الفصل الثامن والثمانون
**
تنهدت ريليان بضيقٍ هادئ، ثم حاولت تغيير مجرى الحديث بلطف:
- اشتقتُ إليكِ يا رلين.
جزّت رلين على أسنانها بغضب، ثم أجابت ببعض الهدوء الذي حاولت استحضاره:
- اجلسي يا ريليان، أريد أن أتحدث معكِ حقًا.
توجهت ريليان نحو الأرائك، لتتذكر ما حدث لها هنا من والدها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم جلست على إحداها بشوقٍ وحنينٍ إلى منزلها القديم.
نظرت رلين إلى تعابير وجهها، ثم خاطبتها بهدوءٍ صادق:
- دعيني أحضر لكِ الماء أولًا حتى تستعيدي نفسكِ.
أومأت ريليان لها، بينما أخذت تتأمل المنزل أمامها باشتياق، بعد دقائق، عادت رلين وهي تحمل الكأس بين يديها:
- تفضلي.
أخذته منها ريليان بابتسامة، وبدأت ترتشف القليل منه، بينما بدأت رلين حديثها دون أن تنظر إليها، فلا تعلم من أين تبدأ:
- أخبريني... هل أنتِ سعيدة حقًا بزواجكِ يا ريليان؟
تنهدت ريليان بحبٍ كبير، ثم أجابتها بسعادة وصدق:
- أجل، إنني أسعد فتاةٍ على وجه الأرض، والحمد لله على ذلك.
زفرت رلين بضيق من حديثها، لتتابع ريليان بابتسامة حب:
- إنني محظوظة حقًا بزواجي من سليم يا رلين. إنه طيب، وجميل الخُلُق والخِلقة. أتعلمين؟ لقد جاء في الوقت الذي كنت أرفض فيه الحب، فأحببته أكثر مما ينبغي.
بدأ شعورٌ خفيف بالدوار يداهمها، فسارعت رلين تراقب ملامحها:
- لكنكِ لستِ محظوظة بتبديل دينكِ، ولستِ سعيدة معه. هو يختلف عنكِ.
نفت ريليان برأسها، وارتسمت ابتسامة هادئة على ثغرها:
- أتعلمين ما هو الحظ يا رلين؟ من بين أربعة آلاف ومئتي ديانة، اخترتُ أن أكون مسلمة. أتعلمين أن الحظ هو أن يضع الله في طريقك شخصًا يتمسك بكِ ولا يريد أن يترككِ؟ شخصًا يعلمكِ ما تريدين دون حساب أو مقابل؟
ثم تابعت بصوتٍ مليء بالامتنان:
- أتعلمين ذلك الشخص الذي مسته رحمةٌ من الله فأصابت قلبه فأحيته؟ هذا هو حظي يا رلين... وأنا سعيدة للغاية.
وقفت رلين بغضب، ولم تستطع السيطرة على نفسها أكثر:
- أنتِ تتوهمين يا ريليان... أنتِ لستِ سعيدة. سوف تكونين سعيدة عندما تعودين إلى ديانتنا. سوف تكونين ذات حظٍ سعيد عندما تتزوجين أمبر، صدقيني إنه يحبكِ. ريليان، عودي إلينا واتركي حياتكِ تلك التي أردتِ تجربتها، وأنتِ تعلمين أنها لا تناسبكِ.
بدأت الرؤية أمام ريليان تصبح مشوشة، فحاولت التركيز وهي تضغط على جانب رأسها بأطراف أصابعها:
- أخطأتِ يا رلين... ثم من قال إنني لستُ سعيدة؟ صدقيني يا رلين، أنتِ من تضعين الحواجز بيننا. لماذا لا نعود كما كنا في السابق؟ قلتُ لكِ اعتبريني تزوجت وانتقلت إلى منزل زوجي. ها أنا كما أنا، لم أتغير... لكنني أرى عدم التقبل في عينيكِ. لماذا هذا البعد؟ أريد نصفي الآخر.
زفرت رلين بقوة وهي تستمع إليها، بينما تابعت ريليان بصوتٍ ثقيل ومتقطع قليلًا:
- أعدكِ أن أبقى كما أنا، وأن أزوركِ وأهاتفكِ، لكن عليّ أن أتحدث مع أبي قبل كل شيء، لأنني أخاف منه كما تعلمين. أريدكِ أن تنسقي لي موع...
قاطعها صوت رنين هاتف رلين، فأغلقت الأخرى الاتصال.
بدأت ريليان تغلق جفنيها ببطء، تقاوم ذلك الثقل الذي يهاجمها وتحاول إبقاء عينيها مفتوحتين، لكن محاولاتها بدأت تضعف، اقتربت منها رلين بقلق، ليسقط الكأس من بين يدي ريليان، فانتفضت بخضة خفيفة.
حاولت ريليان الصمود أكثر، لكنها شعرت بالظلام يداهمها، فأغلقت عينيها باستسلام، لتسقط بين يدي رلين التي سارعت بتلقفها بحذر.
رفعت رلين صوتها تنادي:
- أمبر... اخرج، لقد فقدت وعيها!
أسرع أمبر بالظهور، واقترب منها بخطواتٍ متسارعة، لكنه توقف مصدومًا مما يراه أمامه.
زفرت رلين بضيق وهي تخاطبه:
- لا تقف كالصنم الآن! إنها ريليان، أمسكها بسرعة، لكن احذر الزجاج.
وقفت ماريّا تنظر بقلق بعدما استمعت إلى صوت تحطم الزجاج، ثم صرخة رلين، وما إن رأت ريليان بين يدي أمبر حتى ابتعدت عن طريقهم، ليضعها على أريكةٍ أخرى.
وقفت رلين بحيرة وهي تنظر إلى الوضع أمامها:
- ماذا بعد؟
التفت أمبر نحو ماريّا، فوجدها تجمع قطع الزجاج، ثم همس لها:
- اصرفيها، لن أستطيع الخروج بها من الباب الرئيسي. سأخرج من المطبخ، فالمحمدي ينتظرها بالخارج أمام الباب.
بعثرت رلين شعرها بتفكير، ثم خاطبت ماريّا:
- ماريّا، اذهبي وأحضري ثيابًا لريليان بدل هذه. يبدو أنها تشعر بالاختناق.
صعدت ماريّا إلى الأعلى، بينما حمل أمبر ريليان بين ذراعيه مرةً أخرى، متوجهًا نحو المطبخ، فتحت له رلين الباب بسرعة، بعد أن تفحصت الطريق جيدًا.
نظرت إليه بتوجس:
- أمبر، لقد وعدتني ألا تقترب منها، أليس كذلك؟
أومأ لها متنهدًا بثقل:
- أجل، وعدتكِ... ولقد وعدت اليسوع قبلكِ. رغم أنني لا أضمن نفسي، لكنني أعدكِ مرةً أخرى ألا ألمسها.
تنفست رلين براحة، ثم خاطبته باسمه:
- إنني أعتمد عليك. مفعول المخدر ينتهي بعد اثنتي عشرة ساعة، أليس كذلك؟
أومأ لها مؤكدًا، ثم نظر إلى ساعته ليجدها العاشرة وخمسًا وأربعين دقيقة.
تحرك مبتعدًا عنها:
- أنا ذاهب يا رلين، سأنتظركِ في الصباح.
شيعته رلين بنظراتها حتى اختفى من أمامها، متوجهًا نحو سيارته التي أوقفها خلف المنزل حتى لا يشك ديفيد بالأمر.
كان قد أوصل رلين إلى المنزل وغادر قبل وصول ريليان بمدة، لينطلق بسيارته نحو البيت بعدما وضع ريليان في المقعد الخلفي.
««:::::::::::::-:::::::::::::»»
نظر سليم إلى ساعته التي تزيّن معصمه ليجد أنها تجاوزت الحادية عشرة، فأمسك هاتفه يريد أن يهاتف ريليان كي تخرج ويرحلا، وضعه على أذنه ليستمع إلى رنين هاتفها في السيارة، فتنهد بضيق من غفلته؛ لم ينبهها بأن تأخذ هاتفها معها، فكيف سيتواصل معها الآن؟
أمسك هاتفها مخرجًا إياه من حقيبتها، ليبتسم بسعادة وهو يقرأ الاسم المسجل: "رفيقي نحو الجنان".
أخذ نفسًا عميقًا ثم أغلق هاتفها، مترجلًا من سيارته وهو يمسك به بين يديه بجانب هاتفه، فرك لحيته بتفكير، ثم حسم أمره متوجهًا نحو المنزل؛ فلا يوجد حلّ آخر غير ذلك.
اقترب من الباب ليطرقه بخفة، ففتحت له ماريّا باستفسار:
- تفضل سيدي.
حمحم سليم بصوتٍ خافت، وهو يخفض رأسه:
- من بعد إذنكِ، أخبري ريليان أنني أنتظرها.
نظرت إليه ماريّا بتدقيق في ملامحه:
- هل أنت زوجها؟
أومأ لها، وما زال بصره منخفضًا:
- أجل.
هزّت رأسها بخفة، ثم أجابته بعملية ورسمية:
- ليست موجودة سيدي، لقد غادرت.
عقد حاجبيه بتعجب:
- غادرت؟ متى غادرت؟
أجابته بعد أن تذكرت وهي تتأمل تقاصيله:
- قبل ربع ساعة تقريبًا، لقد كانت متعبة ورحلت.
أومأ لها بتفهم، ثم ابتعد عن الباب ليهاتف والدته بسرعة كبيرة، وفي داخله قلقٌ يحاول جاهدًا أن يكذّبه.
أجابته ابتهال بنعاس:
- هل وصلتما بني؟
وصلتما؟!
توقف للحظة عند كلمتها، فهي تعني أن ريليان لم تصل إلى المنزل بعد، أجابها ببعض الهدوء الذي حافظ عليه:
- لا، ليس بعد، يبدو أنكِ نائمة، هل أيقظتكِ؟
وضعت يدها على فمها وهي تتثاءب:
- لا، فأنا أنتظركما بني هل الأمور كلها بخير؟ هل تصالحت مع أختها وعائلتها؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!