الفصل المئة وستة وثلاثون
**
ضربت كيان جبهتها وهزت رأسها بيأس:
- يبدو أنكِ تسعين إلى طلاقكِ دون تخطيط، أليس كذلك؟
أومأت ريم بتأكيد، لتكمل سنابل بهدوء:
- ليست بهذه الطريقة يا ريم، عليكِ التمسك بسببٍ قوي ضده وتجعلينه في صالحك، لا أن يأتي الطلاق من عناد رأسكِ هذا الذي يشبه حجر الصوان، ثم تُحرمين من أطفالك.
قلبت ريم عينيها بضيق، لتبدأ بسرد محادثتها مع إبراهيم قبل قليل، مما جعل الاثنتين تنفجران بها في وقتٍ واحد:
- ولماذا أجبته بردكِ هذا؟ هل أنتِ حمقاء يا ريم؟
أكملت كيان بغضبٍ أكبر:
- ثم تقولين إن سما طيبة وتحبكِ وأنها بمثابة أختكِ! يا فتاة، على من تضحكين؟ وأقسم بالعشرة أنكِ ما زلتِ تعتبرينها طيبة وستخرجين لي ألف مبرر لما فعلته.
تحدثت ريم بهدوءٍ مستفز:
- هذا حقها، ووقتها يا كيان لا بد أنها تحدثت هكذا لأنها كانت متعبة، أي أن السبب لا علاقة لي به.
ضربت كيان كفًا بكف وهي تجز على أسنانها بغضب:
- أقسم يا ريم، وأنا لا أقسم إلا إن كنت صادقة وجادة، وأقسم مرة ثالثة إن سمعتكِ تدافعين عنها مرة أخرى لأنهي صداقتي معكِ. ما هذا الهراء الذي تتحدثين به؟ أي سبب يجعلها تظهر على حقيقتها؟
كادت ريم أن تقاطعها، لكنها أكملت:
- لا تقاطعيني يا ريم. الإنسان يكون طيبًا ومتسامحًا ويلتمس ألف عذر، لكن ليس في كل شيء. أنا أسمي هذا غباء.
ثم تنهدت بضيق:
- أعتذر عن شتمي لكِ... أو انتظري، لا أعتذر، فأنتِ تستحقينها وبجدارة.
قهقهت ريم بقوةٍ من حديث كيان، ثم خاطبتها بعد أن هدأت:
- أنتِ أسوأ مني يا كيان في هذه المواقف، إنني أخاف منكِ.
عقدت كيان حاجبيها بتعجب:
- تخافين؟ ممن؟
أغمضت ريم عينيها وهي تشعر بنارٍ تشتعل داخلها:
- من إبراهيم. صحيح أنه لا سوابق لي معه، لكنه يملك عقلًا يشبه عقل الشيطان نفسه، لذلك لا أعلم ما الذي يخطط له.
تنهدت كيان بهدوء:
- لا تخافي، ما دمتِ تسيرين في الطريق الصحيح فالله معكِ.
ابتسمت ريم عندما شعرت بالهدوء يتسلل إليها:
- يبدو أن سنابل نامت.
وضعت كيان يدها على رأسها بيأس:
- أكثر ما يغيظني أنها تترك المحادثة مفتوحة. انتظري، لا تضحكي، سأخبركِ بشيء.
أومأت ريم لها، لتكمل كيان:
- أتخيل أن هناك شخصًا يكمم فم سنابل ويقيد يديها، وينظر لنا بضحكة شريرة، وهي تصرخ لكنها لا تستطيع فعل شيء.
أكملت ريم وهي تكتم ضحكتها:
- ويأتي آريس وينقذها.
أنهت جملتها لتنفجر ضاحكةً ولم تعد قادرة على السيطرة على ضحكاتها.
خاطبتها كيان بضيق:
- أغلقي يا ريم، أغلقي وإلا خاصمتكِ.
توقفت ريم عن الضحك، ثم سألتها بجدية:
- هل درستِ لاختباركِ يا كيان؟
قلبت كيان عينيها للداخل، ثم أجابتها بصوتٍ باكٍ مصطنع:
- ادعي لي يا ريم، فهناك رؤية شرعية بيني وبينه، وأخاف ألا أتقبله وأرفضه.
ابتسمت ريم رغمًا عنها، ثم خاطبتها بجدية وحنان:
- أسأل الله أن تتحول هذه النظرة إلى حب، ثم عشق.
قهقهت كيان بقوة وهي ترفع يديها للأعلى:
- اللهم آمين، أتمنى أن يستجيب الله لكِ.
خاطبتها ريم بحنان كبير:
- هيا اذهبي لرؤيته الشرعية وادرسي تفاصيله جيدًا واحفظيها، اتفقنا كياني؟ أريدكِ أن تحصلي على العلامة كاملة.
ابتسمت كيان وأجابتها بهدوء وحب:
- اتفقنا. اهتمي بنفسكِ وبأطفالكِ ووالدتكِ، في أمان الله.
جلست ريم على سريرها قبل أن تجيبها بابتسامة:
- في رعاية الرحمن يا كياني.
أغلقت الهاتف ووضعته بجانبها، ثم شردت بأفكارها في حياتها ومستقبلها، تعيد حساباتها من جديد.
««::::::::::::-::::::::::::::»»
ابتسمت رلين بتوتر وهي تخاطب ديفيد، تحاول أن تجد الكلمات التي تشرح بها ما حدث:
- أقسم بالرب أنني تراجعت يا ديفيد، لماذا لا تصدقني؟ لقد ذهبت إلى أمبر وأخبرته أنني أريد التسجيل الصوتي.
أغمض ديفيد عينيه بقوة، ثم أجابها بضيقٍ واضح بعدما نظر إليها:
- ولماذا ذهبتِ إليه منذ البداية يا رلين؟ لولا والدتكِ لما علمت أن المكالمة تلك كانت لكِ. من الجيد أنني لجأت إلى والدتكِ يومها ولم أتسبب بمشكلة لأختكِ مع زوجها. ماذا هناك بعد يا أليس؟ لقد أصبحت بخير بعد فعلة أمبر الكبيرة التي لا تُغتفر.
ضرب الطاولة بقبضة يده بقوة، ثم نظر إليها بحدة:
- أخبريني، لماذا ذهبتِ إليه؟
تنهدت رلين بغصةٍ عميقة، وظلت تنظر أمامها بشرود، وكأنها تستعيد كل الألم الذي عاشته منذ ابتعاد ريليان عنها:
- هل تعلم بألم الروح يا ديفيد؟ إنني أحترق ألف مرة في اليوم بسبب ابتعادها عني. أشعر بأن روحي تنسحب مني يومًا بعد يوم، أستيقظ كل صباح ولا أجدها بجانبي، فأغمض عيني مرة أخرى بأملٍ ضعيف أنني كنت في حلم، وأنني عندما أفتحهما سأجدها أمامي... لكنه يبقى مجرد سراب.
انسابت دموعها على وجنتيها وهي تكمل بصوتٍ مكسور:
- أنت لا تعلم حجم المعاناة التي أعيشها عندما أذهب إلى المدرسة وأرى نظرات السخرية والشفقة من الجميع. لا تعلم كمية الإحباط والألم الذي يغزو قلبي بسبب بعدها عني.
ازدادت دموعها وهي تبتسم بحزن:
- كانت في كل صباح تعطيني قبلة عندما أستيقظ، وقبل أن أخلد للنوم.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالوجع:
- كانت كالأم بالنسبة إلي في أغلب الأوقات يا ديفيد.
مسحت دموعها التي انهمرت على وجنتيها، لكن ذلك لم يمنع ديفيد من التقدم نحوها واحتوائها بين ذراعيه.
انفجرت رلين بالبكاء وهي تتشبث به كالطفل الصغير، فقد أصبحت هشة وضعيفة لدرجة أن من يراها الآن يجزم أنه يرى رلين أخرى تمامًا.
طرقت جوليا الباب، فابتعدت رلين سريعًا عن أحضان ديفيد، ومسحت دموعها بظهر كفها.
ابتسمت جوليا عندما التقت عيناها بعينيها، ثم جلست بجانب رلين، وتنهدت بهدوء:
- لقد جئت لتوي من عند الطبيبة.
التفتت إليها رلين بفضول، لتكمل جوليا بابتسامةٍ حانية:
- إنهما فتاتان.
وضعت رلين يديها على فمها بغير تصديق، ورمشت عدة مرات، ثم تحدثت بسعادة لم تستطع إخفاءها:
- أقسمي يا أمي.
ضحكت جوليا بخفة قبل أن تجيبها:
- أقسم بالرب أنها تحمل بداخلها طفلتين.
كادت أن تكمل حديثها، ليتقدم جرير وهو يحمل أليكسندر على كتفيه، مخاطبًا إياها بتعجب وفرح:
- من التي تحمل طفلتين؟ ألينا؟
هزت جوليا رأسها نافية، وأجابته بحذر:
- لا، إنها ريليان.
توقف جرير مكانه وكأن الكلمات أصابته في مقتل، ثم سألها بصدمة:
- وهل خرج زوجها؟
نظرت إليه بسخرية، ليغمض عينيه بقوة. لم يحسب حساب حفيده القادم، والأسوأ أنهما طفلان وليس طفلًا واحدًا.
أنزل أليكسندر من على كتفه، ثم خاطبها بهدوء:
- وكيف حالها؟
أجابته جوليا وهي تزفر بثقل:
- ليست بخير. إنها تتألم بسبب ابتعاد زوجها عنها، لقد ذبلت وردتي.
ثم أكملت بغصة:
- أخبرتنا الطبيبة أن تبتعد عن أي توتر أو قلق، لأن ذلك يؤثر على حياة الأجنة. أرجوك يا جرير، اسحب شكواك وأجبر أمبر على التراجع من أجل حفيداتك القادمات.
توجه نحو الباب، ثم أجابها على مضض وهو يتنهد:
- سوف أفعل ما بوسعي يا جوليا، إن الحكومة الكاثوليكية تسعى إليه منذ زمن، لكن أعدك أن يخرج منها قبل وضعها لهما.
««::::::::::::-::::::::::::::»»
ضغط همام على جبينه بيده عندما شعر بالدوار يقتحم جسده فجأة، وكأن قوة خفية سحبت الأرض من تحت قدميه. حاول أن يتمالك نفسه، أن يخفي ضعفه كما اعتاد دائمًا، لكنه هذه المرة لم يستطع... خانته قوته وسقط أمام عيني سارة.
خرجت منها صرخة ممزوجة بالرعب، صرخة تحمل كل خوفها عليه وكل عجزها عن حمايته.
بدأ الظلام يحيط به تدريجيًا، وابتعدت الأصوات من حوله وكأنها تأتي من مكان بعيد، وكان آخر شيءٍ رأته عيناه قبل أن تغلقا هو وجهها... وجه سارة المليء بالدموع والخوف، وكأن قلبه كان يودعها للحظة أخيرة.
تجمدت سارة في مكانها، لم تتحرك، لم تستطع حتى أن تصرخ مرة أخرى. بقيت تحدق بجسده الملقى أمامها وكأن عقلها يرفض استيعاب أن الرجل الذي كان دائمًا سندها وقوتها أصبح الآن عاجزًا أمامها.
اقتربت ابتهال مسرعة بعد سماع صرختها، وما إن وقعت عيناها على همام حتى شعرت بقلبها ينقبض، ثم التفتت إلى سارة لتجد أمل متشبثة بها وهي تبكي بقوة.
صرخت بها محاولة إيقاظها من صدمتها:
- سارة! أحضري زجاجة عطر لزوجكِ.
لكن سارة بقيت مكانها، كأن كلمات والدتها لم تصل إليها، وكأن العالم توقف عند لحظة سقوطه.
أسرعت خديجة بدلًا منها، تحمل زجاجة العطر بيد مرتجفة، بينما وضعت يدها الأخرى على أنفها بسبب الرائحة التي أثقلت عليها وجعلتها تشعر بالغثيان.
اقتربت ابتهال منه، ووضعت القليل من العطر أمام أنفه، تنتظر أي حركة، أي إشارة تطمئن قلبها... لكنه بقي ساكنًا.
تضاعف خوفها، وبدأ قلبها يخفق بعنف، فأعادت المحاولة وهي تناجي الله في سرها:
"يا رب، لا ترينا فيه بأسًا يبكينا، يا رب أعده إلينا سالمًا."
وبعد لحظات بدت لها كأنها دهر كامل، تحركت أهدابه ببطء.
بدأ يرمش تدريجيًا، ليعود الوعي إليه.
أطلقت ابتهال زفرة طويلة من شدة الارتياح، بينما اندفعت سارة نحوه وجثت على ركبتيها بجانبه، تحدق فيه بعينين غارقتين بالدموع وكأنها تخشى أن تغمضهما فيغيب عنها مرة أخرى.
فتح همام عينيه، فكان أول ما رآه وجهها الباكي، تلك العينان اللتان تحملان خوفًا عليه أكثر مما تحملان خوفًا على نفسها.
حاول الاعتدال قليلًا، لكنه ما إن تحرك حتى عاد الصداع يضرب رأسه بقوة، فتقلصت ملامحه ألمًا وعاد بجسده إلى الخلف.
وضعت سارة رأسه على قدميها، وخرج صوتها مرتجفًا من شدة الخوف:
- أمي... اتصلي بالطبيب بسرعة، أرجوكِ.
أمسك همام يدها محاولًا طمأنتها، ورغم الألم حاول أن يمنحها ابتسامته المعتادة:
- إنني بخير يا أمي، لا داعي للطبيب.
نظرت إليه ابتهال بعينين ممتلئتين بالقلق، وهي ترى ما يحاول إخفاءه:
- أنت لست بخير يا بني... انظر إلى حالك.
أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، يحاول أن يستعيد توازنه:
- إنني بخير، صدقيني... إنه دوار بسيط لا أكثر.
ثم رفع عينيه نحو أمل التي كانت تحتضن خديجة بخوف، فابتسم لها رغم تعبه، وكأنه لا يريد أن يرى الحزن في عيون طفلته:
- أنا بخير يا أميرتي، لا تقلقي... هيا ابتسمي من أجلي.
حاول أن يعتدل، لكنه شعر بذلك العجز الذي لم يعرفه من قبل.
كان دائمًا الرجل الذي يحمي الجميع، الذي يقف أمام مخاوفهم، الذي يحمل أحزانهم عنهم... لكنه الآن كان هو من يحتاج إلى من يمسك بيده.
لأول مرة شعر أن جسده يخونه، وكأنه مقيد بسلاسل لا يستطيع كسرها. كان الصداع يزداد ضراوة، يهاجمه بلا رحمة، وكأن وحشًا يحاول انتزاع قوته منه قطعةً بعد أخرى.
شعر بدموع سارة تسقط على وجهه، ففتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها بحنان رغم ضعفه:
- حبيبتي... أنا بخير، لا تقلقي. فقط دعيني قليلًا حتى أرتاح وأستجمع نفسي.
حاولت سارة أن تسيطر على انهيارها، أخذت نفسًا عميقًا وهي تمسح دموعها، ثم رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها من أجله فقط.
بادلها همام ابتسامتها، وكأنه وجد فيها القوة التي عجز عن إيجادها في جسده.
ثم أغمض عينيه بهدوء، محتفظًا بصورة ابتسامتها الأخيرة... ابتسامتها التي كانت دائمًا وطنه، وبعينيها اللتين كان يشعر أنه يضيع في مجرتهما كلما نظر إليهما.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!