الفصل الرابع والثلاثون
تحدث سليم مخاطبًا والدته بهدوء، محاولًا أن يخفي اضطرابًا خفيفًا تسلل إلى صوته رغم ثباته الظاهري:
- أمي، أخبريها ما الذي عليها فعله بعد الآن، سأعود بعد قليل.
كانت كلماته قصيرة، لكنها خرجت محمّلة بثقلٍ غير مرئي، كأنه يحاول أن يهرب من لحظة امتلأت بما لا يستطيع تفسيره. لم ينظر حوله كثيرًا، بل تحرك بخطوات هادئة نحو الخارج، إلا أن ملامحه لم تكن كما كانت قبل قليل، هناك شيء تغيّر داخله هو الآخر، لكنه اختار أن يبتعد قليلًا عن المكان ليُخفي ارتباك قلبه الذي لم يعتد هذا النوع من المشاعر.
أعادت ابتهال أنظارها نحو ريليان التي ما زالت تبكي لتتحدث بحنان كبير، ماسحةً دموعها:
- أول خطوة بعد الآن أن تغتسلي كاملًا عزيزتي بنية الطهارة، فكما طُهّر قلبك من الشرك والمعاصي والذنوب عليكِ تطهير جسدكِ من الخارج، وهذا ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة عندما أراد الدخول في الإسلام بأن يغتسل ليدخل في الإسلام.
أومأت لها ريليان بتفهم لتكمل ابتهال بحنان وحب:
- عليكِ أيضًا إعلان التوبة، بما أنكِ أصبحتِ مسلمة، ويجب عليكِ ألا تعودي إلى تلك الأعمال التي تغضب الله، فهي ذنوب تؤثمين عليها عند الله تعالى، فإنّ الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا عند الإسلام.
توقفت عن الإكمال لتنظر إلى سليم الذي عاد متقدمًا نحوهم، وقد سيطر عليه الارتباك، وبين يديه حقيبة متوسطة الحجم، ليتحدث وهو يضعها بجانب والدته:
- تفضلي أمي، أعطيها هذه الحقيبة، ففي داخلها يوجد العديد من الكتيبات الصغيرة التي تعلمها شعائر الإسلام المهمة، كالوضوء والصلاة والصوم وغيرهم، مع أشرطة تعرض ذلك بالفعل. أعلم أنها لن تتعلمه الآن فالوقت متأخر، لكن عليها أن تقرأها عندما تذهب لمنزلها في أقرب وقت، ويوجد أيضًا كتاب القرآن الكريم بشرحه ومعانيه مع قرص مسجل بذلك.
رفعت ريليان عينيها إليه بصمت، تحدق في ملامحه وقد امتلأ قلبها بمشاعرٍ عجزت عن تسميتها. كانت ترى اهتمامه بكل تفصيل يخص دينها وحرصه على ألا يتركها تائهة بعد إسلامها، حتى راودها سؤالٌ أربك قلبها، هل يفعل ذلك مع كل من يدخل الإسلام أم أنها أصبحت ترى كل ما يفعله أكبر مما هو عليه؟ فأنبتت الفكرة في قلبها رجاءً خافتًا، لكنها سارعت إلى دفنه، فقد كانت تعلم أن قلبها لم يعد يملك حق التعلق به:
- شكرًا لكم حقًا، لكن يجب عليّ الذهاب للبيت فقد تأخرت كما قال سليم.
نظرت أمل إلى سليم لتخاطبه بضيق طفولي:
- وأنا أريد هدية مثلها، لا شأن لي.
نظر إلى الغضب داخل عينيها ليتحدث وهو يحملها بين يديه ويقبل وجنتيها:
- أوه، يوجد سارة أخرى لدينا هنا، تعالي سوف أعيدكِ للمعهد مرة أخرى، لقد تجاوزنا الموعد المسموح للخروج.
تحدثت سارة مطمئنةً أمل:
- بعيدًا عن جملتك التي لا داعي لها، لكن لا تقلقي فقد سمحت لي المشرفة أن أبقى لهذا اليوم، فعمّها خارج البلاد هذا الشهر.
أومأ لها بتفهم ليضعها في أحضان ابتهال:
- حسنًا، اعتني بها جيدًا أمي ريثما نقوم بإيصال ريليان لمنزلها.
عقدت أمل بين حاجبيها بحزن حقيقي:
- أريد أن أذهب معكم، لا شأن لي.
خاطبت ابتهال سليم وهي تمسد شعر أمل:
- خذها معك سليم، فأنا سأغلق الباب خلفكم بالمفتاح جيدًا، لا تقلق. مع أنني حزينة من أمل لأنها لا تريد أن تبقى لدي.
احتضنتها أمل معتذرةً بسرعة:
- لم أقصد ذلك أمي، لكني أريد أن أشاهد منزل ليان، فلقد أخبرتني ذات مرة أنه يمكنني رؤية منزلها، أما إن كنتِ ستحزنين فسوف أبقى لديكِ، لا يهم.
ضحكت بخفة لتجيبها:
- إنني أمزح يا صغيرة، يمكنكِ الذهاب، فسوف أخلد للنوم الآن، فقد تأخر الوقت.
عانقتها أمل صارخة بحماس:
- تعيش أمي تعيش.
توجه سليم نحو الباب ليفتحه مخاطبًا الجميع:
- حسنًا، يمكننا الذهاب الآن.
رافقتهم ابتهال حتى الباب تودعهم:
- في أمان الله.
قاد سليم السيارة نحو منزل ريليان وهو ينظر أمامه ببعض الشرود، أما سارة وأمل وريليان فهم يتحدثون في موضوع لم ينتبه إليه.
بعد مدة حمحم سليم بصوته، لا يعلم كيف يخبرها لكن يجب عليه أن يتحدث ليقاطع حديثهم موجهًا كلامه نحو ريليان:
- بعد إذنكِ يا آنسة، عليكِ أن تقرئي كتاب تعلم كيفية الصلاة أولًا، لأن الصلاة عمل يومي يؤديه المسلم، وعليكِ أيضًا حفظ سورة الفاتحة وبعض من آيات القرآن الكريم ريثما تنتهين من اختباراتكِ لهذا العام، ثم يمكنكِ القدوم للمنزل إن احتجتِ لشيء.
أومأت له ريليان بتفهم، لتنظر إليه من خلال المرآة شاردة في ملامحه، ثم وبّخت نفسها بضيق من تصرفاتها، فلم يعد لها الحق في تأمله. بعد مدة وصل سليم أمام منزلها، فترجلت بعدما قبلت سارة وأمل التي نامت بفعل حركة السيارة، وأمسكت بحقيبتها التي تحتوي على الكتيبات لتدلف إلى المنزل، بعدما تحرك سليم مغادرًا.
وجدت والدتها تقف خلف النافذة، فتقدمت نحوها مقبلةً وجنتيها:
- مساء الخير أمي.
نظرت إليها جوليا لعدة ثوانٍ لتتحدث متنهدة:
- أين كنتِ يا ريليان طوال هذه المدة، ألا تعلمين أن لديكِ غدًا اختبارًا أم ماذا؟
عانقتها بابتسامة لا تريد عكر صفو سعادتها:
- لقد انتهيت من دراستي أمي، لم يتبقَّ لدي سوى المراجعة لا تقلقي.
زفرت جوليا ببطء:
- لمن هذه السيارة يا ريليان؟ هل هي لصديقتكِ؟
نفت برأسها مجيبةً بتريث:
- لا، إنها لشقيقها الأكبر.
أغمضت جوليا عينيها زافرةً لتسألها بنظرة شك:
- ريليان، أجيبي أين كنتِ بالتحديد؟
ضمت الحقيبة إلى صدرها وكأنها تتمسك بشيء أنقذ روحها من الضياع، ثم أجابت:
- كنت عند صديقتي أمي.
نظرت جوليا إليها قليلًا، ثم نقلت أنظارها إلى الحقيبة التي تتمسك بها لتكمل:
- وما اسم صديقتكِ هذه؟
بدأت دقات قلبها تعلو تدريجيًا لتجيبها بمزاح لعلها تخفي توترها:
- لماذا؟ هل تريدين خطبتها لستيف أخي وترك إليا؟
أجابتها جوليا بحدة طفيفة:
- ريليان، كفاكِ مزاحًا، وقولي لي من هذه الصديقة.
تقدم جرير نحوهم ليتساءل باستفهام:
- ماذا يحدث هنا؟
نظرت إليه جوليا بابتسامة زائفة:
- لا شيء عزيزي، كنت أتناقش معها ببعض الأمور.
أومأ جرير برأسه ليخاطب ريليان:
- حسنًا، وأنتِ يا ريليان عليكِ أن تدرسي جيدًا، اتفقنا؟
أومأت له، ليتقدم جرير معانقًا إياها بخفة، ثم وضع قبلة صغيرة على رأسها ليتحدث باسمًا بهدوء:
- هيا اذهبي لغرفتكِ حبيبتي.
رمشت ريليان بعينيها بعدم تصديق، ثم عانقته بسعادة كبيرة وقبلت وجنته بقوة وحب:
- حسنًا أبي، سوف أذهب وأدرس جيدًا، تصبح على خير.
توجهت نحو الأعلى قاصدة غرفتها، ليلتفت جرير نحو جوليا التي تحدثت برقة:
- شكرًا لك جرير، هل رأيت كيف أسعدتها بلطفك؟ إنها تحتاج الحنان واللطف منك ليس أكثر، بالنهاية أنت والدها.
زفر بضيق ليتحدث:
- لا أعلم يا جوليا، تلك الحادثة تؤثر عليّ بشكل كبير، لم أتوقع منها ذلك.
وضعت يدها على كتفه متحدثة بابتسامة مطمئنة:
- لقد أخبرتك أن تمحوها من ذاكرتك عزيزي، لكنك تصر على تذكر شيء لا داعي له، لقد مضت وانتهت ونحن الآن في المستقبل.
أومأ لها متنهدًا ليجيبها بنظرة مترجية:
- أرجو ذلك يا جوليا... لكنني أخشى أن يعود كل شيء كما كان. لقد رأيت ذلك الاضطراب في عينيها أكثر من مرة، وأنتِ أيضًا رأيته. أحاول أن أقنع نفسي بأنه مجرد وهم، لكن خوفي يزداد كلما نظرت إليها.
أغمضت عينيها من حدوث ذلك، إنها لن تسمح بأن يتحقق ما تفكر به، لتجيبه بهدوء:
- أجل لقد رأيت يا جرير، لكن يمكننا احتواءها أليس كذلك؟ ربما معاملتك السابقة لها هي الأساس في ذلك، لذا أرجو منك أن تنسى ما فات وما حدث قبل عدة أيام من أجلنا ومن أجلها.
أغمض عينيه ليأخذ أكبر قدر من الهواء داعيًا الله أن يكون الأمر كما يريدون.
في تلك الأثناء دلفت ريليان غرفتها لتجد شقيقتها رلين منهمكة في دراستها، فتقدمت منها متسائلة بحب:
- هل انتهيتِ من دراستكِ؟
نظرت إليها رلين متنهدة بضيق وإرهاق:
- لا، وقد مللت أيضًا، إن الرياضيات مادة صعبة جدًا.
ضحكت ريليان بخفة لتتوجه نحو مكتبها، تضع الحقيبة داخله مخاطبةً إياها برقة:
- انظري، أريد أن أغتسل، وبعد ذلك سأذاكر معكِ. مع أنني شرحت لكِ بالأمس، لكن ماذا أقول لديفيد ذاك سارق عقلكِ وتركيزكِ؟
تابعتها رلين بنظراتها لتتحدث بحب وهيام:
-إنه ليس سارق عقلي وتركيزي، بل قلبي أيضًا.
حركت ريليان رأسها بقلة حيلة لتتوجه نحو دولاب ثيابها، تخرج بعض الملابس، ثم نظرت إلى عقدها الصليبي وأغمضت عينيها بقوة، وأدخلته بين طيات ثيابها، ثم توجهت نحو المرحاض عاقدة نية طهارتها من الذنوب.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كانت ريم تقوم بتنظيف المنزل، وهي تشعر بتعبٍ غريب لا تعلم سببه.
لم تفهم لماذا تشعر اليوم بهذه الأعراض التي لا تريد حتى التفكير في استنتاجها؛ آلامٌ في رأسها، بالإضافة إلى أنها تذهب للتقيؤ بين فترةٍ وأخرى.
أنهت تنظيف المطبخ، ثم خرجت نحو الصالة بعدما استمعت إلى صوت بكاءٍ يأتي من داخل غرفة سما.
توجهت نحوها بقلق، فهي تريد أن تعرف ما بها، فقد كانت تضحك معها منذ دقائق فقط.
فتحت باب الغرفة، لتجد سما منهارةً تمامًا من البكاء.
جلست بجانبها، متحدثةً بقلق:
- ماذا بكِ سما؟ لقد كنتِ بخير منذ دقائق! لماذا تبكين يا حبيبتي؟
نظرت إليها سما بعينين حمراوين من أثر البكاء، ثم تحدثت بحزن بعدما توقفت قليلًا:
- لقد تشاجرت مع إبراهيم قبل قليل.
نظرت إليها ريم باستغرابٍ كبير:
- وهل يستدعي ذلك كل هذا البكاء؟
عادت سما للبكاء مجددًا، ثم أجابتها:
- أجل، يستدعي كل ذلك. فلقد استفزني بحديثه كثيرًا، وطلبت منه الطلاق، فقام بسبي وسب عائلتي، وما زال يرسل لي الكثير من السباب.
عقدت ريم حاجبيها باستغراب.
متى حدث ذلك؟ فإبراهيم ليس موجودًا هنا.
ثم تذكرت أنهما يتراسلان عبر أحد مواقع التواصل، لتخاطبها بإشفاق:
- حسنًا، اهدئي يا سما، وخذي نفسًا عميقًا. ثم إنها ليست المرة الأولى التي يسبكِ بها، أليس كذلك؟
تنهدت سما وهي تمسح دموعها بظاهر كفها:
- هذا صحيح، لكنني لم أعد أستطيع التحمل يا ريم. أرجوكِ ساعديني لأحصل على الطلاق منه. صدقيني، سوف يرتاح الجميع، ويعود إليكِ إبراهيم كما كان في السابق.
ضحكت ريم بسخرية، وهي ترفع شعرها إلى الأعلى بعدما حلّت رباطه:
- وهل تظنين أنني إن أخبرت إبراهيم بأن يطلقكِ سوف يستمع إليّ؟ ثم من قال لكِ إنني سوف أرتاح؟ يبدو أنكِ نائمة وتحلمين بذلك.
حركت سما رأسها نافية، ثم أجابتها:
- أنتِ مخطئة يا ريم، فلو كنتُ مكانكِ لكنتُ سعيدةً للغاية.
حركت ريم رأسها بيأس من حديثها:
- ولكنني لستُ أنتِ يا سما. اهدئي الآن، وكفاكِ بكاءً كالأطفال، وعودي لرشدكِ، وتذكري بأنكِ تحبينه ويحبكِ، ولا تنسي أن...
قاطع حديثها رنين هاتف سما.
نظرت إليه لتجد اسم إبراهيم يضيء على الشاشة.
وضعت سما الهاتف على وضع السكون، لتنظر إليها ريم باستغرابٍ وتعجب من فعلتها:
- ألن تجيبيه؟ سما، أنتِ هكذا تغضبينه أكثر، فهو لا يحب أن يتجاهله أحد، وعندما يأتي سوف يقوم بضربكِ ولن يرحمكِ، صدقيني.
أجابتها سما بيأسٍ تام:
- لا تقلقي، فهو في جميع الأحوال سوف يقوم بضربي.
حاولت ريم معها مرةً أخرى كي تثنيها عن فعلتها، لكن الأخرى لم تستمع إليها.
وما هي إلا دقائق حتى ارتفع رنين هاتف ريم.
نظرت إلى سما بعدما علمت المتصل، ثم تحدثت:
- إنه إبراهيم، سوف أجيبه، ولا تصدري صوتًا.
أومأت لها سما، لتقوم ريم بإجابة إبراهيم بهدوء:
- مرحبًا إبراهيم، كيف حالك؟
أجابها إبراهيم بغضبٍ طفيف:
- أنا بخير، لكن أين تلك الحمقاء سما؟
أجابته ريم بارتباك، وهي تنظر إلى سما:
- أعتقد أنها نائمة، لأنها في غرفتها، لم أرها تخرج، فأنا أقوم بتنظيف المنزل.
تنهد إبراهيم بضيق، ثم أجابها زافرًا:
- حسنًا، إذا حدث أي شيء فقط هاتفيني إلى أن آتي.
أغلقت ريم الهاتف، ثم نظرت إلى سما متنهدةً براحةٍ قليلة:
- لقد دبرت أمركِ، وأرجو أن يسامحني الله. أريحي نفسكِ الآن، وأنا سأكمل تنظيف المنزل.
أومأت لها سما، لتبتسم لها ريم.
وقبل أن تغلق باب الغرفة، أخذت نفسًا عميقًا، وهي تفكر:
لماذا لا تريد لسما الطلاق؟
هل لأنها لو تطلقت سما، لن تستطيع هي أخذ حريتها من إبراهيم؟
أغمضت عينيها، لتنتظر ما هو قادم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!