صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 87 من 150
وضع القراءة:

الفصل السابع والثمانون

**
بعد مدة قصيرة من نظرات العتاب منها، نظرت إليه بندمٍ ثم تمتمت:
- أعتذر.
خاطبها بذات الصوت الحازم:
- لن أقبله، ولديكِ عقاب يا ريليان.
استدارت بكامل جسدها نحوه بخوف، وابتلعت ريقها متسائلة:
- عقاب؟! إنكَ تمزح، أليس كذلك؟
نفى برأسه بتأكيد، وعلامات الجدية بادية على وجهه:
- أجل، لقد أخبرتكِ في بداية خطبتنا، عندما تعوجين سأعاقبكِ، أليس كذلك؟
أجابته بصوتٍ منخفض وهي على وشك البكاء:
- لكنني اعتذرتُ يا سليم.
نظر حوله للطريق بتفحص، فصحيح أن سيارته لا تُظهر من بداخلها، لكن الاحتياط واجب.
وضع إصبعه على وجنته، ثم خاطبها بملامح جامدة:
- قبّليني، ولا أريد أي اعتراض.
رمشت عدة مرات بعدم تصديق، ثم خاطبته بتعجب:
- تمزح يا سليم، أليس كذلك؟
لكنه لم يُبدِ أي ردة فعل، واكتفى بإكمال القيادة، ويبدو أنه يتحدث بجدية، حسنًا... هذا عقاب أسهل مما توقعته، فقد ظنت أنه سيقوم بضربها أو يخاصمها، لكنه أخبرها قبل ذلك أنه لن يكون رجلًا إن ضربها.
خاطبته ببعض الخجل:
- هل الآن يا سليم؟ نحن في الطريق، اجعلها عندما نعود.
رفع حاجبه ناظرًا إليها بالملامح الجامدة نفسها، لتزفر بضيق وهي تحدث نفسها بأنه سيعود طفلًا بحركاته هذه.
ثم أجابها:
- عندما نعود هذا أكيد، والآن أسرعي، أوشكنا على الوصول، وصدقيني لن تدخلي إلى الداخل إلا بعد أن أحصل عليها.
قلبت عينيها للداخل، ثم اقتربت منه واضعةً قبلةً على وجنته، جعلت ابتسامته تتسع رغمًا عنه. نظر إليها متحدثًا بضيقٍ مصطنع بعد أن وصل أمام المنزل:
- يبدو أنني لن أدعكِ تذهبين، وسنعود إلى البيت.
نظرت إليه بتعجب:
- لماذا؟! هل حدث شيء؟
ثم أكملت بتوسل:
- أرجوك يا سليم، دعني أذهب، أعدكَ أنني لن أتأخر. لقد اشتقتُ لأختي، وإن كنت تريد قبلةً أخرى لك، فذلك أيضًا ممكن، فقط دعني أذهب.
تنهد بابتسامة، ثم طمأنها:
- ليس لهذا السبب يا ريليان، فأنا عند كلمتي لكِ. سوف أنتظركِ هنا حتى تهاتفيني. لن أحدد لكِ وقتًا، لكنني سأضمن أنكِ تحدثتِ معها بما فيه الكفاية، فأنا لا أضمن ماذا سيحدث بالداخل.
ابتسمت له مطمئنةً إياه:
- لا تقلق، لقد هاتفتُ رلين وأخبرتني أنها في المنزل بمفردها، لأنهم أقاموا مراسم الزفاف في الظهيرة، وها هم الآن يكملون أمسيتهم في الخارج. لن أتأخر، أنا فقط أريد أن أعانقها وأشم رائحتها، وأحاول أن أجعلها تسامحني.
زفر سليم بتمهل، ثم ابتسم لها بهدوء، مقبلًا جبينها:
- إنني أنتظركِ هنا، هيا اذهبي قبل أن أغير رأيي.
ضحكت بخفة، ثم ترجلت من السيارة وهي تأخذ نفسًا عميقًا، سارت عدة خطوات إلى الأمام، وهي تشجع نفسها على التقدم. التفتت للخلف، لتجد سليم يقف بجانب السيارة بعدما خرج منها، فعادت إليه تحتضنه بخوف، وفي داخلها توجسٌ كبير. بادلها سليم العناق، وهو يقبل رأسها بتوجسٍ هو الآخر، لا يعلم لماذا يراوده شعور سيئ.
ابتعدت عنه بعد فترة، ليتساءل بقلق:
- ما الأمر؟ هل تراجعتِ أم أنكِ خائفة؟
نفت برأسها بقوة، ثم همست له بمشاعر حقيقية بعد أن أخذت نفسًا عميقًا:
- أحبكَ يا سليم، واعلم أنني أحبكَ أكثر من أي شيءٍ في هذه الحياة. أحبكَ وكأنكَ وُضعت أمانةً في عنقي، وكأن أمكَ استودعتكَ في قلبي ومضت مطمئنة، وكأن الكون كله أوصاني عليك.
ثم تابعت بنبرةٍ حانية:
- لا تقلق، أنا بخير ولستُ خائفة. فمنذ أول يومٍ التقيتُ بك، ومنذ أول ساعة حديثٍ بيننا، ومنذ أول مرةٍ تعانقت أعيننا وغرقتُ فيها، ومنذ أن ارتبط اسمي باسمك، لم أعد أشعر بالخوف مطلقًا.
ابتسمت له بحب، ثم أردفت:
- فأنا متيقنة بأنكَ ستكون خلفي، وستكون حمايتي وقوتي وسندي وأماني.
كان سليم يستمع إليها عاجزًا عن الرد، فقد ألجمته مشاعرها.
كانت تتحدث بصدقٍ كبير ومشاعر حقيقية، وفي تلك اللحظة أيقن أنه لا يستطيع العيش دونها.
الآن فقط أدرك أنه لا يحبها بقدر ما تحبه.
يعرف أناسًا يحبون آخرين، وإلى حدٍ ما يتفهم ما يشعرون به تجاههم، لكن ما يجتاح عقله وقلبه لا يمكن مقارنته بشيء.
لم يمر بشيءٍ كهذا من قبل، ولا يعتقد أن هناك قلبًا بشريًا يستطيع تحمل هذه المشاعر الفريدة تجاه شخصٍ واحد.
وكأنها تستوطنه، فلا يستطيع أن يفكر أو يرى أو يشعر إلا بها.
لقد أصبحت تتصدر ذهنه وأفكاره وأحلامه، وصارت جزءًا من جميع أهدافه.
لن يقول إن الحياة دونها ستكون صعبة، بل بكل صدقٍ ودون ذرة مبالغة، لن يعرف للحياة معنى بعدها إن لم تكن فيها.
إن لم تكن هي الحياة، فلا حياة بعد ذلك.
وللأسف لم يستطع أن يشرح ما يدور داخله بشكلٍ منظم، فكل شيءٍ عشوائي، لكن رغم ضجره من تلك العشوائية، إلا أنها كانت الأحب إلى قلبه؛ لأنها صُنعت منها.
انحنى سليم ليعانقها بقوة، متناسيًا أنهما يقفان أمام الطريق العام وأمام منزلها مباشرة.
حاول أن ينظم أنفاسه، ثم خاطبها بهدوءٍ يعكس ما يعتمل داخله من مشاعر، وما زال يضع رأسه في تجويف رقبتها:
- ريليان... لا تذهبي، أجّلي اللقاء ليومٍ آخر.
اشتعلت وجنتاها، وحاولت التملص من بين يديه لتجيبه بصوتٍ مكتوم بسبب قربه منها:
- سليم، ابتعد... نحن أمام الطريق العام. ثم إنه لا يمكنني ذلك، أنا أنتظر هذا اللقاء منذ أن ابتعدت عنها. أعدكَ أنني لن أتأخر.
ابتعد عنها زافرًا، لكن القلق ظل يسكن داخله دون أن يعلم مصدره، فهي في النهاية ستكون عند أختها.
تنهد ثم خاطبها:
- اذهبي الآن، وإن بقيتِ هنا لثانيةٍ واحدة سوف نعود. هيا اذهبي.
ضحكت بخفة، ثم خاطبته بتفكير:
- تعال معي إلى الداخل، سوف نكون بالأعلى، وأنت انتظر بالأسفل.
حرك رأسه نافيًا بجدية:
- لا أريد. قلتُ لكِ اذهبي، وإلا غيرتُ رأيي.
كتمت ابتسامتها، ثم توجهت نحو مصيرها الذي لا تعلمه، تابعها سليم بعينيه حتى فتح الباب لها، ثم عاد ليجلس في سيارته ممسكًا بكتاب الله يشغل به وقته، وكل مدة ينظر إلى البيت وإلى ساعته.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
استمعت ريم إلى صوت ضحكات سما بفرحة، ثم خاطبت كيان متنهدة:
- ها هما يضحكان... أتعلمين يا كيان؟ لو أنه يعدل لكان الأمر أفضل، لكنه لا يعدل مطلقًا. صدقيني، لم يعد الأمر يهمني.
زفرت كيان بضيقٍ كبير من عناد صديقتها ومكابرتها:
- ريم، أنتِ تكابرين وتعاندين دائمًا. تنازلي عن كرامتكِ قليلًا، أو ضعيها جانبًا وكوني أنتِ المبادرة. ربما هو يفتقد اهتمامكِ وحبكِ، ويحاول إغاظتكِ بسما. أين مقولة: لا كرامة في الحب يا ريم؟
دافعت ريم عن نفسها، لكن بهدوءٍ شديد:
- أبدًا يا كيان، لو كنتُ أسير خلف كرامتي فقط، هل سيكون هذا حالي الآن؟ لو كنتُ أضعها أمام عيني، فمنذ أول مرة علمتُ فيها أنه يحادث فتيات، لما بقيتُ صامتة عن ذلك. لو كنتُ أتمسك بها، هل كنتُ سأصمت عندما رأيت علاقاته النسائية أمام عيني وداخل غرفتي؟ لو كنتُ أسير خلف كرامتي فقط، هل كنتُ سأرضى بمكوثها في بيتي؟
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.