صراعٌ واكن
صراعٌ واكن
جزء 70 من 150
وضع القراءة:

الفصل السبعون

**
رفعت ريليان عينيها اللتين غمرتهما الدموع، وقد تحول بياضهما إلى احمرارٍ واضح، تمامًا كما احمرت بشرة وجهها من شدة البكاء، حين شعرت بسليم يجلس إلى جوارها على السرير.
جلس بجانبها بصمتٍ ثقيل، وأخذ قدرًا كبيرًا من الهواء داخل رئتيه، وكأنه يحاول أن يجمع شتات أفكاره قبل أن يواجهها بالسؤال الذي ظل ينهشه منذ مدة.
ثم استجمع هدوءه الظاهري، ونطق بصوتٍ خافت يحمل الترقب:
- سؤال واحد أريد له إجابةً واحدة... وعليكِ أن تجيبي بصدق، لأنه يجب عليّ أن أقطع الشكوك التي تراودني، ولعلنا نتوصل إلى حل، هل اقترب منكِ أي شخص؟ أعني... هل كانت لكِ علاقة سابقة؟
تعلقت عيناها به طويلًا، لم تكن تنظر إليه بغضب، بل بألمٍ صامت، وكأن اتهامه الصريح أطفأ شيئًا بداخلها، خرج صوتها خاليًا من القوة، مثقلًا بالخذلان:
- هل ستصدقني؟!
أومأ لها بصدق، مثبتًا نظره داخل عينيها، يحاول أن يمنحها الأمان لتتكلم:
- أجل، سأفعل، والآن أخبريني.
جمعت ريليان شجاعتها بصعوبة، ومسحت دموعها التي لم تتوقف عن الانهمار، ثم أحكمت الغطاء حول جسدها، وهي ترى في عينيه ذلك الألم الذي حاول إخفاءه، خرج قسمها مرتجفًا لكنه صادق:
- أقسم بالذي خلقكَ فسواكَ فعدلك... وأقسم بالذي بسط الأرض ونصب الجبال ورفع السماء بلا عمد... وأقسم بالذي ردني إليه ردًا جميلًا... أنه لم يقترب مني أي شخص.
تعمقت في عينيه، وكأنها تبحث فيهما عن ذرة تصديق، بينما انحدرت دموعها بهدوء فوق وجنتيها:
- لم أسمح لنفسي بإقامة أي علاقة مع أي شخص يا سليم، حتى أمبر، لم أسمح له بتقبيلي، وإن كنت غير مصدق، فيمكننا الذهاب إلى الطبيب لنتأكد من ذلك.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت بانكسار وهي تلمح التردد في عينيه:
- لكن اعلم أنك جرحتني، جرحتني كثيرًا باتهامك وتفكيرك هذا يا سليم.
تحركت شفتاه محاولًا الحديث، لكنها أسرعت بإيقافه، وزفرت بغصةٍ عالقة في صدرها:
- لا أريدك أن تقول شيئًا، فهذا طبيعي لأي شخصٍ في مكانك، وأنا لا ألومك، لكنك تعلم قصتي، وقد أخبرتك أمي ابتهال بها.
أطلق سليم زفيرًا طويلًا، ثم أشاح بنظره عنها، وكأنه لا يحتمل رؤية الألم الذي تسبب به:
- اعذريني، فما حدث لم أكن أتخيله يا ريليان.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مريرة، لم تكن تحمل لومًا، بل وجعًا هادئًا، فهي تدرك أن أي شخصٍ مكانه قد تراوده الشكوك نفسها، ولو لم تكن تعرف حقيقتها، ولو لم تكن واثقة من نفسها، لربما صدقت ظنونه.
تذكرت إحدى الروايات التي قرأتها سابقًا، وكيف عاشت بطلتها موقفًا مشابهًا يوم زفافها، حين اتُهمت ولم يصدقها زوجها، حتى أثبت الفحص الطبي براءتها بعد أيام.
لكن الفرق بينها وبين تلك البطلة أن سليم، رغم ألمه وغضبه، لم يؤذها ولم يهدر كرامتها، رفعت عينيها إليه من جديد، وسألته بهدوءٍ منكسر:
- هل تعلم كيف التقيت بسارة يا سليم؟
حرّك رأسه نافيًا معرفته، فشدت ريليان قبضتها على الغطاء قبل أن تسترسل:
- كنت خارجة مع أمبر في إحدى المرات... وحين اقترب مني يريد أن يقبلني، صفعته وهربت، ثم احتميت بسارة.
توقفت قليلًا، ثم تابعت بصوتٍ يحمل مرارة التجربة:
- أعلم أنك غير مصدق لما أقوله، فكيف لفتاةٍ كانت تعيش في مجتمع يرى هذا الأمر طبيعيًا ومباحًا، ألا تكون قد أقامت أي علاقة سابقة؟ لكنني أقسمت لك يا سليم... لم أقم بأي علاقة.
هبط صوتها أكثر، وهي تضع آخر كلماتها أمامه:
- يمكننا في الصباح الذهاب إلى الطبيب إن أردت أن تطمئن. وإن لم أكن كذلك، يمكننا الانفصال.
خرجت أنفاس سليم بغضبٍ مكتوم، وضغط على يده بقوة بعدما استمع إلى اسم أمبر وما كان ينوي فعله بها.
اشتعلت في صدره غيرةٌ لم يستطع إخفاءها، ليس من الماضي، بل من مجرد فكرة أن شخصًا حاول تجاوز حدودها أو الاقتراب منها بتلك الطريقة.
لكن سرعان ما عاد بنظره إليها عندما التقط آخر جملة نطقت بها.
الانفصال...
توقفت ملامحه للحظة، وكأن الكلمة أصابته أكثر مما توقع، ليهتف باستنكارٍ امتزج بالدهشة:
- ومن قال لكِ إنني أريد ذلك؟
اقترب منها قليلًا، محاولًا أن يجعلها تفهم ما يدور بداخله، ثم أردف بصوتٍ أكثر هدوءًا:
- ريليان... عزيزتي، اسمعيني جيدًا. ما حدث قبل قليل شيءٌ لا يتحمله أي رجل مهما كان طبعه أو دينه أو طريقة تفكيره.
توقف لحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة حتى لا يزيد ألمها:
- حتى وإن كان يعلم أنها ليست فتاةً في الأصل... فإن بداخله رغبة طبيعية بأن يكون هو أول من يقترب منها، لذلك كانت ردة فعلي نتيجة صدمةٍ لم أستطع السيطرة عليها.
ثبت عينيه عليها بصدق، وأكمل:
- لكن هذا لا يعني أنني لا أصدقكِ... بعدما أقسمتِ لي، لم يعد هناك مجال للشك.
لم تجبه ريليان...
بقيت صامتة تمامًا، وكأنها فقدت القدرة على الكلام.
كانت فقط تنظر إليه، تبحث في ملامحه عن الحقيقة، تريد أن تتأكد أنه صدقها فعلًا، وأنها لم تخسر ثقته بها بسبب لحظة شك.
لاحظ سليم صمتها، لكنه لم يضغط عليها، فبعد لحظاتٍ صدح هاتفه بالرنين معلنًا موعد المنبه.
التفت إلى الساعة، ثم اعتدل في جلسته وأغلق المنبه، متوجهًا نحو المرحاض.
وقبل أن يبتعد تمامًا، توقف فجأة...
عاد إليها بخطواتٍ هادئة، وانحنى أمامها، ثم مسح بأطراف أصابعه دموعها العالقة عند أهدابها، وقبّل رأسها طويلًا.
ابتسم لها برقةٍ وهو يهمس:
- لا تفكري فيما حدث يا ريليان... وجهزي نفسكِ ريثما أخرج من المرحاض، لن أتأخر.
تابعته بعينيها بعدم تصديق...
لم تستوعب كيف استطاع أن ينتقل من ذلك الألم إلى هذا الحنان في لحظات.
لكن ما إن أغلق باب المرحاض حتى عادت إلى مكانها، واختبأت تحت الغطاء، لتكمل بكاءها بصمت.
كانت ما تزال مقتنعة بأنه لم يصدقها تمامًا...
لكن ماذا بيدها أن تفعل؟
هي تعرف نفسها جيدًا، وتعرف يقينًا أنه لم يقترب منها أحد، وأنها لو أرادت التأكد أكثر فلن تجد سوى الطبيبة لتثبت له ما تعرفه عن نفسها.
وبعد مدة، وصل إلى مسامعها صوت سليم القريب منها، يحمل شيئًا من الضيق:
- ريليان... لا تقولي لي إنكِ نمتِ.
رفعت رأسها من أسفل الغطاء بعدما مسحت آثار دموعها، وأجابته بصوتٍ منخفض:
- لا... لم أنم، كنت أنتظر أن تخرج.
تنفس براحةٍ كبيرة بعدما علم أنها لم تغفُ، لكنه تعمد تجاهل آثار بكائها، فلم يُرد فتح الحديث من جديد حتى لا يعيد إليها الألم.
ثم خاطبها بهدوء:
- اذهبي واغتسلي، ثم توضئي... سوف أصلي ريثما تنتهين.
عقدت حاجبيها باستغراب، وسألته:
- الفجر؟! لكنه لم يؤذن بعد.
ابتسم وهو يجلس بجانبها، موضحًا لها:
- أجل، هذا صحيح... لكننا سنصلي قيام الليل أولًا، وليس الفجر. سأصلي ركعتي سنة الوضوء وركعتين من القيام، هيا اذهبي كي لا نتأخر.
وضعت قدميها على الأرض الرخامية بعد أن أزاحت الغطاء عنها، وأحكمت مئزرها جيدًا، ثم توجهت نحو المرحاض بشرود.
تابعها سليم بنظراتٍ هادئة، ثم تنهد وشرع في صلاته بعدما أُغلق الباب خلفها بهدوء.
وبعد أن أنهى صلاته، التفت برأسه إلى الجهة اليسرى، ثم شعر بها تقف خلفه.
كانت ريليان تفرك يديها معًا بتوتر، وكأنها لا تزال تخشى أن يكون بينهما حاجزٌ لم يُمحَ بعد.
استدار إليها بابتسامةٍ هادئة وصادقة، وكأنها كانت رسالة طمأنينةٍ لها بأنه صدقها فعلًا.
توجهت نحو ثياب الصلاة وارتدتها، بينما تابع خطواتها بصمت.
وبعد أن انتهت، جلست أمامه وسألته بفضول:
- وما هذه الصلاة؟!**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الرابع 5 الفصل الخامس 6 الفصل السادس 7 الفصل السابع 8 القصل الثامن 9 الفصل التاسع 10 الفصل العاشر 11 الفصل الحادي عشر 12 الفصل الثاني عشر 13 الفصل الثالث عشر 14 الفصل الرابع عشر 15 الفصل الخامس عشر 16 الفصل السادس عشر 17 الفصل السابع عشر 18 الفصل الثامن عشر 19 الفصل التاسع عشر 20 اىفصل العشرون 21 الفصل الحادي والعشرون 22 الفصل الثاني والعشرون 23 الفصل الثالث والعشرون 24 الفصل الرابع والعشرون 25 الفصل الخامس والعشرون 26 الفصل السادس والعشرون 27 الفصل السابع والعشرون 28 الفصل الثامن والعشرون 29 الفصل التاسع والعشرون 30 الفصل الثلاثون 31 الفصل الحادي والثلاثون 32 الفصل الثاني والثلاثون 33 الفصل الثالث والثلاثون 34 الفصل الرابع والثلاثون 35 الفصل الخامس والثلاثون 36 الفصل السادس والثلاثون 37 الفصل السابع والثلاثون 38 الفصل الثامن والثلاثون 39 الفصل التاسع والثلاثون 40 الفصل الأربعون 41 الفصل الحادي والأربعون 42 الفصل الثاني والأربعون 43 الفصل الثالث والأربعون 44 الفصل الرابع والأربعون 45 الفصل الخامس والأربعون 46 الفصل السادس والأربعون 47 الغصل السابع والأربعون 48 الفصل الثامن والأربعون 49 الفصل التاسع والأربعون 50 القصل الخمسون 51 الفصل الحادي والخمسون 52 الفصل الثاني والخمسون 53 الفصل الثالث والخمسون 54 الفصل الرابع والخمسون 55 الفصل الخامس والخمسون 56 الفصل السادس والخمسون 57 الفصل السالع والخمسون 58 الفصل الثامن والخمسون 59 الفصل التاسع والخمسون 60 الفصل الستون 61 الفصل الحادي والستون 62 الفصل الثاني والستون 63 الفصل الثالث والستون 64 الفصل الرابع والستون 65 الفصل الخامس والستون 66 الفصل السادس والستون 67 الفصل السابع والستون 68 الفصل الثامن والستون 69 الفصل التاسع والستون 70 الفصل السبعون 71 الفصل الحادي والسبعون 72 الفصل الثاني والسبعون 73 الفصل الثالث والسبعون 74 الفصل الرابع والسبعون 75 الفصل الخامس والسبعون 76 الفصل السادس والسبعون 77 الفصل السابع والسبعون 78 الفصل الثامن والسبعون 79 الفصل التاسع والسبعون 80 الفصل الثمانون 81 الفصل الحادي والثمانون 82 الفصل الثاني والثمانون 83 الفصل الثالث والثمانون 84 الفصل الرابع والثمانون 85 الفصل الخامس والثمانون 86 الفصل السادس والثمانون 87 الفصل السابع والثمانون 88 الفصل الثامن والثمانون 89 الفصل الثامن والثمانون 90 الفصل التسعون 91 القصل الحادي والتسعون 92 الفصل الثاني والتسعون 93 الفصل الثالث والتسعون 94 الفصل الرابع والتسعون 95 الفصل الخامس والستون 96 الفصل السادس والتسعون 97 الفصل السابع والتسعون 98 الفصل الثامن والتسعون 99 الفصل التاسع والتسعون 100 الفصل المائة 101 الفصل المائة وواحد 102 الفصل المائة واثنان 103 الفصل المائة وثلاثة 104 الفصل المائة وأربعة 105 الفصل المائة وخمسة 106 الفصل المائة وستة 107 الفصل المائة وسبعة 108 الفصل المأئة وثمانية 109 الفصل المآئة وتسعة 110 الفصل المئة والعاشر 111 الفصل المئة وأحد عشر 112 الفصل المئة والثاني عشر 113 الفصل المئة وثلاثة عشر 114 الفصل المئة وأربعة عشر 115 الفصل المئة وخمسة عشر 116 الفصل المئة وستة عشر 117 الفصل المئة وسبعة عشر 118 الفصل المئة وثمانية عشر 119 الفصل المئة وتسعة عشر 120 الفصل المئة وعشرون 121 الفصل المئة وواحد وعشرون 122 الفصل المئة واثنان وعشرون 123 الفصل المئة وثلاثة وعشرون 124 الفصل المئة وأربعة وعشرون 125 الفصل المئة وخمسة وعشرون 126 الفصل المئة وستة وعشرون 127 الفصل المئة وسبعة وعشرون 128 الفصل المئة وثمانية وعشرون 129 الفصل المئة وتسعة عشر 130 الفصل المئة وثلاثون 131 الفصل المئة وواحد وثلاثون 132 الفصل المئة واثنان وثلاثون 133 الفصل المئة ثلاثة وثلاثون 134 الفصل المئة وأربعة وثلاثون 135 الفصل المئة وخمسة وثلاثون 136 الفصل المئة وستة وثلاثون 137 الفصل المئة وسبعة وثلاثون 138 الفصل المئة وثمانية وثلاثون 139 الفصل المئة وتسعة وثلاثون 140 الفصل المئة وأربعون 141 الفصل المئة وواحد وأربعون 142 الفصل المئة واثنان وأربعون 143 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 144 الفصل المئة وثلاثة وأربعون 145 الفصل المئة وخمسة وأربعون 146 الفصل المئة وستة وأربعون 147 الفصل المئة وسبعة وأربعون 148 الفصل المئة وثمانية وأربعون 149 الفصل المئة وتسعة وأربعون 150 الفصل المئة وخمسون (النهاية)

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.