الفصل التاسع والثلاثون
**في صباح اليوم التالي، توجه إبراهيم إلى عمله، ثم قام بالاتصال بشيخٍ نصحه به أحد أصدقائه، ليعطيه الآخر موعدًا لمقابلته في المسجد.
دلف إبراهيم إلى المسجد بتردد، فهو لا يحضر إلى هذه الأماكن مطلقًا لأنه لا يؤدي فروضه، لكنه أصبح من جديد يؤدي صلاة الظهر يوم الجمعة فقط.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم سأل أحد الأشخاص عن ذلك الشيخ، فأرشده إلى مكانه.
نظر إليه إبراهيم، فوجده أصغر منه سنًا، بملامح هادئةٍ نوعًا ما.
خاطبه مذكرًا إياه:
- مرحبًا أيها الشيخ، إنني إبراهيم الذي هاتفك قبل قليل.
نظر إليه الشيخ متسائلًا:
- الذي سأل عن الجن العاشق؟
أومأ إبراهيم برأسه مؤكدًا، ثم تساءل:
- هل يوجد له علاج؟ أو هل هو موجودٌ حقًا؟
تنهد الشيخ بهدوء، ثم بدأ بالحديث:
- الجن العاشق هو نوعٌ من أنواع الجان الموجودين فعلًا، وهو أيضًا أحد أخطر أنواع الجن على الإطلاق.
هز إبراهيم رأسه بتفهم، ثم تساءل:
- هل يستطيع أن يتجسد بهيئة الرجال؟ أم فقط في هيئة الأنثى؟
أجابه الشيخ شارحًا:
- اسمع يا أخي، قد يكون الجن العاشق رجلًا، وهو في هذه الحالة يتسلط ويحاول المساس بالمرأة من الإنس، وإذا كان الجني العاشق أنثى، فمن البديهي أن يكون اهتمامه بالرجال من الإنس.
نظر إليه إبراهيم بانتباه، ثم تحدث:
- أي أن الجن العاشق مسألة واقعية؟
نظر إليه الشيخ مؤكدًا:
- بالطبع، فالموضوع خطير للغاية، ويحتاج إلى اتخاذ إجراءاتٍ احترازيةٍ حذرة حتى يتجنب الإنسان الجن العاشق، ويعلم كيفية التخلص منه في حال وقع مس الجن العاشق عليه أو على أحدٍ من خاصته.
زم إبراهيم شفتيه مفكرًا، ثم تساءل بعد برهة:
- ما هو سببه يا شيخي؟
زفر الآخر بهدوء، ثم أجاب:
- هذا النوع من الجن يستغل فرصة عدم التزام الإنسان بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حركاته اليومية، وانشغاله عن الأذكار وامتناعه عنها. فامتناع الإنسان عن الأذكار الخاصة بالغسل ودخول دورات المياه، وتعرّيه أثناء الغسل مع إهماله للأذكار المنصوص عليها، سيجعله عرضةً لتحكم الجن العاشق في جسده.
رفع إبراهيم حاجبيه باستغراب، ثم سأله بذهول:
- إذًا الجن العاشق موجودٌ حقًا؟
أومأ الشيخ برأسه ليجيبه:
- أجل، إن الجن العاشق موجود، ولا ينكر أهل العلم وجوده وخطره على الإنسان.
فرك إبراهيم جبهته، ثم نظر إليه:
- ما هي أعراضه بالتحديد من بعد إذنك؟
أجابه الآخر وهو ينظر إليه:
- أولًا، ينفر الإنسان المصاب بمس الجن العاشق من الزواج نفورًا تامًا، وإذا كان متزوجًا فإنه يشعر بعدم قبول شريك حياته، وتحدث المشاحنات التي ليس لها سبب.
- وثانيًا، من أعراض الجن العاشق الابتعاد كل البعد عن الدين والصلاة والدعاء والذكر، والدخول في حالةٍ من العصبية والحدة في الطبع عند سماع الذكر أو القرآن أو الدعاء وغير ذلك.
توقف قليلًا، لينظر إليه إبراهيم متسائلًا:
- هل هكذا فقط؟
نفى الشيخ برأسه ليكمل:
- لا، فالمصاب بمس الجن العاشق يشعر بضيقٍ في الصدر، واكتئابٍ شديد، وحزنٍ دائم لا ينفك عنه، ودائمًا ما يقلقه ويتعبه. وأيضًا الشرود، ودخول الإنسان في حالةٍ من عدم الوعي الكامل، والصد عن أي ذكرٍ لله أو عبادة أو غير ذلك، وزيادة نبض القلب عند الإنسان المصاب بالمس، مما يؤدي إلى حالةٍ من التعب الدائم، وحالةٍ من العصبية في المزاج والطبع، وشدة الغضب على أتفه الأمور والأسباب.
قاطعه إبراهيم متسائلًا:
- هل يصاب بكوابيس أو أي آلام؟
أجابه مؤكدًا، وهو يخلل يده في لحيته:
- بالتأكيد، تعتريه الهواجس التي تدخله في كوابيس مزعجة ومقلقة يعجز بسببها عن النوم، ويصبح خاملًا كسولًا، ويعاني من صداعٍ دائم في الرأس لا ينفع معه أي نوعٍ من أنواع الدواء.
أغمض إبراهيم عينيه، ثم سأله بهدوء يخفي ما بداخله:
- هل يرى المصاب تخيلات؟
أومأ الشيخ برأسه، ثم تحدث:
- بالطبع، فهو يرى أخيلةً لا وجود لها، وهي وساوس يتعرض إليها بسبب قلقه المستمر.
أرجع إبراهيم رأسه للخلف، وأسنده على الحائط، ثم تساءل:
- وما هو العلاج للتخلص منه؟
نظر الشيخ بجانبه إلى ذلك المظروف، ثم خاطبه:
- أولًا، عليك بقراءة آية الكرسي، ففي حديثٍ علّقه الإمام البخاري، روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: "وكّلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظ زكاة رمضان..."
ثم أكمل الشيخ:
- ثانيًا، قراءة آخر آيتين من سورة البقرة في كل ليلة.
- وأيضًا الدعاء بما دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صباحًا ومساءً.
تحدث وهو يخرج المظروف الذي بجانبه:
- وأيضًا المداومة على تطيب البدن بالمسك، فقد قال ابن القيم -رحمه الله-: "وفي الطيب من الخاصية: أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه..."
ثم أكمل:
- ولا تنسَ دوام الصلاة على رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.
حاول إبراهيم حفظ هذه المعلومات كلها، ثم تساءل بعدما انتهى الشيخ:
- هل يؤدي الجن العاشق إلى الموت يا شيخي؟
أحنى الشيخ زوايا فمه بتعجب، ثم أجاب:
- إن من المعتقدات الخاطئة التي تشغل بال كثير من الناس، هو أنهم يظنون أن الجن العاشق قد يودي بحياة الإنسان، وهذا خطأ كبير؛ فحياة الإنسان بيد الله -سبحانه وتعالى-، ولا يمكن لأي مخلوق، سواء كان من الإنس أو الجن، أن يذهب بحياة الإنسان إلا بإرادة الله -عز وجل-. فالموت والحياة من علم الله تعالى، ولا يعلم الموت وحاله إلا رب الموت. وينبغي على الإنسان المصاب بمس الجن العاشق أن يقاوم ما استطاع ضد هذا المس، وأن يأخذ بعين الاعتبار الطرق الشرعية الكفيلة بشفائه، وأن يرقي نفسه بما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
بعد أن انتهى، أمسك بالظرف ليخاطبه بهدوء:
- تفضل، هذه مياه تمت القراءة عليها بآيات الرقية والشفاء، وهذه زجاجة بها بعض المسك، على الممسوس به شربهما والمداومة عليهما، وسوف تحدث بعض التغيرات على الشخص وستكون طبيعية، فلا تقلق.
شكره إبراهيم بابتسامة، بعدما أخبره بأشياء أخرى، ثم عاد إلى عمله مرةً أخرى.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
فتحت ريليان عينيها، وهي ترمش بأهدابها، لتجد سليم يقف بجانبها ووالدها يقف أمامه يصرخ بقوة.
حاولت الجلوس، لتجد الكدمات حول وجه سليم والدماء تسيل من فمه، لتخرج صوتًا ضعيفًا مشبعًا ببراءة كمواء قطة:
- سليم.
نظر إليها جرير، ثم تقدم منها، لكن سليم وقف في وجهه مانعًا إياه من المساس بها:
- قلت لك اتركها، لا شأن لك بها. ألم تتخلَّ عنها؟!
أمسكه جرير من تلابيب قميصه، وتحدث بغضبٍ مستعر:
- أنت السبب في كل شيء. إنني أكرهك جدًا. أنت ملحد وإرهابي كبير.
تحدث سليم بهدوء، مخاطبًا إياه، بعدما ألقى نظرةً باسمة نحو ريليان:
- لن أجيبك، ولن أتناقش معك، لأنك رجلٌ كبير، ولقد تلقيت صدمةً قبل قليل، لذلك سأجعل نفسي وكأنني لم أستمع إلى أي شيء.
ضرب جرير وجه سليم، لترتفع شهقات ريليان.
اعتدلت في جلستها متوجهةً إليه بألمٍ كبير، لكن جرير أمسكها من خصلات شعرها، فأطلقت صرخةً كبيرة عندما آلمها ذلك.
تقدم سليم منه، ثم أمسك بيد ريليان وقربها منه، وهو يخاطب جرير بتحذير:
- قلت لك سيدي، لا تقترب منها.
ضغط جرير على وجهه بغضبٍ كبير، ثم خاطب ريليان بأمر:
- تعالي إلى هنا.
تمسكت ريليان بقميص سليم من الخلف بخوفٍ كبير، ليتحدث سليم بهدوءٍ وتحدٍّ:
- دعنا نذهب دون أي خلافٍ آخر، لقد جئتك بالسلام يا سيدي.
ضحك جرير بقوةٍ كبيرة، ثم تحدث:
- عن أي سلامٍ تتحدث يا هذا؟ إنك أكبر أعدائي، ولن أسمح بوجود أي سلامٍ بيننا مطلقًا.
نظر إليه سليم، ثم خاطبه وهو يشعر بيد ريليان تتمسك به أكثر:
- سوف أعرض عليك عرضًا، هل أنت موافق؟ أو لنقل اتفاقًا، حسنًا.
نظر إليه جرير باستنكارٍ تام:
- أنا أتفق معك؟ ما المناسبة؟ هل انتهى العالم لأتفق مع إرهابي؟
تنهد سليم بقوة، ثم تقدم منه بعدما أبعد يد ريليان عنه:
- وإن أخبرتك أنني سأتركها لأنني أصبحت نصرانيًا؟
نظر إليه جرير بعدم تصديق، بينما وضعت ريليان يدها على فمها بقوة، كاتمةً شهقتها.
ثم تحدثت بفزع:
- لا يا سليم، لا تفعل، فسوف تكون مرتدًا ولن يغفر الله لك.
نظر إليها بابتسامةٍ هادئة، ثم عاد بنظره إلى جرير:
- ماذا قلت؟ هل أنت موافق؟
نظر إليه جرير، ثم تحدث:
- إنني...
««::::::::::::::::::::::::::::»»
في المساء، دلف إبراهيم إلى المنزل بعدما انتهى من عمله، لتستقبله ريم وسما.
تساءلت ريم باستفسار، فقد أخبرتها سما أنه يعلم بحالتها السابقة:
- ماذا قال لك الشيخ يا إبراهيم؟
تنهد إبراهيم وهو ينظر إليهما، ثم وجه حديثه إلى سما:
- أولًا، عليكما تشغيل سورة البقرة دائمًا، والمواظبة على الصلاة والأذكار، وخاصةً أنتِ يا سما، فأنتِ لستِ مواظبة على الصلاة.
ثم تابع:
- وبعد ذلك، عليكما تشغيل البخور بعد صلاة العصر، وسماع الرقية الشرعية بعد كل أذان، وقبل النوم هناك عدة أشياء سوف أقوم أنا بالقيام بها.
نظر إلى ريم مخاطبًا إياها:
- وأنتِ يا ريم، أريد منكِ فقط الإشراف على الأشياء التي ستكون في الأوقات التي أكون فيها في العمل.
ثم تحدث بتهديد:
- وسوف أحاسبكِ أنتِ يا ريم إذا حدث تقصير في تلك الأشياء، هل فهمتِ؟
أومأت ريم برأسها متفهمةً حديثه.
اعتدل إبراهيم في جلسته، ثم تحدث:
- حسنًا، لتبدأ أول خطوةٍ الآن وهي...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!