الفصل المئة والثاني عشر
**
تنهد هاشم بهدوء ليتدخل سليم متحدثًا:
- «لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».
هل أنت من أذكّره بهذا الحديث يا خالي أم ماذا؟ نحن نعيش هذه الأيام شهرًا آخر يُعد تمهيدًا لرمضان، وهو شهر شعبان، ونحن مقبلون على شهر رمضان العظيم. ألا تعلم أن المتخاصمين لا تُعرض أعمالهم على الله حتى يصطلحوا؟
ثم أردف:
- وأيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعرض الأعمال في كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله عز وجل لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا».
صمت قليلًا، ثم تابع:
- ليس هذا ما نريده يا خال. دعنا نعود عائلةً من جديد. وأعتذر عن رفض طلبك بالزواج من ابنتك، لكنني لا أريد أن أتزوج زواج أقارب حتى لا نتسبب بمشكلة بين الإخوة، ثم نخسر بعضنا بعضًا. أعلم أن ما فعلته تسبب بمشكلة أكبر، لكن إن تزوجنا فلا أضمن المستقبل وما الذي سيحدث فيه. على الأقل انظر إلى ابنتك، وسترى الشوق داخلها كما أراه في عينيك.
التفت هاشم بجسده نحو ابتهال، التي كانت تستمع إلى سليم منذ بداية حديثه، ليجد الدموع تترقرق في عينيها.
أخذ نفسًا عميقًا، فهي ما زالت أخته الوحيدة والصغيرة.
فتح ذراعيه لها، مما جعلها تسرع الخطى نحوه، لتنعم بدفء أحضانه.
ربت على ظهرها بحنان، وقبّل رأسها، لتهمس له بصدقٍ أخوي:
- لقد افتقدتك يا هاشم... إنني أشتاق إليك دائمًا، فلا تهاجرني مرةً أخرى.
ابتسم لها، ثم عاود احتضانها متحدثًا:
- وأنا اشتقت إليكِ يا ابتهالي، وأعتذر عمّا بدر مني.
قاطعهم سليم متحدثًا بضيق، لكنه حاول أن يكون مرحًا:
- ما رأيكم بإكمال جو الاشتياق في الداخل؟ ليس منظرًا ولا لائقًا أن نقف هكذا في منتصف الطريق.
أومأ له هاشم، ليتوجه خلف سليم الذي عاد إلى قاعة النساء التي خلت، فقد كان الزفاف في قاعتين منفصلتين؛ واحدة للنساء والأخرى للرجال.
كان الزفاف أشبه بحفل زفافه، باستثناء سارة التي أرادت أمل أن ترتدي ثوبًا مشابهًا لثوبها، وبالفعل كانتا بنفس تسريحة الشعر ونفس الفستان الأبيض المرصع بالماس.
دلف سليم إلى القاعة، وأخذ يجوب بأنظاره المكان باحثًا عنها، حتى وقعت عيناه على ريليان التي كانت تمسك بيد سمر، ويبدو أن شجارًا قد نشب بينهما.
نظرت ريليان إليه، فما إن رأته حتى ارتمت في أحضانه، تشهق بقوة، مخاطبةً إياه ببكاء:
- أخرجني من هنا يا سليم... لا أريد أن أبقى، أرجوك.
مسد على ظهرها بلطف، ثم تحدث بتعجب وهو يبعدها عنه قليلًا:
- ما الذي حدث؟ هل وقع بينكما شيء؟
دفنت رأسها في صدره، وتحدثت بين شهقاتها:
- أرجوك... أريد أن أغادر هذا المكان في الحال.
تنهد سليم، ثم نقل أنظاره نحو والدته التي توجهت بدورها نحو سمر، التي كانت مصدومة من ردة فعل ريليان المبالغ بها، ليخاطبها بهدوء:
- حسنًا، سوف نغادر، لكن كفاكِ بكاءً.
ابتعدت عنه وهي تمسح دموعها بكف يدها، ثم سارت بجانبه، لكنها توقفت فجأة، وتحدثت بضعف:
- سليم... لا أستطيع السير، أشعر بالدوار، ومعدتي تؤلمني.
خاطبتها ابتهال بقلقٍ واضح:
- ما بكِ يا حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بتوعك؟ سامحكِ الله، لقد أخبرتكِ ألّا تجهدي نفسكِ، خاصةً في أشهر حملكِ الأولى.
فتحت سمر فمها بصدمةٍ كبيرة بعدما علمت بأمر حمل ريليان، لتنظر إليها الأخرى بطرف عينها، واضعةً أصابع يدها على صدغها، ثم تحدثت بضعف:
- لا أعلم يا أمي... لقد أُرهقتُ كثيرًا اليوم.
تنهد سليم، ثم انحنى قليلًا حاملًا إياها بين يديه، فتعلقت الأخرى بعنقه بتملك، وهي تنظر إلى سمر بمكرٍ واضح.
خاطب سليم ابتهال بهدوء:
- سوف أضعها في السيارة ثم أعود.
جزّت سمر على أسنانها بقوة من تصرف ريليان الطفولي وغير اللائق، ثم نظرت إلى ابتهال التي كانت تتساءل عن سبب الشجار.
أجابتها بتوتر:
- لم يكن شجارًا يا عمتي، لقد كنت أريها شيئًا، ثم لا أعلم ماذا حدث لها حتى انفجرت باكية... صدقيني.
تنهدت ابتهال بقلة حيلة، ويبدو أنها أرجعت الأمر إلى تقلبات الحمل.
خاطبها هاشم وهو ينظر إلى ابنته:
- حسنًا، دعينا نرحل الآن، ولدينا موعدٌ معًا يا ابتهال.
أومأت له، ثم سارت بجانبهم متوجهين نحو الخارج.
استقل هاشم سيارته وبجانبه سمر، بينما توجهت ابتهال نحو سيارة سليم، الذي كان قد وضع ريليان بداخلها.
ثم قاد سليم السيارة متوجهًا إلى المنزل، بعدما استقلت ابتهال بجانبه.
««:::::::::::-::::::::::::»»
دلف همام إلى غرفة أمل، ليجد سارة تنام بجانبها، فنظر بصدمةٍ وخيبة أملٍ كبيرتين مما يراه.
لقد أصرت أمل بعد وصولهم وتناولهم طعام العشاء أن تروي لها سارة قصةً قصيرة قبل أن تنام، فوافق على مضضٍ كبير، لكن أن تنام بجانبها فهذا أمرٌ يدعوه للبكاء حقًا.
لم يكن مصدقًا أمر موافقة سليم لطلبه، فهو يعلم أنه لم يوافق حتى الآن من تلقاء نفسه، وإنما كان ذلك بإصرارٍ وطلبٍ من ابتهال.
حسنًا، لا يريد أن يعلم كيف وافق، فكل ما يهمه الآن أنها أصبحت ملكه وفي بيته.
قلب عينيه للداخل، متسائلًا عمّا عليه فعله الآن، ثم زفر بقوةٍ كبيرة، ليتوجه نحو السرير.
كانت أمل تنام في أحضان سارة، فتأملها بحبٍ كبير، وتنهد تنهيدة عاشق، ثم تحدث بضيق:
- لا بد أن ما يحدث لي من خلف سليم ومعارضته... أقسم يا الله أنني مسكين وبريء، ولم أؤذِ أحدًا، فلماذا يحدث معي ذلك؟ الحمد لله على كل حال.
أعاد أنظاره نحو سارة، ثم حاول حملها بين ذراعيه كي يتوجه بها إلى غرفتهم.
وما إن اقترب من أمل ليبعدها عنها، حتى فتحت الأخرى عينيها بنعاس، متحدثة:
- ما بك يا عمي؟ لماذا لم تنم؟
أجابها هامسًا حتى لا تستيقظ سارة:
- جئتُ لأخذ زوجتي كي تنامي براحتكِ ولا تزعجكِ صغيرتي.
تشبثت أمل بسارة بخوف، مما أدى إلى تحرك الأخرى، ثم تحدثت:
- لا تأخذها وتعيدها إلى أخي سليم، أرجوك يا عمي.
أجابها بضيقٍ هامسًا:
- أعيدُ من يا فتاة؟
ثم أكمل مبتسمًا وهو يطمئنها:
- لن أعيدها، سوف تبقى معنا للأبد بإذن الله... إنها زوجتي الآن.
تنهدت براحةٍ كبيرة، لتفتح سارة عينيها كاشفةً عن سواد مجرتيها، ثم تحدثت بنعاس:
- ما الأمر؟ ما بكم؟
أجابها مبتسمًا بعدما تنهد:
- لا شيء، هيا افسحا لي المجال، أريد أن أنام بجانبكما.
نظرت سارة إلى طوله وجسده، ثم أعادت أنظارها نحو السرير الذي لا يتسع له.
صحيح أن سرير أمل كبير، لكنه يتسع لشخصين لا ثلاثة.
خاطبته بتعجب:
- لا يوجد لك متسع يا همام، اذهب إلى الغرفة الأخرى ونم هناك.
رفع حاجبه باستنكار، ثم خاطبها بتعجب:
- حقًا؟ إما أن تفسحا لي المجال، أو آخذكِ إلى الغرفة ونترك أمل هنا.
تشبثت الاثنتان ببعضهما البعض بقوة، وتحدثتا بصوتٍ واحد:
- سوف نفسح لك المجال.
ابتسم بضيقٍ لم يظهره، ليجد الاثنتين قد أفرغتا له بعض المساحة.
تنهد بهدوء، ثم اندس خلف سارة، محاوطًا خصرها وصولًا إلى يد أمل التي كانت سارة تحاوطها هي الأخرى.
قبّل وجنة سارة التي اشتعلت حمرةً من قربه هذا، ثم همس لها بهدوء:
- حسابنا بالغد، حبيبتي... تصبحين من أهلي.
أغمضت عينيها بقوةٍ وهي تبتسم، محاولةً أن تخلد للنوم بهذه الوضعية الجديدة عليها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!