الفصل الثالث والثلاثون
**وقفت ريليان في مكانها، وكأن الزمن توقف عندها، لم تكن كما كانت قبل ساعات، فالكلمات التي سمعتها في خطبة سليم ما زالت تتردد داخل صدرها بلا توقف.
لم يكن ما تشعر به مجرد تأثرٍ عابر، بل شيئًا أعمق من ذلك؛ إحساسٌ يشبه انكسارًا لطيفًا يعيد ترتيب الروح من جديد، كانت تتذكر كل ما قاله عن النبي ﷺ، وكأن الخطبة لم تكن مجرد كلمات تُلقى، بل رسالة وصلت إلى قلبها وحده، صورة الرحمة، والتواضع، والصدق، والعظمة التي لم تعرفها من قبل، جعلت قلبها يجد شيئًا كان يبحث عنه طويلًا دون أن يدري.
نظرت إلى الأرض بصمت، ويداها ترتجفان قليلًا، وكأن داخلها صراعٌ لا يُرى، جزءٌ منها ما زال مترددًا، يخشى الخطوة القادمة، وجزءٌ آخر قد حُسم أمره منذ أن امتلأ قلبه بالنور، ومع ذلك بدأ اليقين يكبر شيئًا فشيئًا حتى غلب التردد.
رفعت عينيها ببطء نحو سليم، ثم نحو ابتهال، وكأنها تبحث عن طمأنينة أخيرة، لكنها لم تجد إلا سكون اللحظة، وسكونًا أعمق في قلبها كان هو الذي يتكلم بدلًا عنها، أغمضت عينيها بهدوء، وكأنها تودّع شيئًا قديمًا فيها، وتستقبل شيئًا جديدًا لا تعرفه بعد، لكنها شعرت أنه بداية مختلفة تمامًا.
وفي تلك اللحظة، وبعد صمتٍ قصيرٍ امتد كأنه دهر، فتحت عينيها بابتسامة صادقة تحت نظراتهم التي امتزج فيها الذهول بالفرح، وقالت بصوتٍ ثابتٍ خرج من قلبٍ قد حُسم أمره:
- إنني مستعدةٌ للدخول في الإسلام.
عم الهدوء في أرجاء البيت ليقطع ذلك الصمت بعد مدة صراخ سارة التي توجهت نحو ريليان لتعانقها وتقبل وجنتيها بسعادةٍ كبيرة، ابتعدت عنها لتسألها بعدم تصديق:
- هل أنتِ مستعدة حقًا ريليان لتصبحي مسلمة؟!
أومأت ريليان برأسها بتأكيد وصدق مصحوب بيقين لتجيبها:
- أجل، إنني مستعدة جدًا يا سارة.
تحدثت ابتهال بابتسامة وهي تنظر إليها بدموع، حقًا إنها فتاة زاد حبها داخل قلبها:
- لكنكِ ستواجهين الكثير من الصعاب مع عائلتكِ حبيبتي.
زفرت بقوة لتجيبها بيقين، وقد تحلت بشجاعة كبيرة:
- لا يهم خالتي، ما دام الله معي فلن يحدث لي شيء أليس كذلك؟!
توجهت أمل نحو أحضان ابتهال وهي لا تفهم شيئًا مما يحدث لتعانقها الأخرى بحب:
- كيف حالكِ أمي؟ لقد اشتقت إليك.
اجابتهت ابتهال بحنان كبير، فقد أحبت هذه الصغيرة جدًا:
- اشتقت لابنتي الصغيرة، أين كنتِ يا فتاة؟
نظرت أمل إلى سليم متحدثة بطفولة:
- لقد كنت في مكان كبير وكان أخي الجميل هذا يتحدث عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
قبلت ابتهال وجنتيها بابتسامة حنونة:
- عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، تعالي اجلسي بجانبي.
نظرت ريليان إلى سليم الذي يتابع الأمر بهدوء لتخاطبه بتردد:
- أريدك أن تلقنني الشهادة، من بعد إذنك يا سليم.
صمتٌ حل عليه اشبه بصدمة صغيرة، بعدها أخذ نفسًا عميقًا وهو لا يعلم ما هذه المشاعر التي اجتاحته فجأة، أهو بسبب دخول أحدهم الإسلام؟ لكنها ليست كأي شعور ممن سبقوها!
نظر لوالدته التي ترتسم على ملامحها السعادة التامة، ليتحدث بهدوء وهو يسيطر على مشاعره:
- هل أنتِ متأكدة من ذلك يا آنسة؟ فنحن لن نجبركِ على ذلك.
نظرت إليه ريليان لتجيبه برقة وصدق كبيرين خرجا من اعماق قلبها وقد وصله ذلك:
- أجل، مستعدة، فأنا أؤمن بوجود إله واحد خالق كل شيء، وأؤمن بأن المسيح عيسى عليه السلام هو رسول من عند الله، وأؤمن بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والرسل، ولا يوجد أي شخص يجبرني على ذلك، لأنه قراري الذي اتخذته بنفسي وبإرادتي وقناعتي الشخصية.
ابتسم سليم بهدوء ليخاطبها بحماس ظهر في صوته وهو يخبرها:
- حسنًا، إذًا كرري خلفي: أشهد أن لا إله إلا الله.
أغمضت عينيها لتكرر من خلفه بهدوء وتأمل:
- أشهد أن لا إله إلا الله.
أكمل سليم بذات الحماس لكنه حاول ان يكون اكثر اتزانًا:
- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
بدأت الدموع تترقرق في عينيها متحدثة:
- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
خاطبها سليم بهدوء وما زال بصره للأسفل وقد ارتفعت دقات قلبه بوتيرة هادئة:
- الآن بإمكانكِ قولها مرة واحدة.
قاطعته أمل متحدثة بطفولة وهي تقترب منه:
- أنا أيضًا أريد أن أقول ذلك يا أخي.
ابتسم لها مومئًا برأسه بهدوء وقد اجلسها بجانبه دون ان يجيبها وكأن الصمت حوله امتلأ بطمأنينة لا تُرى، ثم أخذت ريليان نفسًا مرتجفًا كأنها تجمع روحها من جديد.
ارتجف صوتها قبل أن يخرج، وانكسرت الكلمات على طرفي شفتيها، بينما الدموع لم تعد تُقاوم بل انهمرت!
كان في صدرها ثقلٌ غريب، مزيج من خوفٍ وراحةٍ ودهشةٍ لا تشبه أي شعور عرفته من قبل، وكأن قلبها يُولد الآن لأول مرة!
ثم نطقت، بصوتٍ خرج من عمقها لا من لسانها وحده:
- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وفي اللحظة التي انتهت فيها الكلمات، لم تعد تعرف هل تبكي لأنها خائفة أم لأنها أخيرًا وجدت الطريق الذي كان يناديها منذ زمن بعيد.
خاطبها سليم بابتسامة فرحة، لكن صوته لم يكن مجرد كلمات، بل كان شيئًا يشبه السكينة وهي تُصب على قلبٍ كان ينهار منذ زمن:
- الآن أصبحتِ مسلمةً يا آنسة، أهلاً وسهلًا بكِ، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرشدكِ ويعينكِ على طاعته، وأن يرزقكِ السعادة في الدارين الدنيا والآخرة، وأن يرزقكِ الجنة إن شاء الله.
ما إن انتهت كلماته حتى لم تعد ريليان واقفة كما كانت قبل لحظات، كأن داخلها شيء انكسر بصمت ثم أعاد ترتيبها من جديد.
ارتجفت شفتيها وانخفض بصرها ببطء، وكأنها لا تصدق أنها قالتها فعلًا، وفي لحظة واحدة فقط، انهمرت الدموع لا كبكاء ضعف، بل كبكاء خروج من ظلام طويل إلى نورٍ يخيف لأنه جديد.
توجهت ابتهال إليها بقلق سريع، وكأنها شعرت أن الفتاة أمامها على وشك الانهيار، أمسكت كتفيها بلطف وهي تحاول أن تُثبّتها:
- ما بكِ حبيبتي… لماذا تبكين؟
لكن صوت ريليان خرج مكسورًا، متقطعًا، كأن الكلمات نفسها تتعثر داخل صدرها قبل أن تخرج:
- لا أعلم… لا أعلم حقًا ما الذي يحدث لي.
ثم فجأة وضعت يدها على صدرها، ضغطت عليه كأنها تحاول أن تُسكّت هذا الصراع الداخلي الذي يموج فيه:
- خالتي ... هنا يؤلمني… لكن ليس ألمًا مثل أي ألم، شيء أكبر… شيء لا أفهمه.
كان قلبها لا يؤلمها، بل يفيض. فيضٌ أكبر من أن يُحتمل، كأن روحها تُغسل من كل ما مضى دفعة واحدة، فتبكي لأنها لا تعرف كيف تستوعب أنها بدأت من جديد.
أمسكت سارة بيدها بخوف، بينما عينا ابتهال ارتجفتا وهي تنظر إلى سليم الذي بقي ثابتًا، كأن ما يحدث ليس مفاجئًا له، بل حقيقة يعرفها جيدًا
تحدثت ابتهال بقلق متوتر:
- سليم تحرك، قل شيئًا، ما بها؟
لكن صوته خرج هادئًا بشكل غريب، هدوء من يفهم ما يعجز الآخرون عن فهمه:
- لا تقلقي يا أمي إنها بخير، هذا ليس ألمًا، هذا امتلاء.
ثم نظر إليها أخيرًا لكن كلمة خاطفة تكاد ان ترى، وكأن كلماته تحاول أن تُنقذ ارتباكهم:
- ليست أول مرة أرى هذا، من يدخل الإسلام بصدق، لا يبكي لأنه حزين، بل لأنه يُولد من جديد، ولا يعرف كيف يحتمل نور البداية.
ارتجفت أمل وهي تراقبها ببراءة:
- ليان لماذا يؤلمك قلبك؟ هل أنتِ مريضة؟
ضحكت ريليان ضحكة قصيرة مهزوزة، تختلط بالبكاء، ومسحت دموعها المرتبكة بكفٍ يرتجف:
- لأنني سعيدة.
لكن الكلمة خرجت وكأنها لا تكفي لتشرح كل ما يحدث داخلها وكأن السعادة نفسها أكبر من أن تُسمّى، رفعت رأسها ببطء، عيناها تغرقان بالدموع، لكنها لم تكن نظرة حزن، كانت نظرة شخص خرج للتو من ظلام طويل، ولا يزال لا يصدق أن الضوء حقيقي.
ثم التفتت إلى ابتهال فجأة، كأنها تبحث عن شيء ثابت في هذا الطوفان، واندفعت نحوها تحتضنها بقوة، احتضانًا يشبه التمسك بالحياة نفسها
كأنها تقول دون كلمات (لا تتركيني أنا لا أعرف هذا العالم وحدي بعد الآن)
وضعت رأسها على كتفها، وصوتها خرج محشرجًا، منكسرًا، لكنه ممتلئ بشيء يهز القلب:
-شكرًا لكم، أنتم لا تعرفون ماذا فعلتم بي، أنا الآن لست أنا التي كنتها قبل قليل، أنا شيء آخر تمامًا، أنا خائفة وسعيدة ولا أفهم نفسي.
وفي تلك اللحظة… لم يعد المشهد مجرد بكاء فتاة…
بل ولادة روح كاملة من جديد.
تحدث سليم مخاطبًا والدته بهدوء، محاولًا أن يخفي اضطرابًا خفيفًا تسلل إلى صوته رغم ثباته الظاهري:
- أمي، أخبريها ما الذي عليها فعله بعد الآن، سأعود بعد قليل.
كانت كلماته قصيرة، لكنها خرجت محمّلة بثقلٍ غير مرئي، كأنه يحاول أن يهرب من لحظة امتلأت بما لا يستطيع تفسيره، لم ينظر حوله كثيرًا، بل تحرك بخطوات هادئة نحو الخارج، إلا أن ملامحه لم تكن كما كانت قبل قليل، هناك شيء تغيّر داخله هو الآخر، لكنه اختار أن يبتعد قليلًا عن المكان ليُخفي ارتباك قلبه الذي لم يعتد هذا النوع من المشاعر**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!