الفصل المئة ثلاثة وثلاثون
ضيّق عينيه بترقبٍ، ثم أسرع يقول:
- إنه في السجن.
توقع أن تنفجر باكية، أو تصرخ، أو تكذبه وتسخر من حديثه، لكنه لم يتوقع ذلك الجمود المخيف الذي اكتسى ملامحها، حتى بدا وجهها خاليًا من أي شعور، وكأن الصدمة سلبتها القدرة على الإحساس.
اعتدلت بهدوءٍ غريب، ثم خاطبته بصوتٍ جامد:
- أريد أن أذهب إلى أمي، من بعد إذنك.
اعتدل واقفًا، ليظهر فرق الطول بينهما، وكاد يمسك بذراعها، لكنها ابتعدت عنه بالهدوء ذاته، ثم أردفت:
- هُمام، لا أريد أن نتأخر، من المؤكد أن أمي وخديجة ليستا بخير. خذ أمل معك، وسألحق بك بعد أن أنتهي من ارتداء ثيابي، لن أتأخر.
تركته متوجهةً نحو غرفتها دون أن تمنحه فرصةً للرفض أو القبول، بينما حمل أمل بين ذراعيه واتجه إلى الخارج قاصدًا سيارته التي تركها أمام الباب.
بعد دقائق، كانت سارة تشغل المقعد المجاور له، مسندةً رأسها إلى زجاج النافذة، تحدق في الفراغ بصمتٍ موجع، وبين الفينة والأخرى كان يختلس النظر إليها، يتساءل في صراعٍ مرير: هل يخبرها الآن بمرضه؟ هل يلقي عليها مصيبتين دفعةً واحدة؟
أغمض عينيه، وأخرج زفيرًا طويلًا أثقل صدره، فالتفتت إليه متسائلةً بقلق:
- ما بك هُمام؟ هل أنت بخير؟
حمحم محاولًا الثبات، ثم سألها:
- سارة... ما ردة فعلكِ لو كنتُ أنا في السجن؟
أجابته بهدوءٍ وهي مغمضة العينين:
- كما هو حالي الآن... قُد بسرعة يا هُمام، ولا تتفوه بأي حرف.
ثبت بصره على الطريق، وما إن ظهر منزل سليم حتى قال بتردد:
- أممم... أخبريني، ما سيكون حالكِ لو أخبرتكِ أنني مصابٌ بورمٍ في الدماغ؟
التفتت إليه فجأةً، وكأن أفعى لدغتها، واتسعت عيناها بذعر، وهمست بشفتين ترتجفان:
- تمزح... أليس كذلك؟ هيا، أخبرني أنك تمزح.
انهمرت دموعها بغزارة، فمد يديه يمسك بكفيها، مبتسمًا ابتسامةً اختلطت بالغصة:
- اهدئي... ليس بي شيء.
رمقته بعينين ذابلتين، يملؤهما الخوف، فأوقف السيارة أمام منزل سليم، حامدًا الله أنه وصل قبل أن يتورط أكثر في الحديث.
ترك يديها، وترجل من السيارة، ثم فتح بابها، فاستندت عليه وهي تقول بصوتٍ واهن:
- أحضر أمل... وأنا سأسبقكما.
أومأ برأسه، فابتعدت عنه ببطء متجهةً إلى الداخل، مانحةً إياه الفرصة لإحضار أمل.
قبل أن يفتح الباب الخلفي للسيارة حيث كانت أمل تغط في نومٍ عميق، دوّى صوت ارتطامٍ عنيف بالأرض شقَّ سكون المكان.
التفت هُمام بفزع، فإذا بسارة ممددة على الأرض بلا حراك.
تجمد الدم في عروقه، ثم اندفع نحوها كالمجنون، وجثا على ركبتيه إلى جوارها، يربت على وجنتها بظهر كفه، وصوته يرتجف من شدة الخوف:
سارة... سارة! افتحي عينيكِ، أرجوكِ لا تفعلي بي هذا.
لكنها لم تستجب.
ازداد اضطراب أنفاسه، وحملها بين ذراعيه كأنها قطعةٌ من روحه يخشى أن تنفلت منه، بينما كان شحوب وجهها ينهش قلبه نهشًا. أسرع بها نحو المنزل، يطرق الباب بعنفٍ غير معتاد، وقلبه يخفق بجنون، ولسانه لا يفتر عن مناجاة الله أن يعيدها إليه سالمة.
فتحت ابتهال الباب مذعورة، وما إن وقعت عيناها على سارة حتى تبدلت ملامحها رعبًا.
أسرع هُمام يضعها على الأريكة، وقد اختنق صوته وهو يقول:
أمي... أُغمي عليها... بالله عليكِ أحضري العطر بسرعة.
لم تتأخر ابتهال، وعادت خلال لحظات تحمل الزجاجة، فأخذها منها بيدين مرتجفتين، وقربها من أنف سارة، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب.
وبعد لحظاتٍ بدت له كأنها دهرٌ كامل، تحركت أهدابها ببطء، ثم فتحت عينيها بتشوش.
وما إن وقع بصرها على هُمام حتى ارتمت بين أحضانه باكية بحرقة، تستعيد كلماته في السيارة، وكأنها سكاكين تمزق قلبها من جديد.
ضمها بقوة، وأغمض عينيه، يخفي دموعًا كادت تفضحه، بينما جلست ابتهال إلى جوارهما تمسح على ظهرها بحنان، وهي تتمتم بالدعاء، في حين وقف هُمام عاجزًا عن فعل شيء سوى احتضانها... وكأنه يخشى أن تغيب عنه مرةً أخرى إن أفلتها من بين ذراعيه.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
تقلبت ابتهال في نومها بهدوء، فقد كانت تتوسط الفتاتين؛ سارة عن يمينها، وخديجة عن يسارها، وكلتاهما تختبئان بين ذراعيها كطفلتين تخشيان أن تفلتا من حضن والدتهما.
أدارت رأسها نحو خديجة، فوجدتها متشبثة بيدها بقوة، وكأنها تخاف أن تستيقظ فلا تجدها بجوارها.
تنهدت ابتهال بحزنٍ عميق، وأشفقت عليها من أعماق قلبها.
ما زالت صغيرة على كل هذا الوجع... صغيرة على أن تُبتلى بهذا القدر من الفقد والخوف والانتظار. لكنها كانت توقن أن لله حكمةً في كل ما يقدره؛ فلعله تكفيرٌ لذنوبٍ مضت، أو رفعةٌ في الدرجات، أو اختبارٌ لطريقها الجديد الذي اختارته، والله وحده يعلم ما تخفيه الأقدار.
قطع سكون الليل اهتزاز هاتفٍ قريب.
حاولت تحرير نفسها برفقٍ من بين ذراعي الفتاتين، فقد كانت سارة الأخرى متشبثة بها وهي نائمة، ثم تناولت هاتف خديجة، وأجابت سريعًا بصوتٍ خفيض:
- السلام عليكم.
جاءها صوت جوليا المتلهف:
- ريليان!
ابتسمت ابتهال برفق، وقالت هامسة:
- ألا تنفع والدة خديجة؟
ارتسمت على شفتي جوليا ابتسامةٌ صغيرة، لكنها شعرت بوخزةٍ خفية في قلبها؛ فهذه الكلمة كانت تتمنى أن تُقال لها هي، فهي والدتها الحقيقية. إلا أنها ابتلعت غيرتها، وتجاهلت ما شعرت به، ثم قالت:
- نفد شحن هاتفي أثناء حديثي مع ريليان، ولم أستطع إكمال ما أردت قوله.
تنفست ابتهال براحةٍ كبيرة، فهذا يعني أن جرير لم يعلم باتصالها، ولم يمسها بأذى.
استأنفت جوليا حديثها بجدية:
- بما أن الأمر يخص ابنكِ سليم، فاستمعي إلي جيدًا. بدايةً، الحكم الصادر بحقه خمسة وعشرون عامًا، ولن يخرج إلا إذا ثبتت براءته. فإذا أثبتتم أن التسجيل الصوتي يعود لرلين، فسيُسقط عنه تهمة الاختطاف، وسيخفف الحكم كثيرًا. وأنا سأشهد أيضًا أن زواج ريليان تم بموافقتي الكاملة، أما تهمة الاختلاس وغسل الأموال، وما يتعلق بالنصح في مكانٍ عام، فبصراحة لا علم لي بها ولا أستطيع التدخل فيها.
أغمضت ابتهال عينيها، وشعرت بأن نافذةً صغيرة من الأمل قد فُتحت وسط ذلك الظلام الخانق.
قالت بامتنانٍ صادق:
- لا أعلم كيف أشكركِ يا سيدة جوليا... إن ساهمتِ في تخفيف الحكم عنه فلن أنسى معروفكِ ما حييت.
أجابتها جوليا بهدوءٍ امتزج بالألم:
- أنا لا أفعل ذلك إلا من أجل ابنتي... ومن أجل حفيدي القادم. لن أقبل أن يكبر طفلٌ بلا أب، كما أنني لا أحتمل رؤية الظلم وأنا قادرة على دفع جزءٍ منه. عليّ أن أنهي الاتصال الآن، وعندما تستيقظ ريليان أخبريها أن تهاتفني.
أومأت ابتهال برأسها، وكأن الأخرى تراها، ثم قالت:
- بإذن الله... في أمان الله.
أنهت الاتصال، وزفرت براحةٍ امتزجت بالرجاء، ثم اتجهت نحو المرحاض لتتوضأ، وتقف بين يدي الله في جوف الليل، تناجيه بقلبٍ أثقله الهم، ولم يجد ملجأً إلا إليه.
استيقظت خديجة على صوتٍ خافت، فرأت ابتهال واقفةً في صلاتها، غارقةً في خشوعها.
اعتدلت بهدوء، ثم نظرت إلى سارة التي كانت تئن في نومها أنينًا خافتًا، فوضعت يدها على كتفها تهزها برفق.
فتحت سارة عينيها ببطء، فابتسمت لها خديجة بلطف وقالت:
- صباح الخير... هيا انهضي، حتى لا تفوتنا صلاة القيام، يبدو أن أمي سبقتنا هذه المرة.
نظرت سارة نحو ابتهال، ثم اعتدلت وهي تمسد جبينها بإرهاق.
أما خديجة، فوضعت يدها على بطنها تتحسس صغيرها بحنان، ثم اتجهت إلى المرحاض، قبل أن تخرج بعدها متوجهةً إلى غرفة هُمام لتوقظه هو الآخر.
وبعد أن انتهت من صلاتها، وأغرقت سجودها بالدعاء لسليم، جلست أمام مصحفها تراجع حفظها، فقد بلغت الجزء الخامس والعشرين.
كانت تقرأ بخشوع، لكن ركلات جنينها المتتابعة جعلتها تتوقف بين الحين والآخر، لتبتسم رغم ألمها، وتمسح على بطنها بحنان.
أغلقت المصحف بعد أن غلبها الإرهاق، ونهضت ببطء، ثم اتجهت نحو ابتهال التي كانت قد غفت من شدة التعب، بعدما ذهبت سارة للاطمئنان على هُمام.
ارتمت خديجة في أحضانها، تستمد منها بعض الطمأنينة التي فقدتها منذ سُجن سليم، وأغمضت عينيها بقلبٍ مثقل بالخوف.
وقبل أن يغلبها النعاس، همست والدموع تترقرق في مقلتيها:
- اللهم اجعلني أستيقظ على خبرٍ يحيي قلبي، ويشرح صدري، ويمحو حزني. يا رب، بشرني بما أنتظره منك، وأنت خير المبشرين. اللهم أرح قلبي، وعقلي، ونفسي، وجسدي، وأبعد عني كل ما يؤلمني ويثقل روحي. ربِّ خفف عن نفسي كل وجعٍ أشعر به، ومدني بالصبر، واجعل بعد صبري فرحةً تسكن أعماقي... يا رب العالمين.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!