الفصل السابع والثمانون
**
بعد مدة قصيرة من نظرات العتاب منها، نظرت إليه بندمٍ ثم تمتمت:
- أعتذر.
خاطبها بذات الصوت الحازم:
- لن أقبله، ولديكِ عقاب يا ريليان.
استدارت بكامل جسدها نحوه بخوف، وابتلعت ريقها متسائلة:
- عقاب؟! إنكَ تمزح، أليس كذلك؟
نفى برأسه بتأكيد، وعلامات الجدية بادية على وجهه:
- أجل، لقد أخبرتكِ في بداية خطبتنا، عندما تعوجين سأعاقبكِ، أليس كذلك؟
أجابته بصوتٍ منخفض وهي على وشك البكاء:
- لكنني اعتذرتُ يا سليم.
نظر حوله للطريق بتفحص، فصحيح أن سيارته لا تُظهر من بداخلها، لكن الاحتياط واجب.
وضع إصبعه على وجنته، ثم خاطبها بملامح جامدة:
- قبّليني، ولا أريد أي اعتراض.
رمشت عدة مرات بعدم تصديق، ثم خاطبته بتعجب:
- تمزح يا سليم، أليس كذلك؟
لكنه لم يُبدِ أي ردة فعل، واكتفى بإكمال القيادة، ويبدو أنه يتحدث بجدية، حسنًا... هذا عقاب أسهل مما توقعته، فقد ظنت أنه سيقوم بضربها أو يخاصمها، لكنه أخبرها قبل ذلك أنه لن يكون رجلًا إن ضربها.
خاطبته ببعض الخجل:
- هل الآن يا سليم؟ نحن في الطريق، اجعلها عندما نعود.
رفع حاجبه ناظرًا إليها بالملامح الجامدة نفسها، لتزفر بضيق وهي تحدث نفسها بأنه سيعود طفلًا بحركاته هذه.
ثم أجابها:
- عندما نعود هذا أكيد، والآن أسرعي، أوشكنا على الوصول، وصدقيني لن تدخلي إلى الداخل إلا بعد أن أحصل عليها.
قلبت عينيها للداخل، ثم اقتربت منه واضعةً قبلةً على وجنته، جعلت ابتسامته تتسع رغمًا عنه. نظر إليها متحدثًا بضيقٍ مصطنع بعد أن وصل أمام المنزل:
- يبدو أنني لن أدعكِ تذهبين، وسنعود إلى البيت.
نظرت إليه بتعجب:
- لماذا؟! هل حدث شيء؟
ثم أكملت بتوسل:
- أرجوك يا سليم، دعني أذهب، أعدكَ أنني لن أتأخر. لقد اشتقتُ لأختي، وإن كنت تريد قبلةً أخرى لك، فذلك أيضًا ممكن، فقط دعني أذهب.
تنهد بابتسامة، ثم طمأنها:
- ليس لهذا السبب يا ريليان، فأنا عند كلمتي لكِ. سوف أنتظركِ هنا حتى تهاتفيني. لن أحدد لكِ وقتًا، لكنني سأضمن أنكِ تحدثتِ معها بما فيه الكفاية، فأنا لا أضمن ماذا سيحدث بالداخل.
ابتسمت له مطمئنةً إياه:
- لا تقلق، لقد هاتفتُ رلين وأخبرتني أنها في المنزل بمفردها، لأنهم أقاموا مراسم الزفاف في الظهيرة، وها هم الآن يكملون أمسيتهم في الخارج. لن أتأخر، أنا فقط أريد أن أعانقها وأشم رائحتها، وأحاول أن أجعلها تسامحني.
زفر سليم بتمهل، ثم ابتسم لها بهدوء، مقبلًا جبينها:
- إنني أنتظركِ هنا، هيا اذهبي قبل أن أغير رأيي.
ضحكت بخفة، ثم ترجلت من السيارة وهي تأخذ نفسًا عميقًا، سارت عدة خطوات إلى الأمام، وهي تشجع نفسها على التقدم. التفتت للخلف، لتجد سليم يقف بجانب السيارة بعدما خرج منها، فعادت إليه تحتضنه بخوف، وفي داخلها توجسٌ كبير. بادلها سليم العناق، وهو يقبل رأسها بتوجسٍ هو الآخر، لا يعلم لماذا يراوده شعور سيئ.
ابتعدت عنه بعد فترة، ليتساءل بقلق:
- ما الأمر؟ هل تراجعتِ أم أنكِ خائفة؟
نفت برأسها بقوة، ثم همست له بمشاعر حقيقية بعد أن أخذت نفسًا عميقًا:
- أحبكَ يا سليم، واعلم أنني أحبكَ أكثر من أي شيءٍ في هذه الحياة. أحبكَ وكأنكَ وُضعت أمانةً في عنقي، وكأن أمكَ استودعتكَ في قلبي ومضت مطمئنة، وكأن الكون كله أوصاني عليك.
ثم تابعت بنبرةٍ حانية:
- لا تقلق، أنا بخير ولستُ خائفة. فمنذ أول يومٍ التقيتُ بك، ومنذ أول ساعة حديثٍ بيننا، ومنذ أول مرةٍ تعانقت أعيننا وغرقتُ فيها، ومنذ أن ارتبط اسمي باسمك، لم أعد أشعر بالخوف مطلقًا.
ابتسمت له بحب، ثم أردفت:
- فأنا متيقنة بأنكَ ستكون خلفي، وستكون حمايتي وقوتي وسندي وأماني.
كان سليم يستمع إليها عاجزًا عن الرد، فقد ألجمته مشاعرها.
كانت تتحدث بصدقٍ كبير ومشاعر حقيقية، وفي تلك اللحظة أيقن أنه لا يستطيع العيش دونها.
الآن فقط أدرك أنه لا يحبها بقدر ما تحبه.
يعرف أناسًا يحبون آخرين، وإلى حدٍ ما يتفهم ما يشعرون به تجاههم، لكن ما يجتاح عقله وقلبه لا يمكن مقارنته بشيء.
لم يمر بشيءٍ كهذا من قبل، ولا يعتقد أن هناك قلبًا بشريًا يستطيع تحمل هذه المشاعر الفريدة تجاه شخصٍ واحد.
وكأنها تستوطنه، فلا يستطيع أن يفكر أو يرى أو يشعر إلا بها.
لقد أصبحت تتصدر ذهنه وأفكاره وأحلامه، وصارت جزءًا من جميع أهدافه.
لن يقول إن الحياة دونها ستكون صعبة، بل بكل صدقٍ ودون ذرة مبالغة، لن يعرف للحياة معنى بعدها إن لم تكن فيها.
إن لم تكن هي الحياة، فلا حياة بعد ذلك.
وللأسف لم يستطع أن يشرح ما يدور داخله بشكلٍ منظم، فكل شيءٍ عشوائي، لكن رغم ضجره من تلك العشوائية، إلا أنها كانت الأحب إلى قلبه؛ لأنها صُنعت منها.
انحنى سليم ليعانقها بقوة، متناسيًا أنهما يقفان أمام الطريق العام وأمام منزلها مباشرة.
حاول أن ينظم أنفاسه، ثم خاطبها بهدوءٍ يعكس ما يعتمل داخله من مشاعر، وما زال يضع رأسه في تجويف رقبتها:
- ريليان... لا تذهبي، أجّلي اللقاء ليومٍ آخر.
اشتعلت وجنتاها، وحاولت التملص من بين يديه لتجيبه بصوتٍ مكتوم بسبب قربه منها:
- سليم، ابتعد... نحن أمام الطريق العام. ثم إنه لا يمكنني ذلك، أنا أنتظر هذا اللقاء منذ أن ابتعدت عنها. أعدكَ أنني لن أتأخر.
ابتعد عنها زافرًا، لكن القلق ظل يسكن داخله دون أن يعلم مصدره، فهي في النهاية ستكون عند أختها.
تنهد ثم خاطبها:
- اذهبي الآن، وإن بقيتِ هنا لثانيةٍ واحدة سوف نعود. هيا اذهبي.
ضحكت بخفة، ثم خاطبته بتفكير:
- تعال معي إلى الداخل، سوف نكون بالأعلى، وأنت انتظر بالأسفل.
حرك رأسه نافيًا بجدية:
- لا أريد. قلتُ لكِ اذهبي، وإلا غيرتُ رأيي.
كتمت ابتسامتها، ثم توجهت نحو مصيرها الذي لا تعلمه، تابعها سليم بعينيه حتى فتح الباب لها، ثم عاد ليجلس في سيارته ممسكًا بكتاب الله يشغل به وقته، وكل مدة ينظر إلى البيت وإلى ساعته.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
استمعت ريم إلى صوت ضحكات سما بفرحة، ثم خاطبت كيان متنهدة:
- ها هما يضحكان... أتعلمين يا كيان؟ لو أنه يعدل لكان الأمر أفضل، لكنه لا يعدل مطلقًا. صدقيني، لم يعد الأمر يهمني.
زفرت كيان بضيقٍ كبير من عناد صديقتها ومكابرتها:
- ريم، أنتِ تكابرين وتعاندين دائمًا. تنازلي عن كرامتكِ قليلًا، أو ضعيها جانبًا وكوني أنتِ المبادرة. ربما هو يفتقد اهتمامكِ وحبكِ، ويحاول إغاظتكِ بسما. أين مقولة: لا كرامة في الحب يا ريم؟
دافعت ريم عن نفسها، لكن بهدوءٍ شديد:
- أبدًا يا كيان، لو كنتُ أسير خلف كرامتي فقط، هل سيكون هذا حالي الآن؟ لو كنتُ أضعها أمام عيني، فمنذ أول مرة علمتُ فيها أنه يحادث فتيات، لما بقيتُ صامتة عن ذلك. لو كنتُ أتمسك بها، هل كنتُ سأصمت عندما رأيت علاقاته النسائية أمام عيني وداخل غرفتي؟ لو كنتُ أسير خلف كرامتي فقط، هل كنتُ سأرضى بمكوثها في بيتي؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!