الفصل الخامس والسبعون
**
تنهدت ريم بسخرية بعدما استمعت إليها:
- وكيف ذلك يا عبقرية زمانك؟ هل تتخيلين أنه سيترككِ ببساطة؟
قاطعتها سما بجدية وإصرار:
- أنا أتحدث بجدية يا ريم.
ثم تابعت وكأنها رتبت كل شيء في عقلها:
- سوف نتشاجر، وسأقول له كلامًا يجرحه كثيرًا أمامكِ وأمامه، سأخبره أنني لم أعد أحتمل أطفاله ولا البيت ولا هذه الحياة.
توقفت قليلًا، ثم أضافت:
- كما أن لدي سرًا صغيرًا عن إبراهيم... سأحاول التأكد منه قبل أن أطلب الطلاق.
خفضت عينيها للحظة:
- أعلم أنني سأتألم لفراقه، لكنني سأعتاد بعد ذلك.
انفجرت ريم ضاحكة، ونهضت من مكانها وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
- الآن فقط تأكدت من ذكائكِ الخارق يا سما... إن نجحتِ في ذلك أخبريني، حتى أطلب الطلاق قبلكِ.
ثم اتجهت نحو أطفالها:
- هيا يا عمر وعلي، إلى النوم.
اعترض عليّ وهو ما زال يشاهد التلفاز:
- أمي، لا يوجد دوام، نحن في إجازة، أرجوكِ دعينا قليلًا، ثم إن أبي نائم ولن يوبخكِ.
نظرت سما إلى ريم وكأنها تطلب منها أن تسمح لهما بالبقاء.
تنهدت ريم بتردد، فهي تعلم جيدًا أن إبراهيم إن علم بأنهما بقيا مستيقظين فسوف يوبخها كثيرًا.
عادت إلى مكانها بقلة حيلة، وانشغل الجميع بأمور حياتهم اليومية، حتى قطع ذلك رنين هاتف ريم.
نظرت إلى الشاشة لتجد والدتها تتصل بها، استأذنت من سما، ثم توجهت إلى غرفتها حتى تتحدث معها براحة.
أجابت والدتها بشوقٍ كبير:
- كيف حال نبع الحنان؟
ابتسمت والدتها بحب، وجاء صوتها دافئًا:
- بخير ما دمتِ بخير... حمدًا لله على سلامة إبراهيم. اعذريني لأنني لم أهاتفكِ قبل هذا الوقت، خالد لم يقبل أن أتصل بكِ لأطمئن عليه.
تنهدت ريم بحب لأخيها واهتمامه بها:
- كيف حال خالد يا أمي؟ هل ما زال غاضبًا من إبراهيم؟
زفرت والدتها بضيق:
- أجل... في اليوم الماضي، ذلك اليوم الذي جاء فيه ليحضر صديقه من السفر، هل تتذكرين؟
أجابتها ريم:
- أجل، أتذكر. ماذا حدث؟
أجابتها والدتها بحزن:
- لقد اتفق مع صديقه أن يضربا إبراهيم ضربًا شديدًا، لكنه كان في العمل، وهذا ما أغضبه أكثر، لذلك أجّل الأمر إلى يوم مغادرة صديقه.
ثم أضافت:
- حتى إنه دعا عليه بالأمس بعدما أخبرته أنه ما زال داخل غرفة العمليات. صدقيني شعرت بالضيق لأجله.
جلست ريم على السرير متنهدة.
لم تكن تريد الاعتراف بأنها تأثرت بحال إبراهيم...
أو ربما كانت تحاول إقناع نفسها بذلك.
أجابتها بهدوء:
- هدانا الله وإياكم يا أمي. صدقيني، أحيانًا عندما أتحدث مع صديقتي وتستأذنني بأنها ستشتمه أو تدعو عليه، أنفجر ضاحكة ولا أتأثر بذلك، مع أنني أعلم أنها تفوض أمره لله و...
قاطعتها والدتها بتعجب:
- صديقتك؟! من المفترض أن رقمك لا يوجد مع أي شخص، ألم يمنعكِ إبراهيم من ذلك؟
ابتسمت ريم بهدوء:
- أجل، هذا صحيح.
ازداد تعجب والدتها:
- إذًا كيف ذلك؟
ضحكت ريم بخفة من نبرة والدتها:
- لقد صادقتها صدفة، وأحادثها على موقع للقصص.
وبدأت تخبرها عن كيان، وعن الأحاديث والمواقف المضحكة والمقالب التي تحدث بينهما.
لكنها انتبهت إلى دخول طفليها الغرفة، فأسرعت بإنهاء المكالمة:
- حسنًا يا أمي، نتحدث في وقتٍ لاحق. عمر وعلي سينامان الآن. تصبحين من أهل الجنة يا نبعي.
بعد أن تأكدت من نومهما، خرجت لتجد سما قد دخلت عند إبراهيم، فأمسكت هاتفها وتحدثت مع كيان قليلًا، ثم ذهبت بعدها للنوم.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
ارتفع رنين جرس المنزل مرةً واحدة، فتوجهت الخادمة لفتح الباب، دلف أمبر إلى الداخل برفقة إلينا، التي أسرعت نحو جوليا لتقبلها بحب، بينما اكتفى هو بمصافحة ستيف على مضض.
نظر إليه ستيف ببرود، وكأنه لم ينسَ ما حدث بينهما، أما أمبر فلم يهتم لذلك، واكتفى بسؤاله:
- هل رلين وأليس في الأعلى؟
تنهد ستيف بضيق من أسلوبه، لكنه كان يعلم أن غضبه مفهوم بعد كل ما حدث:
- أجل، في الأعلى.
لم ينتظر أمبر أكثر، واتجه نحو الدرج، صعد بهدوء، ثم طرق الباب طرقاتٍ خفيفة، فتحت له أليس الباب بسعادةٍ فور رؤيته، وسحبته إلى الداخل بحماس، ليجلس بجانب رلين التي كانت مستلقية تنظر إلى الفراغ بشرود.
راقبها للحظات، ثم خاطبها بصوتٍ هادئ:
- رلين... ركزي معي واسمعيني جيدًا، حسنًا؟
رفعت عينيها إليه ببطء.
تابع أمبر حديثه:
- أعلم أنكِ حزينة بسبب ابتعاد ريليان عنكِ، وأعلم كم يؤلمكِ ذلك، لكن ما رأيكِ أن نجد طريقة تعيدها إلينا كما كانت سابقًا؟
وكأن كلماته أخرجتها من شرودها.
اعتدلت في جلستها بسرعة، وسألته باهتمام:
- كيف هذا؟
ابتسم أمبر بعدما رأى تفاعلها، ثم أوضح:
- لقد وضعت خطة، لكنني أريدكِ أن تشاركينني بها، فبدونكِ لن نستطيع تنفيذها.
نظرت إليه بترقب، وكأنها تتمسك بأي أمل يعيد شقيقتها إليها، ترددت ملامح أمبر قليلًا، ثم أردف بتردد:
- أخشى أنكِ لن توافقي على ذلك ورب...
قاطعته بسرعة ولهفة:
- أنا موافقة.
ثم أضافت برجاء:
- المهم أنها ستعود إلينا.
ابتسم أمبر بخبث، فقد كان ينتظر هذه الإجابة، وبدأ يشرح لها الخطة، لكن مع كل كلمةٍ كان ينطق بها، كانت ملامح رلين تتغير، حتى اتسعت عيناها بصدمة:
- ما الذي تقوله يا أمبر؟! هذا سيدمرها.
أومأ لها بهدوء، وكأنه أقنع نفسه بالأمر مسبقًا:
- أجل، هذا صحيح... لكنه سيكون لمصلحتها. سنقومها بعد ذلك، لا تقلقي.
تدخلت أليس محاولةً تشجيعها:
- لا تقلقي يا رلين، ستعود ريليان السابقة إلينا. لقد صليت اليوم وطلبت من العذراء أن تعيدها إلينا، وبمشيئة الرب سيحدث ذلك.
بقيت رلين صامتة. كانت كلمات جرير ما زالت تتردد داخل رأسها...
ريليان لم تسأل عني.
ريليان تركتني.
أنا متعبة وهي غير مهتمة.
اشتعل الألم في قلبها، وتحول الحزن إلى غضبٍ مختلط بالاشتياق، إذا كانت ريليان اختارت الابتعاد عنها، فستجعلها ترى نتيجة هذا الاختيار.
رفعت عينيها إليهما، ثم أجابت بحزم:
- موافقة.
ابتسم أمبر وأليس بسعادةٍ كبيرة، لكن كل واحدٍ منهما كان يحمل سببًا مختلفًا لهذه السعادة.
أما رلين، فكانت ترى فقط طريقًا واحدًا، فقط طريق عودة شقيقتها إليها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
هبط سليم إلى الأسفل، واتجه نحو سارة التي كانت تجلس بصمت، ويبدو أن هناك أمرًا يشغل تفكيرها.
اقترب منها ثم استفسر بهدوء:
- لماذا ما زلتِ مستيقظة حتى الآن؟
رفعت نظرها إليه، ثم تنهدت وسألته بقلق:
- كيف هي ريليان الآن؟ هل هي بخير؟
زفر سليم بضيقٍ وحزن لأجلها:
- إنها نائمة طوال الوقت، فقط أوقظها للصلاة، تصلي وتدعو الله، ثم تعود للنوم مرةً أخرى.
تنهدت سارة بحزن، ثم استفسرت:
- هل حديث والدها يعني أنه لن يعود إليها؟ وأنه سيتركها وشأنها؟
أومأ سليم بهدوء، بينما كان ينظر نحو ابتهال التي اقتربت منه وبيدها كوب من المشروب الساخن، ناولته إياه بابتسامة حانية:
- تفضل يا بني، هذا لريليان. اجعلها تشربه كاملًا، سيساعدها على تهدئة أعصابها.
نظر سليم إلى الكوب، ثم حاول أن يخفف التوتر بمزاحٍ بسيط:
- وأنا لماذا لا يوجد لي كوب مثله؟ هل أصبحت هي ابنتكِ وأنا لا؟
ضحكت ابتهال بخفة، ثم أجابته مازحة:
- أجل، والآن اذهب لزوجتك واهتم بها جيدًا. إنها تحتاجك الآن وبشدة، فلا تتركها يا بني.
تنهد سليم بثقلٍ كبير مجيبها:
- إنها نائمة الآن.
أجابته بقلة حيلة مما يحدث معهم:
- إذًا اشربه أنت.
ابتسم، ثم قبل رأس سارة مودعًا، وبعدها اقترب من ابتهال وقبّل جبينها ويدها باحترام:
- أنا ذاهب إليها يا أمي.
صعد الدرج متوجهًا نحو غرفته، ثم دلف إليها بهدوءٍ شديد حتى لا يوقظها، وضع الكوب على الطاولة، واقترب منها يتأمل ملامحها بصمت.
كانت آثار الدموع لا تزال عالقة على رموشها، شاهدةً على الألم الذي أخفته خلف نومها، تنهد بحزن، ثم انحنى ليطبع قبلةً طويلة على جبينها، وكأنه يحاول أن يمنحها بعض الأمان الذي افتقدته.
وحين ابتعد قليلًا، تحركت جفناها لتفتح عينيها ببطء، ابتسم لها برقةٍ وحنان:
- كيف أنتِ الآن؟
اعتدلت ريليان في جلستها، ووضعت يدها على رأسها بألم، ثم أجابت بصوتٍ خافت:
- بخير.
توجه نحو الطاولة، وأخذ الكوب، ثم قدمه لها:
- خذي... اشربي هذا، سيخفف من ألم رأسكِ.
بقيت تنظر إليه للحظات، كانت عيناها تحملان حزنًا عميقًا، خوفًا لم تستطع إخفاءه، وكلماتٍ كثيرة تعجز عن الخروج.
ابتسم لها بهدوء، مشجعًا إياها على شربه، لكنها لم تمد يدها نحو الكوب، بل خرج صوتها مثقلًا بالألم:
- أعتذر يا سليم... كل ما يحدث لك بسببي.
انعقد حاجباه بعدم فهم، وظهر القلق في عينيه:
- ماذا تقصدين ريليان؟
تنهدت بثقل، ثم مدت يدها ببطء تتحسس جراحه التي عالجها، وكأنها تتألم مع كل أثرٍ تركته تلك المواجهة عليه:
- هذه كلها بسببي... كل ما يحدث لك من عائلتي بسببي يا سليم.
سكتت للحظة، وكأن الكلمات التالية أصعب من أن تخرج، ثم همست بانكسار:
- أنا عبء ثقيل عليكم.
نظر إليها بحزمٍ، وكأنه يرفض هذا التفكير من جذوره:
- ليس صحيحًا ريليان... من أخبركِ بذلك؟
لم تجبه مباشرة،أخفضت عينيها، تبحث عن شجاعةٍ تقول بها ما يعتصر قلبها، ثم نادته بصوتٍ خافت:
- سليم.
انتظر أن تكمل، وعيناه تراقبان ملامحها القلقة، فأبعدت نظرها عنه، وقالت بصوتٍ يحمل خوفها وحزنها:
- أريد أن أعود لعائلتي..
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!