الفصل التاسع والستون
**
خرجت كلماتها محملة بالكثير من الدعاء والأمل، لكن سرعان ما غلبتها مشاعر الفقد، فانحدرت دموعها بهدوء على وجنتيها.
نظر إليها سليم باستغراب ممزوج بالحنان، ثم رفع يديه يمسح دموعها متسائلًا:
- لِمَ البكاء الآن؟
لم تجبه مباشرة، فقط ابتسمت بابتسامة حزينة وقالت:
- تذكرت عائلتي فقط.
زفر قليلًا، ثم خاطبها بصوتٍ يحمل احتواءً لفقدها:
- ماذا قلت لكِ يا ريليان؟
مسحت بقايا دموعها، وأجابته بابتسامة ضعيفة:
- لذلك توقفت عن البكاء يا سليم... لكنني اشتقت لأختي ووالدتي.
نظر إليها للحظات، ثم قال مفكرًا بطريقة تحاول إخراجها من حزنها:
- ما رأيكِ أن نقرأ كتابًا صغيرًا؟
أومأت له، رغم عدم اقتناعها تمامًا، ثم وضعت يدها داخل يده بأنامل مرتجفة بعدما مدها إليها.
شعرت بارتجاف يده أيضًا.
لم يكن وحدها من يشعر بثقل هذه اللحظة.
سارا معًا نحو مكتبته، فأخرج كتابًا بلون برتقالي فاتح، ثم اتجها نحو السرير وجلسا بجانب بعضهما.
نظرت إلى عنوان الكتاب بفضول، ثم قرأته بصوت هامس:
"أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها".
ابتسم لها، وكأنه تذكر أمرًا مهمًا، ثم سألها:
- قبل ذلك، هل حفظتِ ما طلبته منكِ؟
أومأت له بثقة:
- أجل، ولقد حفظت عروس القرآن أيضًا.
اتسعت ابتسامته، وبدأت ريليان بتسميع ما حفظته، كما اعتادت معه من قبل.
كان صوتها هادئًا ومتزنًا، يحمل صدقًا جعل قلبه يتأثر أكثر مما توقع.
وعندما انتهت، قبّل جبينها بعمق، غير مصدق أنها حفظت ما طلبه منها بهذه السرعة والإتقان.
أمسكت بالكتاب الذي كان بين يديه، وبدأت تقرأ، محاولةً الهروب من خجلها ومن نظراته التي تحمل إعجابًا لم تستطع تجاهله.
كانت تعلم أنه لا يحبها بعد...
لكنها رأت في عينيه شيئًا مختلفًا.
إعجابًا صغيرًا، بداية شعورٍ ربما يكبر يومًا.
وستحاول بكل ما تستطيع أن تجعل ذلك الإعجاب يتحول إلى عشق.
ضمها إليه قليلًا، فغمرها الخجل، وسكنت بين ذراعيه للحظات، تشعر بأن أمنيتها التي طال انتظارها أصبحت حقيقة.
لتصبح بعد وقتٍ زوجةً له أمام الله وأمام القانون.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
ضحكت سارة بخجل وهي تهاتف همام، لتنظر إلى والدتها وابتسامة سعيدة تزين ثغرها. فهي لا تحب أن تحادثه إلا بوجودها، رغم اعتراض ابتهال، لكن سارة كانت تصر على ذلك.
سألها همام بعدما التمس الخجل في صوتها، مغيرًا مجرى الحديث:
- انظري يا سارة، لقد وعدت سليم ألا أعيق دراستكِ، وسوف أفي بوعدي هذا. وصدقيني لن تشعري بأي تغير في روتين حياتكِ.
جلست بجانب ابتهال لتجيبه:
- أجل، لقد أخبرني سليم بذلك. أخبرني، كيف أصبحت أمل الآن؟ لقد تعبت قليلًا أثناء الحفل.
نظر إلى أمل النائمة بين يديه، ليجيبها بحب:
- إنها أفضل، الحمد لله. لقد أعطيتها دواءها ثم نامت، ولم تشأ أن تنام قبل أن أخبرها بقصة قصيرة كالمعتاد.
أومأت برأسها وكأنه يشاهدها، ثم قالت:
- اعتنِ بها جيدًا يا همام، إنها متعلقة بك كثيرًا، وحاول أن تقلل من سفرك من أجلها.
خاطبها بمزاح وهو يضحك:
- من أجلها أم من أجل من تحل زوجة عمها؟
ضحكت بخفة، لتجيبه مخبئة خجلها:
- من هذه زوجة عمها؟ إنه من أجلها، ثم إنني أعتبرها ابنتي يا همام وليست ابنة أخيك.
خاطبها بضيق مصححًا اسمَه:
- تقصدين همام يا سارة.
حركت ابتهال رأسها عندما خاطبته باسم سليم وليس همام، لتعبث سارة بشعرها بخجل:
- لم أكن أقصد سليم، أقصد همام.
أغمضت عينيها بضيق لأنها تخلط بين اسمه واسم سليم، ثم أكملت بندم:
- لا أقصد... همام.
نظر إلى الساعة ليجد أن الوقت قد تأخر، وقد وعد سليم ألا يتحدث معها لوقتٍ طويل من الليل، فقال:
- لا عليكِ حبيبتي، فأنتِ لستِ معتادة بعد.
سألته مستفسرة بحزن:
- هل أخذت على خاطرك؟
أجابها نافيًا بصدق:
- صدقيني، لم آخذ على خاطري، لكن بعد مدة إن استمررتِ بالخلط بيني وبينه سيكون هناك حديث آخر يا سارة. والآن تصبحين من أهل الجنة، وأوصلي سلامي لخالتي ابتهال.
ابتسمت وهي تجيبه برقة:
- وأنت من أهلها، سأقبل أمل نيابةً عني أيضًا.
أغلقت الهاتف، ثم نظرت إلى ابتهال التي اختفت، ويبدو أنها خرجت قبل قليل دون أن تشعر بها.
توجهت نحو السرير بسعادة كبيرة، وهي تنظر إلى الحلقة الذهبية التي تزين إصبعها البنصر.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
كان صوت بكائها المكتوم يصل إليه رغم محاولته اليائسة للهروب منه. كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالرجاء، وكأنها تنتظر منه كلمة تطمئن قلبها أو يدًا تمتد إليها، لكنه لم يستطع فعل شيء سوى أن يضع يديه على أذنيه، محاولًا عزل نفسه عن ألمها.
لم يكن يريد أن يستمع... لا لأنه لا يهتم بها، بل لأنه كان يخشى أن يضعف أمام دموعها قبل أن يصل إلى الحقيقة التي يبحث عنها.
هز قدمه بتوتر، وعيناه شاردتان في نقطة مجهولة، غير قادر على استيعاب ما حدث قبل قليل.
كيف يعقل هذا؟ أين الدليل الذي كان يظنه أمرًا بديهيًا؟ أين الشيء الذي سيجعله يطمئن بأنها لم يسبق لها أن كانت لغيره؟ لم يجده!
شعر بأن أفكاره تتصادم داخل رأسه بعنف، حتى كاد يختنق من كثرتها، يا الله، إنه يكاد يفقد عقله، حاول أن يكون عادلًا معها، حاول أن يمنع نفسه من ظلمها، لكن الشك كان ينهش قلبه بلا رحمة.
كان أمامه احتمالان لا ثالث لهما..
إما أنها ليست كما ظن، وأن هناك شيئًا تخفيه عنه، وأن شخصًا آخر قد سبق إليه... لكن كيف؟ لقد أخبرت والدته من قبل أن أحدًا لم يقترب منها.
هل كانت تكذب؟ أم أنها تقول الحقيقة؟وأغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول إيقاف تلك الأفكار قبل أن تدمره، تمهل يا سليم... لا تظلمها.
حاول أن يتمسك بالاحتمال الآخر، أن يجد لها عذرًا، أن يقنع نفسه بأنها من الفتيات اللواتي لا يظهر لديهن الأمر بالطريقة المعتادة، وأن الأمر قد يحتاج إلى طبيبة أو لا يتضح إلا في وقتٍ آخر.
لكن رغم ذلك، كان هناك صوت داخله يرفض أن يهدأ، كلما مرَّ الاحتمال الأول في عقله، شعر بألمٍ يخنقه. مجرد فكرة أن شخصًا آخر قد اقترب منها كانت كافية لتجعله عاجزًا عن التفكير، وكأنه سقط في بئرٍ عميقة لا يرى لها قاعًا، ولا يجد يدًا تمتد لإنقاذه.
هوى قلبه بين الغضب والارتباك والخوف من أن يكون قد ظلمها، لكنه لم يستطع تجاهل ما يشعر به.
زفر بضيق، ثم اعتدل في جلسته بعدما كان جالسًا على المقعد، واتخذ خطوات بطيئة نحوها، لم يكن يريد جرحها، لكنه كان يريد أن يقتل هذا الشك الذي بدأ يأكله من الداخل قبل أن ينهار.
رفعت ريليان عينيها إليها عندما شعرت بجلوسه بجانبها، وكانت الدموع تغطيهما حتى أصبح لونهما أحمر من شدة البكاء، تمامًا كلون وجهها الذي أنهكه الانكسار، نظرت إليه بصمت، تنتظر منه شيئًا... أي شيء.
لكنه أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع شجاعته لسؤالٍ يعلم أنه قد يؤلمها، ثم قال بصوت هادئ يحمل الكثير من التردد:
- لدي سؤال، وأريد إجابة واحدة فقط... أريدكِ أن تجيبي بصدق، لأنني بحاجة إلى إنهاء هذه الشكوك التي تقتلني، وربما نجد حلًا معًا.
توقفت أنفاسها للحظة، وكأن قلبها شعر بما سيأتي قبل أن ينطق به، ثم أكمل وهو ينظر إليها بترقب:
- هل اقترب منكِ أي شخص من قبل؟ أعني... هل كانت لكِ علاقة سابقة؟
ساد الصمت بينهما، صمت كان أثقل من أي كلمة، نظرت إليه ريليان طويلًا، وكأنها تحاول استيعاب أنه هو من قال هذه الكلمات. هو الذي كانت تراه ملجأها وأمانها، هو الذي ظنت أنه أكثر شخص سيصدقها.
شعرت بشيء ينطفئ داخلها، لم يكن السؤال وحده هو ما آلمها، بل الشك الذي حمله السؤال.
أخفضت عينيها للحظة، ثم رفعتها إليه بروحٍ خالية من كل شيء،
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!