحث عن طمأنينة أخيرة، لكنها لم تجد إلا سكون اللحظة، وسكونًا أعمق في قلبها كان هو الذي يتكلم بدلًا عنها.
أغمضت عينيها بهدوء، وكأنها تودّع شيئًا قديمًا فيها، وتستقبل شيئًا جديدًا لا تعرفه بعد… لكنها شعرت أنه بداية مختلفة تمامًا.
وفي تلك اللحظة، وبعد صمتٍ قصيرٍ امتد كأنه دهر، فتحت عينيها بابتسامة صادقة تحت نظراتهم التي امتزج فيها الذهول بالفرح، وقالت بصوتٍ ثابتٍ خرج من قلبٍ قد حُسم أمره:
- إنني مستعدةٌ للدخول في الإسلام.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»**
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.