الفصل السادس والثلاثون
**نظرت ريليان نحو الطريق، لتجد أحد الأشخاص يتقدم نحوهما. فتحت عينيها على اتساعهما، ثم نظرت إلى سارة التي كانت تحدثها برعب، لتمسك يدها وتسحبها معها كي تبتعدا سريعًا.
توقفت ريليان، وأغمضت عينيها بخوف، وهي تدعو الله أن يمر الأمر بسلام، عندما استمعت إلى صوت ذلك الشخص ينطق باسمها.
كانت سارة تسير مع ريليان وهي لا تعي شيئًا، تكتفي بمجاراة خطواتها المسرعة، ثم التفتت نحو الشخص الذي نطق باسم ريليان، لتجد نسخةً مستنسخةً عنها تقف أمامها.
رمشت عدة مرات، وكأنها تريد أن تتأكد مما تراه، ثم نظرت إلى ريليان التي كانت تضغط على يدها بقوة.
قطعت لحظات الصمت المشحونة بالنظرات القاتلة، وهي توجه حديثها إليها:
- هل أنتِ توأم ريليان الشقيقة؟
لم تزحزح رلين ناظريها عن سارة، مما بث الرعب في داخلها.
تحدثت ريليان بتوتر، بعد لحظات من الصمت، وهي تنظر إلى شقيقتها بعينين مرتجفتين:
- رلين.
حولت رلين ناظريها نحوها، بنظرةٍ فهمتها ريليان جيدًا.
اقتربت منها ريليان بتوترٍ وحذر، ثم تحدثت بتردد:
- لماذا لم تذهبي مع ديفيد؟
لم تتفوه رلين بأي حرف، فما زالت غير مستوعبة ما تشاهده أمام عينيها.
وأخيرًا، استطاعت أن تخرج كلماتها، وهي توجه حديثها إلى سارة:
- من أنتِ يا هذه؟!
أجابتها سارة بابتسامةٍ خفيفة، تحاول بها إخفاء خوفها:
- أنا سارة، صديقة ريليان.
نظرت رلين مرةً أخرى إلى ثياب سارة بتفحص، والتي كانت تتكون من عباءةٍ سوداء وحجابٍ أبيض، كونها قد خرجت للتو من المدرسة، ثم سألتها وهي تكاد تجزم بالإجابة:
- هل أنتِ من تلك الطائفة الرجعية؟
لم تفهم سارة ما قصدته، فأمسكت ريليان بيد شقيقتها برجاء، وقالت:
- رلين، سأشرح لكِ... لكن ليس هنا، أرجوكِ.
ضحكت رلين بعدم تصديق، فقد تأكدت من ظنونها، ثم نزعت يد ريليان عنها بعنف، ونظرت إليها بغضبٍ شديد، متحدثة:
- هل تصادقين تلك الطائفة الإرهابية يا ريليان؟! ألا تعلمين من هم؟! ألم يحذرنا والدنا منهم؟!
تحدثت ريليان بضيق:
- ليسوا إرهابيين يا رلين. انظري إليها، كم هي مسالمة. أنا أصادقها منذ مدةٍ طويلة، تقارب السنة، ولم تؤذني يومًا، فكيف يكونون إرهابيين؟
أمسكت رلين بيد ريليان، وأبعدتها عن سارة التي كانت تتابع ما يحدث بصدمة، ثم خاطبتها بحدة:
- ابتعدي عنها، وعودي إلى رشدكِ يا ريليان.
نظرت إليها بضيق، محاولةً تخليص يدها من قبضتها، ثم تحدثت بغضبٍ خفيف:
- رلين، أنا راشدة بما يكفي لأتصرف بنفسي، ولا أحتاج لأن أنضج أكثر من ذلك.
رفعت رلين حاجبيها بصدمةٍ كبيرة من طريقة حديثها معها.
إنها المرة الأولى التي تعارضها بهذا الشكل.
ضحكت بعدم استيعاب، ثم أمسكت وجهها، مجبرةً إياها على النظر في عينيها.
أغمضت ريليان عينيها حتى لا تضعف أمام شقيقتها.
حينها تحدثت سارة، بعدما رأت بداية الشجار بين الأختين:
- ريليان، يمكنكِ الذهاب مع شقيقتكِ، وأعتذر إن كنت قد سببت لكِ الإزعاج.
أمسكت هاتفها لتتصل بسليم كي يأتي ويقلها، بعدما أيقنت أن ريليان لن تذهب معها إلى المنزل.
أعادت رلين أنظارها إلى ريليان، بعدما ابتعدت سارة، ثم تحدثت بعصبيةٍ مبطنة:
- ريليان... افتحي عينيكِ.
حررت ريليان وجهها من بين يدي شقيقتها، ثم تحدثت بهدوءٍ يخفي حزنًا عميقًا:
- دعينا نذهب إلى البيت... ليس أمام الناس.
ابتسمت رلين بصدمةٍ من حديثها، ثم تنهدت بتقطع، فهي لا تريد أن تنفجر في وسط الطريق وأمام المارة، خاصةً بعدما بدأ الناس يلتفتون إليهما.
وبعد مدةٍ قصيرة، ترجلت رلين من السيارة، واتجهت نحو المنزل، تدفع الباب بكل ما فيها من غضب.
تبعتها ريليان بخطواتٍ بطيئة، وهي تقرأ سورة الفاتحة، ولا تعلم لماذا كانت ترددها، سوى أنها أرادت أن تطمئن، وتشعر أن الله معها.
دلفت رلين إلى الداخل، لتنظر جوليا إليهما باستغرابٍ كبير من طريقة فتح الباب، لترى شرارات الغضب تتطاير من عيني رلين، بينما كانت ريليان تنظر إلى الأرض بتوترٍ وخوف.
تقدمت جوليا نحوهما بقلق، متسائلة:
- ما الأمر يا فتيات؟ هل كانت اختباراتكن سيئة أم ماذا؟
نظرت إليها رلين، ثم تحدثت بحزنٍ وغضب:
- أمي، أريد أن أخبركِ بشيء.
نظرت إليها جوليا، تحثها على الحديث:
- ماذا هناك؟ لقد بدأت أقلق.
أخذت رلين نفسًا عميقًا، ثم نظرت إلى ريليان التي أمسكت بالعقد الملتف حول جيدها، قبل أن تعيد أنظارها إلى والدتها، وتقول:
- أمي، ريليان لديها صديقة من تلك الطائفة الإرهابية.
لم تتفوه جوليا بأي حرف.
رفعت ريليان أنظارها ببطء نحو والدتها بعدما طال صمتها، تحاول أن تستكشف ملامح وجهها، لكنها لم تجد سوى الهدوء.
ازدردت ريقها بصعوبةٍ من ذلك الهدوء، بينما وضعت رلين يدها على كتف والدتها، متحدثةً بعدم استيعاب:
- أمي... هل سمعتِ ما قلت؟
زفرت جوليا الهواء المحتبس في صدرها، ثم قالت وهي تحاول كبت صدمتها:
- أجل، لقد سمعت... وأنا أعلم.
نظرت الاثنتان إليها بعدم تصديق، فأكملت جوليا بالهدوء ذاته، وهي تنظر إلى ريليان:
- وأعلم أنكِ تذهبين إلى تلك الأماكن التي تخصهم، كما أن...
قاطعتها رلين بعدم استيعاب:
- تمزحين يا أمي... أليس كذلك؟
هزت جوليا رأسها نفيًا، ثم أكملت:
- كما أنني أخبرت والدكِ بذلك، وهو يعلم بالأمر.
تنفست ريليان ببعض الراحة، لكن جزءًا منها ظل غير مطمئن من هدوء والديها، ثم قالت:
- حقًا يا أمي؟
أومأت جوليا برأسها، لتسألها ريليان بشك:
- ألستما معارضين لذلك؟
أغمضت جوليا عينيها، تحاول ألا تثور، ثم قالت بالهدوء نفسه:
- سوف تقطعين صلتكِ بها يا ريليان.
عقدت ريليان حاجبيها بضيق، وقالت:
- لماذا يا أمي؟ أليست بشرًا مثلنا؟ إنها مسالمة، أقسم لكِ.
ضغطت جوليا على يدها بغضب، ثم تحدثت بالنبرة نفسها:
- ريليان، لقد قلتُ شيئًا، وعليكِ تنفيذه. لا أريد أن يتدخل والدكِ في هذا الأمر، فقد منعته بصعوبةٍ بعدما أخبرته أنكِ قطعتِ صلتكِ بها. أنتِ تعلمين يقينًا ردة فعل والدكِ إن علم أنكِ ما زلتِ تصادقينها، ولا تجعليني أرفع صوتي، لأن والدكِ في المكتب مع أمبر وستيف، يتحدثون في تفاصيل يوم زفافكِ.
نظرت إليها ريليان بصدمة، ثم خاطبتها معارضةً بقوة:
- لا أريد الزواج بأمبر.
انفجرت رلين ضاحكة، ولم تستطع التوقف، ثم قالت بين ضحكاتها:
- أصبحتِ ظريفةً جدًا يا ريليان. هيا، قولي شيئًا آخر، أريد أن أضحك أكثر من ذلك.
خرج جرير من داخل المكتب، ومن خلفه ستيف وأمبر، ثم تحدث بصوته الذي كانت ريليان تهابه:
- ماذا هناك؟ ولم كل هذا الضجيج؟
دب الرعب في قلب ريليان بمجرد رؤيتها لوالدها.
نظرت إليه رلين بعدما بدأت تتوقف عن الضحك، ثم قالت:
- أمرٌ أنت تعلم به يا أبي.
نظرت جوليا إليه بتوترٍ من ردة فعله، ثم تحدثت بابتسامةٍ مصطنعة، محاولةً تهدئة الأجواء:
- لا يوجد شيء يا عزيزي، كنا نتحاور في أمرٍ ما. هل انتهيتم من نقاشكم؟
أومأ برأسه، ثم نظر إلى أمبر، وبعدها إلى ريليان، مخاطبًا إياها:
- لقد حددنا يوم زفافكِ يا حبيبتي، سيكون بعد أسبوعٍ ونصف من اليوم. لقد جهز أمبر منزله، وأحضر كل ما تحتاجينه، لذلك لا داعي للتوتر.
اقترب أمبر منها، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ واسعة، ثم خاطبها بمحبة:
- كيف حالكِ يا حبيبتي؟
جلس ستيف ينظر إليهم، ثم قال بمشاكسة:
- يا رجل، ليس أمامنا! خطيبتي ليست هنا، وأشعر بالجفاف العاطفي.
ضحك أمبر، ثم نظر إلى ريليان، محتضنًا كتفيها، وقال:
- لا شأن لك، اذهب إليها، ودعنا وشأننا.
تحدث ستيف بضيق:
- ليتني أستطيع، لكن إليا خارج البلاد، تقوم بجولة استجمام واسترخاء قبل موعد زفافنا.
ابتعدت ريليان عن أمبر بهدوء، تخفي ضيقها من تلك الحركة، وأخذت تستغفر الله في سرها.
صحيح أنها تُعد خطيبته، لكن علاقتهما أصبحت محرمة بعد إسلامها، فقد أخبرتها ابتهال أن المسلمة لا يحل لها الزواج من غير المسلم، واستدلت بقول الله تعالى:
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا...﴾ [البقرة: ٢٢١].
وكذلك بقوله تعالى:
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
كما شرحت لها حكم التلامس بين الرجل والمرأة الأجنبية، مستدلةً بحديث النبي ﷺ:
«لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خيرٌ له من أن يمس امرأةً لا تحل له».
وذكرتها أيضًا بقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
«والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأةٍ قط إلا امرأةً يملكها».
وكذلك قول الله تعالى:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
تحدثت ريليان بهدوء، وهي تجمع شجاعتها، وتجاهد حتى لا تذرف دموعها أو تُظهر خوفها:
- لا أريد يا أبي.
نظر إليها الجميع باستغراب.
أغمضت عينيها بقوة، وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تواجههم بقلبٍ معلقٍ بالله، تشعر وكأنها أرنبٌ يقف أمام قطيعٍ من الذئاب، ولا سبيل لنجاته إلا بالله.
خاطبها أمبر بتعجب:
- لا تريدين ماذا يا ريليان؟
أخرجت كلماتها بصعوبة، وهي تنظر إلى رلين بأسفٍ وندمٍ كبيرين:
- لا أريد هذا الزواج لأنني...
توقفت عن إكمال حديثها.
فسألتها جوليا بتوجس:
- لأنكِ ماذا؟
أمسكت بالعقد تستمد منه القوة، ثم نظرت إليهم جميعًا، وقالت بثباتٍ امتزج بالخوف:
- لأنني اعتنقت الإسلام.**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!