الفصل المئة وستة عشر
**
خرجت ريليان من باب المدرسة وهي تجوب بأنظارها المكان باحثةً عنه، وما إن وقع بصرها عليه حتى أسرعت الخطى نحوه، ترتسم على شفتيها ابتسامة امتنانٍ كبيرة. فتح لها باب السيارة عندما اقتربت، فصعدت بجانبه، ليحرّك المقود بعد أن استقر في مقعده.
نظرت إليه بحبٍ وامتنان، ثم تحدثت بصوتٍ يحمل الكثير من المشاعر:
- شكرًا لكَ سليم، لقد أسعدتني كثيرًا... لم يعد هناك أحد يتحدث أو يدافع عني، لكنك جعلتني أشعر أنني لستُ وحدي، حقًا شكرًا لك.
ابتسم لها بهدوء، ناظرًا إلى عينيها التي لمعت بالراحة بعد يومٍ طويل، ثم أجابها بحنان:
- لا داعي للشكر حبيبتي، فهذا واجبي تجاهكِ، لكنني أشعر ببعض الضيق منكِ لأنكِ لم تخبريني بذلك منذ البداية. لو أنني لم أستمع إليكِ وأنتِ تتحدثين مع أمي لما علمتُ شيئًا. ألسنا شخصًا واحدًا ريليان؟ ألم تعديني أن تخبريني بكل شيء، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا؟
أومأت له بندم، ثم رفعت يدها تضعها فوق يده بحنان:
- أعتذرُ سليم، لكنني لم أشأ إزعاجك بذلك، كنت أخشى أن أثقل عليك أو أجعلك تحمل همي أكثر.
تنهد بهدوء، فهو لا يريد أن يعكر صفوها أو يحوّل فرحتها إلى حزن، ثم قال بلطف:
- حسنًا ريليان، لم يحدث شيء يستدعي الاعتذار، لكنني لا أريدكِ أن تخفي عني أي شيء مرةً أخرى مهما كان، اتفقنا؟
أومأت له بتأكيد، ليكمل قيادته بينما يحتضن كفها بين يده، وكأن قربها وطمأنتها أهم من أي شيءٍ آخر.
نظرت إليه بتردد، وكأنها تفكر كثيرًا قبل أن تطلب:
- سليم، هل يمكنني ممارسة رياضة الجري معك؟
نظر إليها بتعجب من طلبها، ثم خاطبها بشك:
- تمزحين، أليس كذلك؟
حركت رأسها نافيةً وهي تجيبه بجدية:
- لا، ولماذا أمزح؟ أنا أتحدث بجدية تامة، لقد اشتقت للركض بجانبك.
ضرب جبهته متذكرًا الأمر، ثم نظر إليها مجيبًا:
- أترين ماذا خلفكِ؟
نظرت خلفها باستغراب، ثم أعادت نظرها إليه:
- لا يوجد شيء.
ابتسم باستفزاز وهو يجيبها:
- إذًا لا توجد ممارسة للركض، أغلقي هذا الموضوع يا خديجة.
انفجرت ضاحكة، ثم مسحت دموعها التي خرجت من شدة الضحك لتخاطبه بغضبٍ مصطنع:
- وتقول إنه لا توجد خديجة! إنك للمرة الثالثة تقولها سليم.
ثم أكملت بسخرية:
- أوه انتظر... هل تقصد أن القلب لم يولد ولم يكتمل بي؟ حسنًا، سأصدق ذلك، لكن حقًا لقد أضحكتني.
نظر إلى ضحكتها التي يحبها كثيرًا، وأجابها بهدوء:
- إذًا أدام الله ضحكتكِ.
أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى، تضغط على عينيها حتى تمنع دموعها من السقوط. لم تكن تريد أن تفسد اللحظة بينهما أو تفتح بابًا للخلاف داخل السيارة، لكنها في داخلها كانت تدعو الله أن يكون ما أخبرها به سابقًا حقيقة، وأن لا يكون هناك شيء تخشاه.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
توقفت كيان عن الحركة، وهي ترمش بصدمةٍ كبيرة مما سمعته، ثم التفتت نحو ريم غير مصدقة:
- ويحكِ يا ريم، هل تمزحين هذه المرة؟
تنهدت ريم بهدوء، ثم أجابتها بجدية:
- لا أمزح كيان، أنتِ لا تعرفين إبراهيم حقًا. أتصدقين أنه تسبب لها بفضيحة أمام عائلتها كلها؟ لقد سترها الله قبل ذلك، فلماذا يُصر على فضحها؟ أعلم أن تصرفها كان خاطئًا، وأسأل الله أن يغفر لها، لكنها اتبعت هواها وما زين لها الشيطان.
أجابتها كيان ببرودٍ وهي تحاول فهم الأمر:
- من الطبيعي أنه سيفعل ذلك، لكن أخبريني، ما كانت ردة فعلها بعد فعلته؟
عقدت ريم حاجبيها باستغراب:
- من الطبيعي ماذا؟
أخذت كيان نفسًا هادئًا ثم شرحت وجهة نظرها:
- أن يفعل ما قام به. كل رجل يدخل في علاقة محرمة مع فتاة قد يحاول حماية نفسه عند إنكارها للأمر، فيحتفظ بما يثبت ما حدث بينهما، فما بالك بفتاة أصبحت حاملًا منه؟ صحيح أنني صُدمت، لكن في النهاية هذا تصرف متوقع من شخصٍ مثله. أخبريني، هل هاتفه شقيقها أم ماذا؟
أومأت ريم بتأكيد، ثم أجابته بعدما جلست على سريرها:
- أجل، لقد هاتفه بالأمس وشتمه، وقال له إن أختي أشرف وأطهر منك، ولو لم تكن فعلت ذلك لما تزوجتها. ثم هاتفه زوج شقيقتها وبدأ كل واحدٍ منهما بشتم الآخر، وبعدها اتصل بوالدتها وشتم سما بسبب ما حدث، ثم أغلق الهاتف في وجهها. وعندما هاتفه زوج شقيقتها مرةً أخرى أعاد...
انفجرت كيان ضاحكة، ولم تستطع إمساك نفسها أكثر، ثم تحدثت من بين ضحكاتها:
- أووه، إنني أعيش في فيلم أكشن! حسنًا، حسنًا، أكملي لنرى إلى أين سيصل المخرج بهذه الأحداث.
ابتسمت ريم ثم أكملت بحماس:
- اعتذر إليه، وقال له إنه لم يكن في وعيه وأنه فعل ذلك في لحظة غضب، وأنه مستعد للذهاب إليهم والاعتذار لهم مرةً أخر...
قاطعتها كيان باستغراب شديد:
- لحظة، لحظة... من الذي اعتذر؟ إبراهيم؟
أكدت لها ريم وهي تهز رأسها:
- أجل، وأنا شخصيًا استغربت اعتذاره، ولو لم تكن المحادثات أمامي لما صدقته.
أومأت كيان بتفهم:
- حسنًا، أكملي.
تنهدت ريم قبل أن تتابع:
- لقد كانوا مصممين على الطلاق، لكن عندما هاتفه زوج شقيقتها بدأوا يفكرون في إعادتها مرةً أخرى.
نظرت إليها كيان بعدم فهم:
- لماذا يريد إعادتها؟ لا أفهم.
زفرت ريم بضيق:
- أنا بذات نفسي لا أعلم لماذا، ولا أفهمه ولا أفهم طريقة تفكيره.
أومأت كيان بتفكير وهي ما زالت تحاول استيعاب الأمر:
- وأنا أيضًا، وبصراحة لقد ضعت في التفكير.
تنهدت ريم بخوفٍ حقيقي:
- أقسم بالله أنني خفتُ على نفسي معه.
أجابتها كيان بتفكير:
- معكِ حق، فمن الطبيعي أن تخافي، فهو شخص غير مفهوم التصرفات. لكنني أريد أن أفهم شيئًا... كيف قام بإلقاء يمين الطلاق عليها، ثم فعل كل ذلك وتسبب بفضيحة لها، وبعدها يريد إعادتها مرةً أخرى؟
ثم أضافت بسخرية وعدم استيعاب:
- حقًا لا أفهم كيف يفكر هذا الرجل، الحمد لله أنه تزوجكِ بالحلال وبطريقة طبيعية.
حمدت ريم ربها، ثم أجابتها:
- ليس لدي سوابق معه والحمد لله. سِر مستقيمًا يحتار عدوك بك، لكن الأمر الآن أنه يمسك عليها ورقةً من قبل زواجهم وهي خائفة من ذلك.
أجابتها كيان بتساؤل وهي تحاول معرفة ما تقصده:
- أتقصدين ورقة من شركة تيسير الزواج تلك؟ ليكن في علمكِ أنه يكون هناك وصل وأوراق احتياطية مع الشركة.
نظرت إليها ريم بتوجسٍ وقلق:
- هل يعني هذا أنه يستطيع أن يؤذيها بها؟
أومأت كيان بتأكيد وهي تشرح بهدوء:
- ولِمَ لا؟ لو أخذ الوصل والأوراق، أي النسخ الاحتياطية من الشركة نفسها، ولم يعد هناك شيءٌ محفوظ لديهم، فقد يستطيع فعل ذلك.
أجابتها ريم مؤكدة حديثها:
- أجل، لقد أخذه من هناك، لكنه مكتوب عليه "خالص مع الشكر".
تساءلت كيان باستفسار:
- الوصلان؟
أجابتها ريم بالنفي وهي تتذكر:
- لا، فقط واحد.
أومأت كيان بتفهم، ثم قالت:
- إذًا الثاني ما زال موجودًا مع الشركة.
أجابتها ريم نافيةً وهي توضح:
- لا، فقط وصل واحد، ومع الزوج لا يوجد وصلان. لقد أخبرتني أنها وقعت على ورقةٍ واحدة وليس اثنتين.
نظرت إليها كيان بتفكير ثم شرحت لها بهدوء:
- لا، يجب أن يكونا اثنين. لا يجوز أن يكون هناك واحد فقط، بل يجب أن توجد نسخة وأصلية مع المؤسسة أو الشركة التي تتحدثين عنها. قد تكون مضت على الأول، والثاني بواسطة الكربون من التوقيع الأول.
هزت ريم رأسها بتفهم:
- آه، لقد فهمت، سوف أسألها عن ذلك. بالمناسبة، سوف أسافر إلى والدتي بعد عدة أيام.
عقدت كيان حاجبيها بتعجب وبعض القلق:
- لماذا؟ هل هي بخير؟
أجابتها ريم بهدوء مطمئنة:
- لا تقلقي، إنها بخير. أنا كل سنة أسافر عندها وأقضي شهرين هناك، شهر رمضان والشهر الذي بعده، لذلك لم يكن إبراهيم يجعلني أسافر في باقي أشهر السنة بحجة أنني كثيرة السفر.
أومأت كيان بعدما اطمأنت عليها:
- تصلين بالسلامة، لكن فكري مرةً أخرى. هذه المرة لا تجعليه وحيدًا، لأنكِ تعرفين أنه لا يُؤتمن.
أجابتها ريم بعدم مبالاة:
- فليفعل ما يشاء، لم يعد يهمني في شيء.
قلبت كيان عينيها بضيقٍ من عناد صديقتها:
- ولو ناديتُ لأسمعتُ حيًّا، لن أفتح هذا الموضوع معكِ مرةً أخرى. على رأي أحدهم، إنني أنفخ في قربةٍ مخرومة. أغلقي قبل أن أحطم الهاتف على رأسكِ يا ريم.
ضحكت ريم بقوة من انفعال صديقتها، ثم أجابتها بعدما هدأت:
- حسنًا حبيبتي، اهتمي بنفسكِ. سوف أذهب لأحضر طعام الغداء.
تنهدت كيان بحب:
- أعطاكِ الله الصحة والعافية، في أمان الله.
««::::::::::::-:::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!