صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 150 من 150
وضع القراءة:

الفصل المئة وخمسون (النهاية)

**
تقدمت نحوه بخطوات مترددة، ودموعها متجمعة في عينيها، رفع رأسها بإصبعه بعدما جلست بجانبه منكسة الرأس، بينما خاطبها بهدوءٍ يناقض ما بداخله:
- أخبريني بصدق يا سارة...أما زلتِ تحبينه؟ وترغبين بالعودة إليه حقًا؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أومأت له بالإيجاب، تنهد سليم، ثم احتضنها بحنان، وراح يمسح على شعرها بعدما بدأت دموعها تنساب على وجنتيها.
خرج صوتها مرتعشًا من شدة البكاء:
- لقد سامحته يا سليم.. أشعر أنني ناقصة بدونه، تؤلمني روحي لبعدي عنه، أشعر وكأنني غريبة في موطنٍ آخر...وهو موطني الأصلي.أحبه...وما زلت أحبه لدرجة أنني أضحي بعمري من أجله.
ابتعدت عن حضنه، ومسحت دموعها، ثم أكملت بضعف:
- أنت لم تره بعد هذه السنوات...لقد تغير كثيرًا، لم يعد همام السابق، أعلم أنه آلمني كثيرًا...لكنه حبي الأول والأخير يا سليم، لقد كان زوجي، ولا أتخيل نفسي بجانب أحدٍ غيره.
قبل رأسها بحبٍ كبير، ثم أبعدها عنه فصغيرته...ما زالت مجنونة بذلك الرجل، مسح دموعها، ثم تحدث بصرامةٍ امتزجت ببعض الخبث الذي أعجبها:
- سيحدث ما تريدين يا سارة...لكن دعينا نلعب بأعصابه قليلًا، ما رأيكِ؟
قهقهت بخفة، ثم أومأت موافقة:
- حسنًا...هذا أفضل، كي يتعلم.
ابتسم سليم بخبث، ثم حذرها:
- أخبريه بعد أسبوع من الآن أنني علمت بالأمر...وأنني غير موافق عليه إطلاقًا، ولا تنسي أن تستخيري الله في ذلك.
ثم تذكر شيئًا آخر، فخاطبها بسرعة:
- بالمناسبة...هاتفني خالي هاشم وأخبرني أن سمر وزوجها سيأتيان من الخارج غدًا، إياكِ أن تخبري خديجة بذلك، لا أريد شجارًا بيننا، اتفقنا؟
أومأت له وهي تضحك بقوة، ثم رفعت قلبها بالدعاء إلى الله أن تسير الأمور على خير.
          «::::::::::::::-::::::::::::::»»
وقف سليم وهو يحمل ابنه "أحمد" بين يديه، ودموع الفرحة عالقةٌ في أهدابه الطويلة، أخيرًا خرج صغيره من حضانة الأطفال، فقد وُلد قبل ثلاثة أشهر، وكان قد تعرّض لنقصٍ في الأكسجين عن دماغه بسبب ولادته المبكرة في الشهر السابع، مما اضطر الأطباء لوضعه في الحضانة حتى تتحسن صحته.
رفع نظره نحو خديجة وهو يقبّل جبينه بحبٍ وشوق، لتتقدم منه الأخرى راكضةً بدموعٍ لا تتوقف، غير مصدقة ما تراه أمامها. فقد كانت تذهب إلى المشفى كل يوم، تقوم بإرضاعه رضاعةً طبيعية، ثم تعود إلى منزلها مع سليم، تنتظر اليوم الذي يعود فيه طفلها إلى أحضانها.
أخذه منها سليم بحرصٍ شديد، لتحتضنه بشوقٍ عظيم، حامدةً الله على عودة طفلها إليها بصحته الكاملة.
لفّ سليم يده خلف ظهر خديجة، بينما أمسكت يده الأخرى بأنامل الصغير برفق. فقد ذهب اليوم بمفرده كي يحضره دون علمها، يريد أن يجعلها تعيش هذه المفاجأة التي انتظرتها طويلًا.
تقدمت ابتهال مبتسمة، وخلفها الأطفال يركضون بحماسٍ كبير كي يشاهدوا أخاهم الصغير الذي انضم إلى هذه العائلة، ليزيدها جمالًا وحبًا.
جلست خديجة، ليلتف حولها أبناؤها وهم يشاهدون قطعة السكر الصغيرة التي تشبه الدمية، مما جعل بسمة تخرج صوتها بعد أن قبّلت وجنته بحبٍ وطفولة:
- هل سيبقى معنا أمي؟
أومأت لها بسعادة وهي تجيبها:
- إن شاء الله سيبقى حبيبتي.
صفق الأطفال بسعادة، مرحبين ببقائه بينهم دون عودة إلى المشفى، ليرتفع رنين جرس المنزل في تلك اللحظة.
توجه سليم نحو الباب وقام بفتحه، لتظهر سارة أمامهم بابتسامةٍ واسعة وسعادةٍ كبيرة، وهي تضع حقيبتها في يد أمل التي جاءت معها:
- حمدًا لله على سلامته، أعطني المارشملو هذا لأكله.
وضعته الأخرى بين أحضانها، لتتقدم سارة وتقبّل وجنة أحمد بحبٍ كبير، ثم أخذت تشتم رائحته بفرحة:
- كم أحبك أيها الصغير، أريد تناولك حقًا.
ضحكت ابتهال بخفة وهي تلعب بخصلات دينا الشقراء التي كانت تنظر إلى أحمد الصغير، ثم أجابتها مازحة:
- أحضري واحدًا أنتِ وهمام وتناوليه بعيدًا عنه.
توردت وجنتا سارة بخجل قبل أن تجيبها:
- سيأتي يا أمي بعد ثمانية أشهر.
وضعت ابتهال يدها على فمها، شاهقةً بعدم تصديق:
- حقًا؟! أتمزحين؟
هزت سارة رأسها نافيةً، قبل أن تجيبها بسعادةٍ حقيقية:
- إنني حامل أمي.
احتضنتها خديجة بسعادةٍ كبيرة، قبل أن تلمع الدموع في عينيها وهي تخاطبها بصدق:
- مبارك سارة، أقسم أنني سعيدة جدًا... إن هذا اليوم أسعد يومٍ في حياتي.
أبعدتها سارة عنها مازحةً وهي تضحك بخفة:
- لقد خنقتِني يا فتاة، ابتعدي عني.
ابتعدت عنها خديجة وهي تضحك بخفة، ثم أجابتها بمكر:
- مخادعة، أعرفك جيدًا... أبعدتِني ليس من أجلكِ، بل من أجل الصغير الذي في أحشائكِ.
سألتها ابتهال بابتسامة بعدما احتضنتها:
- أين همام سارة؟ أم أنكِ جئتِ بمفردكِ؟
أجابتها والابتسامة تملأ محياها:
- لقد تركته مع غريمه سليم في الخارج، وجئت مسرعةً كي أرى أحمد.
ضحكت ابتهال بقوة حتى أدمعت عيناها، ثم أجابتها:
- يا فتاة، أخشى أن يتعاركا كآخر مرة التقيا فيها.
هزت سارة كتفيها بعدم مبالاة وهي تجيبها:
- دعيهم وشأنهم يا أمي، يبدو أن هذه طريقتهم.
نظرت سارة إلى أحمد، وعادت بذاكرتها إلى ما قبل ثلاثة أشهر، عندما أخبرت همام أن سليم رافضٌ تمامًا عودتهما.
نظر إليها همام معتدلًا، والغضب يشتعل في عينيه:
- لا يهمني سارة موافقته، ما يهمني حقًا هو موافقتكِ أنتِ.
كتمت ابتسامة كادت أن تفلت منها، ثم أجابته بجمودٍ نجحت في إظهاره:
- موافقتي من موافقة أخي يا سيد همام.
ضرب الحائط بغضبٍ أكبر، متحدثًا بصوتٍ مرتفع غير مهتم بالمكان الذي يتواجد فيه:
- سارة، لا تصيبيني بالجنون. لقد أعطيتِني وعدًا بموافقتكِ، وقد كنت أنتظركِ على أحرّ من الجمر. انظري إليّ وأخبريني أنكِ لا تريدينني في حياتكِ.
نظرت حولها، رافضةً النظر إليه، مما جعله يضغط على رأسه بقوةٍ من شدة التوتر.
- انظري إليّ... إن اضطر الأمر لخطفكِ سوف أفعل ذلك، أقسم. وليفعل أخوكِ ما يشاء، لكن عدم ردكِ يعني موافقتكِ.
كادت أن تجيبه، لولا دلوف سليم بهيبته المعتادة، واتزانه وهدوئه الذي يخفي خلفه غضبه:
- أعد ما قلت.
زفر همام بقوة، مجيبًا إياه بتحدٍ واضح:
- لا تهمني موافقتك يا سليم، طالما أن سارة موافقة.
ابتسم سليم بسخرية، ثم جلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى، قبل أن يتحدث ببرود:
- وهل أخذتَ موافقتها من قبل حين رميت يمين الطلاق عليها يا رجل؟
قلب همام عينيه بضيقٍ من تذكر الماضي، ثم أجاب:
- كانت لدي أسبابي الخاصة، ثم إنني لم أشأ أن يحدث كل ذلك. كنت أظن أنني سأجعلها أفضل من بعدي، لكنني كنت مخطئًا.
أحنى سليم زوايا فمه بتعجب، ثم صفق بيديه بسخرية أكبر:
- الرجل الحنون الذي يخشى على مشاعر الآخرين... لقد أعجبني أداء تمثيلك.
اعتدل واقفًا، ثم تقدم نحوه وضربه بخفة على صدره وهو يكمل:
- لا يهمني ندمك واعتذارك يا همام، لن تعود إلى سارة... انتهى الكلام.
أمسك همام بيد سليم، والغضب يملؤه من كل جانب، لكنه حاول التحكم بصوته قدر المستطاع:
- ليس هذا وقتك يا سليم، إن كانت سارة موافقة على العودة إليّ، وأقسم برب العزة الذي خلقني وخلقك، لن يقف أي شخص في طريقنا. أختك راشدة وكبيرة بما فيه الكفاية لتختار قراراتها بنفسها.
نظر سليم إلى عروق همام البارزة، فرأى الإصرار واضحًا في عينيه، ثم أجابه بهدوء:
- أرى أنك كبرت وأصبحت رجلًا لتتحدث هكذا.
ضغط همام على أسنانه بقوة، يكاد يسحقها من شدة غضبه:
- لا تجعلني أتهور يا سليم. دع الأمر يمضي بخير، وأعدك أنك لن ترى الحزن في عينيها مرة أخرى.
أخفى سليم تعابير وجهه، ثم خاطبه بجمودٍ نجح في إظهاره:
- سوف أعطيك شرطًا يا همام، وإن نفذته سوف أوافق على عودتكما سويًا.
تهللت أسارير همام بسعادة، ليسأله بحماسٍ واضح:
- ما هو؟ أخبرني به.
كتم سليم ضحكة كادت أن تفلت منه، ثم أجابه:
- سأرسله لك برسالة بعد يومين أو ثلاثة، دعني أفكر بالأمر. ما زال رقمك كما هو، أليس كذلك؟
أومأ له همام بتأكيد، والابتسامة تشق طريقها إلى وجهه:
- أجل، لقد أعدت الرقم من جديد. إنني أنتظرك.
بعد مرور خمسة أيام، استمعت سارة إلى صوت صراخ همام القادم من الخارج، ويبدو أنه غاضبٌ للغاية.
توجهت نحو سليم الذي كان يجلس بهدوءٍ واسترخاء، يقرأ كتابًا وبين يديه كوب قهوة:
- سليم، إن همام في الخارج ويصرخ باسمك... ما الأمر؟
أغلق سليم الكتاب بهدوء، ثم توجه نحو الباب وهو يكتم ابتسامته عندما سمع طرقه القوي.
خاطب الجميع عندما تجمعوا متسائلين عن سبب الضجة:
- أمي، لا أريد أي شخص في المكان. توجهوا إلى الأعلى.
فتح الباب بعدما صعدوا، ليمسكه همام من تلابيب قميصه وهو يتحدث بغضبٍ عارم:
- أتمازحني يا سليم؟ هل هذا هو شرطك الذي تحدثت عنه؟
أبعد سليم يدي همام عن قميصه بضيق، ثم أجابه:
- وما بها الشروط؟ إنها سهلة للغاية، ليست صعبة من أجل سارة، أليس كذلك؟
مسح همام على وجهه محاولًا تهدئة ثورانه:
- لكن هذه الشروط تعجيزية.
أجابه سليم بجمودٍ وحزم:
- ليست كذلك.
نظر همام إليه بتعجبٍ كبير، ولم يجد حلًا آخر، فتقدم منه ثم لكمه في وجهه بقوةٍ كبيرة يفرغ بها غضبه:
- لا تصبني بالجنون يا سليم! أنت فعلت ذلك لأنك لا تريد عودتنا ولا تريد سعادة شقيقتك.
خرجت ابتهال واضعةً حجابها على رأسها قبل أن يشتد القتال بينهما، خاصة بعدما همّ سليم بالرد عليه، فتدخلت بسرعة:
- توقفا أنتما الاثنان، وكفاكما حركات الصبية هذه، تفضل يا همام للداخل، ولنرَ الموضوع بهدوء.
بعد عدة دقائق، كان همام يجلس أمام سليم، وكلاهما ينظر إلى الآخر بنظراتٍ حادة، وكأن كل واحدٍ منهما يريد القضاء على الآخر، كاثنين من الثيران الهائجة التي تستعد للمواجهة.
رمشت ابتهال عدة مرات بعدم تصديق وهي تقرأ الشروط التي وضعها سليم لعودة سارة إلى همام. ألهذا السبب لم يخبرها بهذه الشروط عندما سألته عنها؟ حقًا... لقد كانت شروطًا تعجيزية بكل معنى الكلمة.
أعادت قراءة الشروط مرةً أخرى، محاولةً استيعاب الأمر أكثر، فقد كانت خمسة عشر شرطًا:
"ريشة من ذيل نعامة ضائعة في غابة الأمازون، جناح صرصار أحول، شهادة وفاة هتلر مختومة من البلدية، صورة جواز سفر طارق بن زياد، ضرس ضبع مريض بمرض السكري، صورة عن عقد زواج أبرهة الحبشي، منقار دجاجة عرجاء، ذيل ثعلب بعين واحدة، لسان هدهد يتيم، شعر قرد كئيب وحزين، الضرس السفلي الأخير لدب باندا ميت منذ عشرين سنة، فردة حذاء أبي جهل، ريشة رسم دافنشي منقوعة في زيت بذور البطيخ الاستوائي، سيجارة لمقاتل روسي شارك في الحرب العالمية الأولى، شعرة بيضاء لآخر شخص قام بتدوين القرآن الكريم."
سعلت ابتهال بخفة، وهي تنظر إلى سليم الذي كان يجلس بكل هدوء، وكأنه ليس هو من وضع هذه الشروط المستحيلة، ثم أخرجت صوتها متنهدةً بعد لحظات:
- هذه شروط لا يستطيع أي شخص تحقيقها يا سليم، بصراحة لقد بالغت كثيرًا بني.
أجابها، وما زالت نظراته تخترق همام بغضبٍ واضح:
- لم أبالغ أمي، هو المتكاسل والذي يحتج بحجج واهية.
كاد همام أن يتحدث مدافعًا عن نفسه، إلا أن ابتهال سبقته وهي تجيبه بهدوء:
- لا تلعب بأعصابه يا سليم، يكفي مزاحًا معه.
نظر همام إلى سليم بغيظ، بينما حاول الأخير إخفاء ابتسامته، فقد كان يعلم جيدًا أنه لم يضع هذه الشروط إلا ليرى مدى إصرار همام على سارة، وليجعله يدرك أن استعادتها ليست أمرًا سهلًا بعد كل ما تسبب به لها.
تنهد همام بعمق، ثم تحدث وهو يحاول السيطرة على غضبه:
- سليم، أعلم أنك غاضب مني، وأعلم أنني أخطأت بحقها، لكن لا تجعل الأمر لعبة بيننا... سارة ليست جائزة أتنافس عليها، هي إنسانة أحبها وأريد إصلاح ما أفسدته.
بقي سليم صامتًا للحظات، ينظر إليه بجدية، قبل أن يجيبه بنبرة هادئة:
- أتمنى أن يكون ما تقوله صحيحًا يا همام، لأن سارة دفعت ثمن أخطائك سنواتٍ طويلة، ولن أسمح لأحدٍ أن يعيدها إلى الألم مرة أخرى.
خفض همام نظره للحظة، فالكلمات أصابته في مكانها الصحيح، فهو يعلم أنه أخطأ، ويعلم أن استعادتها تحتاج أكثر من مجرد اعتذار.
أما ابتهال، فبقيت تراقبهما بصمت، تدعو الله أن يصلح ما بينهما، ثم وجهت ابتهال حديثها لهمام بهدوء:
- لا أنا ولا حتى سليم يمكننا اتخاذ قرارٍ يخص حياة سارة يا همام. لقد وافقت على العودة إليك برضاها، كان سليم يمازحك فقط... ليست هذه شروطه، أليس كذلك سليم؟
تنهد الآخر بعمق من تدخل والدته، لكنه لم يستطع معارضتها، ليجيبها:
- أجل، ليست هذه. كنت فقط أريد أن أحرق أعصابك قليلًا ليس إلا. بصراحة لا أريد عودتك، وأنا غاضب منك جدًا، ولو سنحت لي الفرصة لقتلك لفعلت دون تردد، فقط لا أريد أن أكون سببًا في حزن ابنتي وصغيرتي سارة.
أخرج تنهيدةً مثقلة، وقد بدا صوته محذرًا وهو يوجه حديثه لهمام:
- أريدك أن تعدني ألا تحزنها أبدًا، وأقسم بالله العلي العظيم يا همام، إن جاءت سارة ولمحت أنها متألمة، لأخفينك عن وجه الأرض.
اتسعت ابتسامة همام بعدم تصديق، هل سيعود حقًا إلى حبيبته وطبيبته الصغيرة؟ اعتدل بسعادةٍ غامرة، ولم يعرف ماذا يقول:
- شكرًا لكم، حقًا شكرًا لكم. سوف آتي غدًا أنا وعائلتي لإتمام الأمور، وأنا مستعد لكل طلباتكم.
رفع سليم حاجبيه بتعجب:
- غدًا! لا، إنه قريب جدًا. اجعله بعد شهر حتى تكون سارة قد استعدت.
أجابه همام برجاءٍ وتوسل:
- أرجوك، ليس بعد شهر... إنه كثير. انظر، بعد غدٍ مناسب، اتفقنا؟ إن شاء الله؟
كاد سليم أن يعترض، لتعاتبه ابتهال بنظراتها كي يترك الأمر يسير بخير، مما جعله يتنهد بضيق. لم يكن يريد معارضتها وكسر فرحة أخته:
- إن شاء الله، وأهلًا وسهلًا بكم.
وبالطبع عاد همام بعد يومين، وتم عقد قرانهما بحبٍ للمرة الثانية، ثم زُفت بثوبها الأبيض إلى بيته الجديد بسعادةٍ حقيقية.
لكزتها خديجة وهي تغمز لها، مخرجةً إياها من شرودها:
- أين ذهبتِ؟
ابتسمت لها سارة بمرح، ثم انفجرت ضاحكة:
- في شروط سليم التعجيزية.
انفجرت خديجة ضاحكةً بقوة حتى أدمعت عيناها، ثم تحدثت بعدما توقفت عن ذلك:
- لا تذكريني... أتعلمين عندما أخبرت ريم بذلك ماذا كان ردها؟
هزت سارة كتفيها بجهل، لتكمل الأخرى وهي تضحك:
- قالت: "لو وضعوا هذه الشروط لطلاقي من إبراهيم لما فعلت، فمن أين لي بجناح صرصار أحول والخ..." بصراحة لقد رفع سليم المعيار كثيرًا بشروطه، لكنه أراد أن يعلمه درسًا قاسيًا. والحمد لله أنكِ سعيدة، وها هو ولي العهد سيشرفنا بعد ثمانية أشهر. أتمَّ الله حملكِ بخير.
ابتسمت لها سارة بحب، ليصلها صوت سليم من الخارج:
- خديجة، إلى الأعلى... يريد همام أن يرى أحمد.
اعتدلت بسرعة، متوجهةً نحو غرفتها، سامحةً المجال للآخر بالدخول.
«::::::::::::::-::::::::::::::»
       
في المساء، توجهت خديجة نحو غرفة طفلها أحمد بعدما تأكدت من نومه في مهده الصغير، لتضعه برفق وكأنها تخشى أن توقظه، أخرجت تنهيدة كبيرة تحمل تعب الأيام الماضية، فها هو أخيرًا قد خلد للنوم بعد ساعات من الاهتمام به ومتابعته.
ابتسمت بحنان وهي تنظر إلى ملامحه الهادئة، لم تكن تصدق أحيانًا أن هذا الطفل الذي أخافها قدومه كثيرًا أصبح الآن بين أحضانها، بعد تلك الأيام التي قضتها في المشفى وهي تنتظر تحسن صحته وتدعو الله أن يعيده إليها سالمًا.
شعرت بيدين تحيطانها من الخلف، يتبعها دفءٌ كبير تعرفه جيدًا، دفء الشخص الذي كان دائمًا ملجأها وأمانها.
أسندت رأسها على صدر سليم الذي جاء لتوه، يحتضنها من الخلف، فوضع ذقنه في تجويف رقبتها بحب، ثم همس:
- وأخيرًا نام المشاكس.
ابتسمت وهي تتمسك بيديه اللتين تحيطانها، وكأنها تخشى أن تفقد هذا الشعور الجميل:
- لقد أتعبني حقًا... إنه أول طفل لنا بهذه الطريقة، ربما لأنه لم يشعر بدفء أحضاني كما شعر البقية، لا أعلم.
ظل يتأمل ابنه من جانب رقبتها، يتابع ملامحه الصغيرة التي حملت لهما الكثير من الخوف والانتظار، قبل أن يجيبها بهدوء:
- ربما يكون الأمر كذلك، لكن لا تقلقي خديجة قلبي... سيعتاد عليكِ، وسيعرف أن حضنكِ هو أمانه الأول والأخير.
أغمضت عينيها بهدوء، فها هي عائلتها التي لطالما خافت فقدانها تحيط بها الآن.
زوجها بجانبها، طفلها بينهما، وقلوب أطفالها الآخرين تملأ البيت حياةً ودفئًا.
شعرت بسليم يسير بها نحو السرير برفق، لتضع رأسها على قلبه، تستمع إلى تلك السمفونية الجميلة التي تدق من أجلها خصيصًا... من أجلها هي وحدها.
تشبثت به بتملكٍ كبير، وكأنها تريد الاحتفاظ بهذه اللحظة داخل قلبها للأبد، ثم خاطبته بصوتٍ يحمل كل الحب الذي عجزت الكلمات عن وصفه:
- أتعلم سليم؟ إنني لا أنظر لأحدٍ كما أنظر إليك... فأنت امتلكت قلبي قبل أن تمتلك عيني.
صمتت قليلًا، وكأنها تسترجع كل ما مرّ بهما، ثم أكملت بابتسامةٍ هادئة:
- أتعلم أمرًا؟ أنا لا أريد شيئًا من الدنيا، فأنا أشعر أنني أخذت نصيبي من الفرح حين أحببتك، وأخذت نصيبي من السعادة حين تزوجتك وأصبحت ملكك.
ارتفعت قليلًا تنظر إلى عينيه البنيتين، وفي عينيها عتابٌ ممزوجٌ ببعض الحزن:
- لكنك لم تعد تصفني كما كنت تفعل سابقًا... هل قلَّ مقدار حبي في قلبك؟
نظر إليها سليم بتعجبٍ كبير، متأملًا تفاصيل وجهها الهادئ والجميل، ذلك الوجه الذي حفظ ملامحه في كل حالاتها؛ في فرحها، وفي ضعفها، وفي لحظات خوفها التي كان يتمنى لو يستطيع حملها عنها. رأى ذلك الحزن الخفيف الذي طغى على ملامحها رغم كل السعادة المحيطة بهما، فأراد أن يمحو عنها حتى أصغر شكٍ في قلبها.
رفع يده يلامس وجنتها بحنان، ثم أجابها بصوتٍ يحمل حبًا لا يتغير:
- كيف تقولين ذلك خديجة قلبي؟ فأجمل شيء في حياتي هو أنتِ، وأكثر ما أتمناه هو أن تدوم حياتي معكِ حبيبتي. أنتِ لم تكوني يومًا مجرد امرأة أحببتها، بل كنتِ دعائي حين خفت، وطمأنينتي حين اضطرب قلبي، والقوة التي جعلتني أواصل الطريق رغم كل ما مررنا به.
ابتسم لها بحب وهو يتذكر كل لحظة جمعتهما، كل دمعة سقطت، وكل خوف مرّ عليهما حتى وصلا إلى هذا الهدوء:
- عندما وصفتكِ بالورود تزينت ورود الكون واستمدت رحيقها من عطركِ يا أجمل نساء الكون، وعندما وصفتكِ بالقمر ازداد جمالًا وبهاءً، وعندما وصفتكِ بالبحر هدأت أمواجه وتجمل البحر بلآلئه.
اقترب منها أكثر، ووضع خصلاتها التي حجبت وجهها وخجلها عنه خلف أذنها برفق، وكأنه يريد أن يرى عينيها بوضوح، تلك العينين اللتين أحب فيهما كل شيء:
- حبيبتي، عندما وصفتكِ بالشعر ازدادت الكلمات من سحر الغرام والغزل، وعندما وصفتكِ بالجميلة تجملت كل نساء الكون من جمال حسنكِ يا ضيّ القمر، وعندما وصفتكِ بالرقيقة أصبح كل شيء حولي رقيقًا يا ملاك الروح.
توقف قليلًا يتأملها، وكأن كل الكلمات في العالم لا تكفي لوصفها، ثم أكمل بابتسامة عاشقة:
- لكنني نسيت أن أصف أجمل ما فيكِ... نسيت أن أصف صبركِ الذي جعلني أتعلم معنى القوة، وقلبكِ الذي احتمل الألم وبقي قادرًا على الحب، وروحكِ التي جعلت منزلي وطنًا.
ثم أكمل مستفهمًا أكثر مما هو متعجب:
- فبماذا أصفكِ بعد؟! بالوردة أم بالقمر أم بالبحر أم بالشعر أم بالجميلة الرقيقة؟ فكل شيء من حولكِ جميل يستمد منكِ الجمال حبيبتي، حتى أنا أصبحت شخصًا آخر منذ دخلتِ حياتي.
مسح دموعها المنهمرة من عينيها اللتين تلمعان بحب، ثم أكمل بابتسامة هادئة:
- خديجة قلبي... باختصار أنا مجنونٌ بكِ.
لم تجد خديجة كلماتٍ تليق بما شعرت به في تلك اللحظة، فاحتضنته بحبٍ كبير، والسعادة تملأ قلبها. شعرت أنها لم تخسر شيئًا من كل ما مرت به، فكل ألم قادها إلى هذه اللحظة، وكل خوف أوصلها إلى هذا الأمان.
فزوجها وحبيبها ما زال يحبها أكثر مما تحبه، وما زال يراها أجمل نعمة حصل عليها في حياته.
أما سليم فشدّد من احتضانه لها، وأغمض عينيه بقلبٍ ممتن، داعيًا الله ألا يحرمها منه، وأن تبقى معه حتى آخر نفسٍ في حياته.
فقد انتهت سنوات الخوف والانتظار، وانتهى الصراع الذي أنهك قلبيهما، ولم يبقَ سوى السلام الذي بحثا عنه طويلًا... سلامٌ جاء بعد الصبر، وحبٌ بقي رغم كل شيء، وعائلة اكتملت بفضل الله.
وهكذا لم يكن انتصارهما في أن تخلو حياتهما من الألم، بل في أنهما وجدا بعضهما بعد كل ألم، وتمسكا ببعضهما حتى وصلا إلى النهاية التي تمنياها.
«« ::::::::::::::: تمت بحمد الله ::::::::::::::»»
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.