الفصل الثالث والسبعون
**
فتح سليم الباب بابتسامةٍ هادئة، لكن تلك الابتسامة تلاشت فورًا عندما وقعت عيناه على الزائر الواقف أمامه.
تجمد للحظة، لم يكن يتوقع رؤيته أبدًا، أما الصدمة الأكبر فكانت من نصيب جرير، الذي احتاج إلى عدة لحظات ليستوعب ما يراه أمامه؛ فالرجل الذي وقف أمامه هو نفسه سليم... زوج ابنته ريليان.
حدق به بعدم تصديق، وكأن عقله يرفض تقبل الأمر، ثم خرج صوته مشوشًا بين الدهشة والإنكار:
- أهذا أنت؟!
أومأ سليم له مؤكدًا، وبقي ممسكًا بالباب الذي أغلق نصفه، بعدما خرج إليه إلى خارج المنزل احترامًا لخصوصية المكان:
- مرحبًا بك سيد جرير.
أرجع جرير رأسه إلى الخلف قليلًا، وارتسمت على ملامحه ابتسامة استنكارٍ صريح، يحاول استيعاب المفاجأة:
- كيف هذا؟... ءأنت زوج ريليان؟
ابتسم سليم بهدوء، رغم التوجس الذي بدأ يتسلل إلى داخله، خاصة بعدما خطر في باله احتمال أن يكون وجود جرير هنا خطرًا على ريليان.
أومأ مؤكدًا:
- أجل، هذا صحيح.
راقب سليم ملامح جرير بحذر؛ نظراته المضطربة، وغضبه الذي بدأ يتصاعد، وتشنج عضلات وجهه وكأنه يحاول السيطرة على نفسه.
لكن جرير لم يستطع ذلك.
اندفع نحوه فجأة، وأمسك بتلابيب قميصه الأزرق بعنف:
- أأنت هو؟! ألم تجد غير ابنتي وتتزوجها يا هذا؟!
ثم هزه بقوة، وصوته يعلو بالغضب:
- ألم تجد غير بيتي لتدمره وتقلبه رأسًا على عقب؟! ألم يكفِ أنك إرهابي وتحاول سحر الآخرين بحديثك ودينك وأكاذيبك؟! ألا يكفي ما تفعله بنا حتى تقترب مني، وأنت تعلم علم اليقين مقدار الكره الذي أحمله لك؟!
اقترب منه أكثر، وعيناه تشتعلان بالغضب:
- أخبرني... من سلّطك عليّ يا هذا؟ من هو مُرسلك؟
وما إن أنهى كلماته حتى وجه لكمةً نحو وجه سليم.
أغلق سليم عينيه للحظة من أثر الألم، وشعر بحرارة الضربة الطفيفة على وجهه، لكنه بقي ثابتًا، يحاول ضبط نفسه.
في الداخل...
كانت ريليان ترتجف بمجرد أن وصل إلى مسامعها صوت والدها.
لم تكن تعرف كيف وصل إلى هنا، ولا كيف عرف طريقها، لكن سؤالًا واحدًا أخذ يدور في عقلها:
هل يعرف أبي سليم من قبل؟
بالتأكيد...
فحديثهما يثبت أنهما التقيا سابقًا.
تشبثت بغطاء الطاولة بقوة، وأصابعها ترتجف من الخوف، بينما اقتربت منها ابتهال وربتت على كتفها بحنان محاولةً تهدئتها.
لكن صوت ارتطامٍ قوي بالباب جعل الجميع يلتفتون برعب.
كان الصوت أشبه بجسدٍ اصطدم به، فاهتزت حدقتا ريليان خوفًا أكبر، وهي تتخيل أن جرير سيدخل المكان غاضبًا.
التفتت ابتهال بسرعة نحو سارة التي كانت تراقب الباب بتوتر، ثم همست لها بعجلة:
- اذهبي إلى غرفتكِ يا سارة، ولا تخرجي منها أبدًا... لا تقلقي، سنلحق بكِ حالًا.
نظرت إليها سارة بتوجس، فأومأت لها ابتهال بابتسامة مطمئنة، لتتجه نحو السلم وهي تدعو الله أن تمر الأمور بسلام.
عادت ابتهال بنظرها إلى ريليان، التي أمسكت يدها بقوة، وهمست بصوت مرتجف:
- سوف يفتك بي، أليس كذلك أمي؟... سوف يتخلص مني إن...
لكن كلماتها توقفت عندما دوى صوت جرير وهو ينادي اسمها.
- ريليان!
تصلبت أطرافها في مكانها.
كان صوته كافيًا ليهز البيت بأكمله، وكأنه عاد بها إلى كل لحظة خوف عاشتها معه.
نهضت بسرعة، وقلبها يطرق صدرها بعنف، فسقط المقعد خلفها على الأرض.
كادت أن تتراجع خطوة، لكنها اصطدمت بجرير الذي وقف أمامها.
رفع عينيه إليها...
كانت عيناه حمراوين من الغضب، ونظرته جعلتها تشعر وكأنها أمام شخصٍ لا تعرفه.
وخلفه ظهر سليم بخطواتٍ سريعة، يمسح الدماء العالقة بجانب عينه، وهو يخاطبه بحزم:
- للبيت حرمة يا سيد جرير... توقف عندك، إلى أين أنت ذاهب؟
ابتعدت ابتهال قليلًا، وحمدت الله أنها ما زالت ترتدي حجاب الصلاة، ثم وقفت بعيدًا.
خرج صوت ريليان ضعيفًا، وكأنه بالكاد غادر حلقها:
- أبي...
تقدم جرير نحوها بخطواتٍ بطيئة، وكأن كل خطوةٍ منه تحمل معها غضبه المتراكم منذ أيام.
لكن سليم أسرع بالوقوف إلى جانبها، بعدما شعر بارتجاف يدها، فأمسك بها برفق وضغط عليها بخفة، وكأنه يخبرها دون كلمات:
أنا هنا... لا تخافي.
ابتسم لها للحظة ليمنحها بعض الطمأنينة، ثم رفع عينيه نحو والدها.
كان في داخله يريد هذه المواجهة منذ وقتٍ طويل...
يريد أن يشرح له، أن يجعله يرى حقيقة ابنته، وربما أن يلين قلبه تجاهها.
لكن نظرات جرير إليها لم تكن نظرات أبٍ مشتاق لابنته.
كانت نظرات غضبٍ عارم، وكأنه يرى أمامه خصمًا لا ابنته.
لذلك تراجع عن فكرته.
وضع ريليان خلفه بحماية، ثم خاطب جرير بهدوء:
- يمكننا التفاهم يا سيد جرير.
لكن جرير لم يلتفت إليه حتى.
بقيت عيناه مثبتتين على ريليان، التي كانت تتمسك بسليم وكأنها تستمد منه قوتها.
خرج صوته باردًا وحاسمًا:
- لا يوجد تفاهم بيننا يا هذا... أعطني إياها دون إحداث أي ضجة، وصدقني لن أظهر أمامك مطلقًا.
نظرت ريليان إلى سليم بترقب، تريد معرفة ردة فعله.
فأمسك سليم بيدها اليسرى، ورفعها أمام جرير، وكأنه يعلن موقفه أمام العالم كله:
- إنها زوجتي يا سيد جرير... أعتذر منك، لا يمكنني إعطاؤها لك. أنا لا أتخلى عنها.
عادت ريليان بنظرها إلى والدها، وقلبها يخفق بقوة.
لم تكن تتوقع أن تشعر بهذا القدر من الأمان بمجرد سماع كلمة واحدة منه.
زوجتي...
كلمة بسيطة، لكنها جعلتها تشعر أنها لم تعد وحيدة في مواجهة خوفها.
أما جرير، فضغط على أسنانه بغضبٍ شديد، وتحرك فكه محاولًا السيطرة على انفعاله.
اقتربت ريليان من سليم أكثر، ورفعت جسدها قليلًا على أطراف أصابعها، وما زالت متشبثة بذراعه، ثم همست بخوف:
- أنا خائفة يا سليم إنه غاضب جدًا، أعلم هدوءه هذا... خلفه بركان سينفجر، وسيتسبب لنا بمشاكل.
ظل سليم يراقب جرير، لكنه كان يستمع إليها جيدًا، أما جرير فحرك رقبته محاولًا تهدئة نفسه.
أدرك أن أسلوب القوة لن يجعلها تعود معه، فغير طريقته، ورسم ابتسامةً مصطنعة وهو يخاطبها:
- ريليان حبيبتي... ألم تشتاقي لنا؟ البيت مظلم بدونكِ، ثم إن رلين ليست بخير أبدًا، لأنها ليست بجانبكِ. هيا عودي معي، وأعدكِ ألا أمسّك بسوء.
توقفت ريليان للحظة عندما سمعت اسم شقيقتها، تغيرت ملامحها، لكن ما إن سمعت وعده حتى هزت رأسها بالنفي، وتشددت أكثر بذراع سليم:
- لا أريد يا أبي... أنا متزوجة الآن. وغير ذلك، لن تفي بوعدك، وستقوم بحبسي داخل تلك الغرفة مجددًا كالسجينة... ألا تذكر ما فعلته بي ذلك اليوم؟
ضغط جرير على يديه، لكنه حافظ على ابتسامته:
- لن أفعل... صدقيني.
ثم تابع وهو يلاحظ التردد الذي ظهر في عينيها عند ذكر رلين:
- ألم تشتاقي لرلين؟ إنها متعبة جدًا، وأصبحت شخصًا آخر... إنها تحتاجكِ.
لمعت عينا ريليان بالدموع.
رلين، اسم شقيقتها وحده كان كفيلًا بإضعافها، اشتاقت إليها كثيرًا.
خرج سؤالها مترددًا:
- هل هي متعبة حقًا يا أبي؟
أومأ جرير بصدقٍ مصطنع:
- أجل... إنها متعبة للغاية.
ثم اقترب قليلًا محاولًا استمالتها:
- هيا عودي معي، أعدكِ أنني لن أفعل لكِ شيئًا. وهذا وعد قسيس، وليشهد الرب والعذراء على ذلك.
أغلقت ريليان أذنيها فورًا، وهزت رأسها بعنف، ذلك الوعد، تذكرت كم مرةٍ قطعه لها، وكم مرةٍ صدقته ثم تألمت بعدها، رأى جرير رد فعلها، فأدرك أنها تذكرت ارتباطها السابق بدينها.
لذلك تابع محاولًا التأثير عليها أكثر:
- صدقيني... إن أعلنتِ ندمكِ وتوبتكِ، فسوف تسامحكِ العذراء، وسيسامحكِ اليسوع على فعلتكِ هذه.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!