الفصل الرابع والستون
**
صوتها المتألم والمشتاق، وهي تخاطبها رغم إتقانها للبرود، لم يغب عن ابتهال. فقد ظهر جليًا فيه، كما قرأت الحزن داخل عيني جوليا رغم تصنعها الجمود والقسوة المغلفة بالبرود.
زفرت ابتهال بقلة حيلة متحدثة:
- حسنًا، كما تشائين.
حسنًا، يبدو أنه لم يأتِ أي شخص معها. فلو كان هناك أحد لظهر عليها التوتر، أو لنظرت خلفها أكثر من مرة. سارت ابتهال ملتفةً بجسدها للخلف مرة أخرى، ناظرةً إلى سليم بعدما اقتربت منه، لتبتسم له باطمئنان.
تنهد براحة تامة بعدما تأكد من عدم وجود أي شخص معها، سواء والدها أو أخيها أو حتى المدعو بخطيبها السابق.
لحظة... خطيبها السابق. لماذا شعر بالضيق عند ذكره؟ حسنًا سليم، لا تفكر في شيء. لقد أخبرتك والدتك أنها لم تقترب منه، فلا تفكر في الأمر. اهدأ.
انتبه إلى يد ابتهال بعدما وضعتها على كفه الذي كان يضغط عليه دون أن ينتبه، ليستغفر ربه لعله يهدأ.
استجمع نفسه، لتهمس له:
- لا يوجد أي شخص معها.
أومأ لها، فقد فهم من ابتسامتها التي منحتها له قبل قليل، ليهمس لها منحنيًا نحو أذنها:
- أخبريها أن تترجل، سوف أسبقكم إلى الداخل.
شعر بنظراتٍ مصوبة نحوه، فابتسم بهدوء إلى جوليا التي كانت تطالعه بتفحص وتدقيق، دون أن يرفع عينيه نحوها.
أجل، لقد أرسل إليها رسالة بأن تقابلهم بعد ساعتين من الآن في المنطقة الغربية من المدينة، وأن تخبر السابق بالعنوان الذي كتبه لها.
نظرت جوليا إلى المبنى الضخم الذي دلف إليه سليم قبل قليل، لتقرأ تلك البطاقة المدون عليها:
"المحكمة الشرعية"
التفتت بجسدها نحو ذلك الصوت الذي خاطبها بصوت شبه باكٍ:
- أمي.
أغمضت عينيها، لا تريد أن تنظر إليها، لكن قلبها لم يستمع إليها. تأملتها باشتياقٍ كبير.
يا إلهي، هل هذه ريليان؟ هل هذه ابنتها؟ لقد تغيرت كثيرًا.
وما الذي ترتديه؟ إنه فستان طويل باللون الأزرق الغامق، لا يظهر منها شيئًا. حتى شعرها وضعته على كتفها الأيمن وقد طال قليلًا، ووجهها خالٍ من مساحيق التجميل.
منذ متى وابنتها هكذا؟ أين ثيابها السابقة؟ وأين المساحيق التي كانت تضعها؟ صحيح أنها لم تكن تضع الكثير منها، لكن هل أجبروها على إزالتها وارتداء هذا اللباس الذي يخفي جسدها؟
نظرت إلى سارة التي كانت تتمسك بها، وعلى وجهها ابتسامة سعيدة، لتحمد الرب أنهم لم يجبروها على وضع ذلك الغطاء الذي يجعلهم - في نظرها - أشبه بمنظر الغربان السوداء.
وضعت يدها أمام ريليان مانعةً إياها من التقدم، لتخاطبها بقسوة تخفي خلفها ألم قلبها:
- لا تقتربي، وابقي مكانكِ.
اختفت ابتسامتها، لتمسح دموعها المشتاقة، متحدثة بصوت مهزوز وباكٍ:
- لقد اشتقت إليكِ أمي.
ضغطت على يدها بعدما أخفضتها، ثم استدارت بجسدها متوجهة نحو الداخل حيث دلف سليم.
ربتت ابتهال على كتفها بحنان:
- لا تحزني صغيرتي، فاليوم هو يوم قرانكِ. ابتسمي، ومن الطبيعي أن يكون هذا تصرفها. ألم نخبركِ بذلك عندما تحدثنا عن الموضوع؟
تنهدت ريليان، ماسحةً دموعها بطرف كُم فستانها، محاولةً رسم ابتسامة سعيدة وهي تذكر نفسها بأنها ستتزوج أخيرًا ممن أحبته.
سارت بجانب سارة بعدما دلفت ابتهال إلى داخل مبنى المحكمة.
««::::::::::::::-::::::::::::::»»
خرجت سما من باب غرفتها، لتجلس بجانب إبراهيم، ويبدو أنها استيقظت لتوها من النوم.
سألته بتعجب:
- ألم تذهب إلى عملك؟
نفى برأسه، ليقربها منه محاوطًا كتفيها:
- لا، لم أذهب. لقد أخذت هذا اليوم إجازة.
أومأت برأسها بتفهم، لتغمض عينيها بعدما وضعت رأسها على كتفه، متحدثة بنعاس:
- أين ريم؟ هل ما زالت بالخارج؟
تقدمت منها ريم باسمةً، تزامنًا مع انتهاء جملة سما، فقد كانت تنظف المطبخ، لتخاطبها:
- إنني هنا يا سما.
فتحت سما عينيها، لتبادلها ابتسامتها:
- صباح الخير.
كتمت ريم ضحكة كادت أن تفلت منها:
- هل تقصدين مساء الخير؟ لقد قاربت الساعة على تمام الثانية عشرة، ولم يتبقَ على أذان الظهر سوى نصف ساعة.
ابتسمت سما بحرج، لتعتدل في جلستها مبتعدةً عن إبراهيم الذي كان يتابع الموقف بينهما.
توجهت ريم نحو غرفتها، وقبل أن تصل توقفت خطواتها عندما خاطبها إبراهيم باسمها.
استدارت بجسدها ناظرةً إليه:
- تفضل.
تحدث زافرًا وهو ينظر إليهما:
- أريد أن أخبركما بشيء.
جلست أمامه بعدما قرأت التردد على ملامحه، لتخاطبه حاثةً إياه على الحديث:
- ما الأمر إبراهيم؟ هل هناك شيء؟
أومأ برأسه، ليتنهد زافرًا وهو يلقي ما في جوفه دون أي مقدمات:
- أنتما تعلمان أنني أقوم بإجراء فحوصات، أليس كذلك؟
أومأتا إليه، ليكمل متنهدًا:
- ربما سأحتاج إلى إجراء عملية.
خرج صوت شهقتيهما في اللحظة نفسها، مما جعل ما بين حاجبيه ينعقد بضيق:
- لم أقل إنني سأموت، قلت ربما وليس مؤكدًا.
تساءلت ريم وهي تنظر إليه:
- وما نوع هذه العملية يا إبراهيم؟
نظر بطرف عينه نحو سما التي كانت تنظر إليه بصمت، ليسألها مستفسرًا:
- ما بكِ سما؟
أحنت زوايا فمها بحزن:
- ممَّ تشكو يا إبراهيم؟ ما الذي يؤلمك؟
ابتسم لها مطمئنًا بحب:
- إنها عملية بسيطة يا سما، لا تقلقي حبيبتي، وربما لا أحتاج إليها.
تنهدت ريم بقلق، لتخاطبه بضيق مستهزئ:
- وهل الآن تذكرت وأخبرتنا يا إبراهيم؟ متى كنت ستقول لنا؟ هل عندما تُجريها أم بعد أن تخرج منها؟
ابتسم رغم ضيقها الظاهر عليه، لا يعلم لما لم يغضب من استهزائها هذا:
- ها قد أخبرتكم يا ريم، ثم إنني لم أقل إنها مؤكدة. افهما ذلك، هذا مجرد احتمال فقط. أنتما ادعوا لي ألا أحتاجها وينتهي الأمر.
عانقت سما ذراعه بخوف من فقدانه، لتخاطبه بصوت مختنق:
- ستكون بخير يا إبراهيم، أليس كذلك؟ ولن تحتاج إلى إجراء عملية، صحيح؟
ربت على ظهرها متحدثًا:
- أجل، سأكون بخير إن شاء الله، لا تقلقي.
دفنت رأسها في ذراعه متشبثةً به بقوة، وهي تتخيل أنه سيتركها ويرحل، وكأنها ستفقده ولن يعود مرة أخرى. لقد نسيت ما كان يفعله بها، فحبها له غفر له.
اعتدلت ريم في جلستها، لينظر إليها مستفسرًا عن سبب وقوفها، فأجابته متنهدة:
- سأحضر الأولاد من مدارسهم.
أومأ لها برأسه متفهمًا:
- لا تتأخري، وأوصلي سلامي لوالدتي.
سألته باستفسار قبل أن تسير:
- هل تعلم والدتك أم لا؟
أومأ لها بتأكيد:
- أجل، فأخي يعلم. لقد كان معي بالأمس عندما ذهبت إلى الطبيب، وأخبرته أن يقول لها.
هزت رأسها بخفة، فقد سهّل عليها أمر إخبارها، لتدلف إلى غرفتها تبدل ثيابها، ثم خرجت بعد ذلك تاركةً إبراهيم مع سما التي كانت تلتصق به وكأنه آخر أيام حياته.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
نهضت جوليا من مكانها بسرعة بعدما أنهى الشيخ كلماته
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
كانت الكلمات الأخيرة كأنها إشارة للهرب، أمسكت جوليا حقيبتها بسرعة، واتجهت نحو الخارج بخطوات متعجلة، تحاول أن تبدو ثابتة، بينما كانت الغصة التي تخنق صدرها تزداد لحظة بعد أخرى.
لم تكن تهرب من المكان، بل كانت تهرب من ابنتها، من عينيها، من ذلك الضعف الذي تخشى أن يغلبها، من ذلك الحنين الذي يصرخ بداخلها رغم كل محاولاتها لإسكاته، ستتذكر طفلتها التي حملتها بين ذراعيها، والتي كانت يومًا جزءًا من حياتها لا يستطيع أحد انتزاعه منها.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!