الفصل الثاني والثمانون
**
أخذت ريليان الهاتف من سارة بأنامل مرتجفة، ووضعته على أذنها، ثم تحدثت بصوتٍ ضعيف مهزوز، يكاد لا يصدق ما يحدث:
- رلين!
أتاها صوتها الجامد بعد برهة وهي تتحدث ببرود:
- أجل.
شعرت وكأن روحها عادت إليها من جديد بمجرد سماع صوتها. لم تنتبه إلى تلك النبرة الباردة، ولا إلى القسوة المبطنة في حديثها. جلست أرضًا بعدما عجزت قدماها عن حملها، وخاطبتها بصوتٍ مشتاق، وقد بدأت الدموع تترقرق في مقلتيها:
- اشتقتُ إليكِ يا رلين، اشتقتُ لصوتكِ يا حبيبتي.
أكملت بضعفٍ بالغ:
- أنا لستُ على ما يرام، وأعلم أنكِ كذلك. لقد اشتقتُ إليكِ أكثر مما تتخيلين.
أغمضت رلين عينيها بقوة. لم تكن تريد أن تضعف أمامها، ولا أن تنهار لمجرد سماع صوتها.
وضع أمبر يده على كتفها في محاولةٍ لتشجيعها، فقد جاءت إليه رلين في ذلك الملهى الذي يرتادونه دائمًا، وقصت عليه أمر الرقم الذي يستطيعون من خلاله الوصول إلى ريليان، فأخبرها أن تهاتفها الآن لكسب الوقت.
فتحت عينيها بضعف، ونظرت إليه، فأومأ لها أن تجاريها في الحديث.
أخذت نفسًا عميقًا تستجمع به قوتها، ثم أجابتها بصدقٍ حاولت عبثًا أن تكذبه حتى على نفسها قبل أمبر:
- وأنا أيضًا اشتقتُ إليكِ يا ريليان.
رفع أمبر إبهامه ضامًا بقية أصابعه علامةً على أن ما تفعله جيد، لكنه لم يكن يعلم إن كانت تتحدث معها بمشاعر صادقة أم لا، ولم يكن ذلك يهمه في هذه اللحظة.
أكملت بهدوء:
- ألا تريدين العودة يا ريليان؟
نظرت ريليان نحو سليم، الذي جلس بجانبها منذ أن جلست أرضًا خوفًا عليها من الانهيار، وقد غرق كفها الصغير بين يديه الكبيرتين.
ابتسمت له بسعادةٍ وامتنان، ثم أجابتها وهي تعانق عينيه بصدق:
- إلى أين أعود يا حبيبتي؟ أنا الآن متزوجة، وأحب زوجي.
أكملت برجاءٍ حار قبل أن تترك لها فرصة الرد:
- رلين، يا حبيبتي، أرجوكِ تفهمي أمري. إن كنتِ تحبينني حقًا، فسوف تتمنين لنصفكِ الآخر السعادة، أليس كذلك؟ اعتبريني تزوجت أمــ...
بترت حديثها بسبب أنفاس سليم التي ثارت غضبًا، وقد أغمض عينيه آخذًا نفسًا عميقًا.
ابتسمت له بتوتر خشية أن يزداد غضبه، ثم أكملت وهي تتهرب من عينيه بعدما فتحهما:
- كنتُ في يومٍ من الأيام سأتزوج، لذلك اعتبريني رحلتُ من بيتكم إلى بيت زوجي.
أغمضت رلين عينيها بقوةٍ شديدة حتى لا يخرج صوتها الغاضب، فقد استطاعت ريليان أن تحولها إلى وحشٍ خلال ثانيةٍ واحدة فقط بهذا الرد.
فتحت عينيها وهي تضغط على أصابع يديها بقوة، ليربت أمبر على كتفها عندما لمح العروق البارزة من شدة غضبها.
نظرت إليه بعجز، وكأنها تخبره أنها لم تعد تستطيع المواصلة، لكنه حدجها بنظرةٍ حازمة أن تكمل، وإلا فلن تنجح خطتهم.
زفرت بضيق، ثم تابعت وهي تخفي غضبها بصعوبة:
- لكنكِ بدلتِ دينكِ يا ريليان، وتركتِني وحيدة. أريدكِ هنا بجانبي، صدقيني، سوف تجعلينني أعود إلى غضبي وحالتي السابقة مرةً أخرى. أنتِ لا تعرفين ما الذي مررتُ به.
زفرت ريليان بضيقٍ خفيف، ثم أجابتها بلطف:
- وهل تظنين أنني لا أريد ذلك أيضًا؟ لا أريد هذا البعد الذي يسحق كل شيءٍ حلمنا به. لا أريد أن نكون كالبقية يا رلين. أريد أن أراكِ، كلما اشتقتُ إليكِ آتي إليكِ، وكلما احتجتُكِ أجدكِ، وكلما حزنَّا نكون بجانب بعضنا، نتشارك السعادة والحزن معًا. ألا أستحق أن تتغاضي عن هذا الأمر من أجلي؟
عبثت رلين بخصلات شعرها بغضبٍ شديد، وقد أقسمت على تنفيذ تلك الخطة، ولا تراجع عن ذلك.
لقد أرادت أن تمنحها فرصةً لتتراجع، لكنها هي من اختارت العواقب.
أجابتها بشيءٍ من الجمود:
- كما تشائين يا ريليان، لن أضغط عليكِ الآن. عندما تأتين إلى زفاف ستيف سنتحدث في هذا الأمر. ستأتين، أليس كذلك؟
أجابتها بسعادةٍ كبيرة بعدما تجاوزت صدمتها:
- ستيف! هل سيتزوج حقًا؟ متى سيكون ذلك؟
ابتسمت رلين بإشفاقٍ نحو أمبر، الذي ابتسم هو الآخر عندما سمع سؤالها بعدما فعّلت خاصية مكبر الصوت.
لقد اشتاق إليها وإلى صوتها، مهما حاول إنكار ذلك.
أجابتها بتريث:
- بعد أربعة أيام من اليوم. سيكون في الكنيسة التي يعمل بها والدي، لكننا سنتحدث في منزلنا، فما زال أبي غاضبًا منكِ.
خفت حماستها، ونظرت إلى سليم بتوجس، خشية أن يمنعها من الذهاب، ثم تنهدت بثقل وأجابت:
- حسنًا... سأحاول أن أنتظركِ في منزلنا يا عزيزتي.
خاطبتها بعدما لم تجد منها ردًا:
- رلين... كيف حال أبي وأمي وإخوتي؟
كان أمبر يريد من رلين أن تطيل الحديث معها ليستمع إلى أكبر قدرٍ ممكن من صوتها الذي افتقده، لكن رلين أنهت المكالمة دون اكتراث، فهي تعلم أنها إن واصلت الحديث أكثر، ستفقد أعصابها لا محالة.
اجابتها باقتضاب:
- بخير، لكن عليّ أن أغلق الآن... وداعًا.
نظر إليه أمبر بضيق، ثم تساءل:
- لماذا أغلقتِ معها يا رلين؟
جابت الغرفة ذهابًا وإيابًا، فقد كانوا في غرفةٍ منعزلة عن الأصوات الصادرة من الداخل، ثم واجهته بعينين تقدحان غضبًا:
- بداخلي وحشٌ نائم، وليس ميتًا يا أمبر. أنصحك بشدة ألا تفكر في إيقاظه، فابتعد عني الآن... هذا لمصلحتك!
زم شفتيه بضيق من أسلوبها، لكنه آثر الصمت. لم يكن يريدها أن تعود إلى حالتها السابقة، خاصةً وهي في هذا المكان.
التقطت سترتها السوداء، واتجهت نحو الخارج، وقبل أن تغادر استدارت إليه مردفة:
- إن كنتَ تريد ريليان حقًا، فابتعد عن آليس. إنها تحبك، وأنت بسماحك لها تقترب منك أكثر. أما إن كنت قد تخليت عن حبك لريليان، فأنت حرٌّ في حياتك.
جلس أمبر على المقعد بعدما خرجت، وأسند رأسه بين يديه متنهدًا بعمق.
حقًا... لقد بدأ ينسى ريليان مع آليس ومحاولاتها الدائمة لإسعاده، لكن ما إن استمع إلى صوتها قبل قليل، حتى بعث ذلك الحب المدفون من جديد.
أرجع رأسه إلى الخلف، ثم التقط هاتفه واتصل بآليس، وما إن أجابته حتى بادرها:
- تعالي إلى الملهى، مزاجي معكر... لا تتأخري.
««::::::::::::-::::::::::::»»
ارتمت ريليان بين ذراعي سليم تعانقه بسعادةٍ بلغت عنان السماء.
خرجت سارة بخجل، وأغلقت الباب خلفها، تاركةً هاتفها معهما.
أما سليم، فلم يتحرك ولم يُبدِ أي ردة فعل، فما زالت فكرة أنها كانت ستصبح زوجةً لذلك السمج تعكر صفو قلبه.
ابتعدت عنه، ثم هتفت بفرحةٍ طفولية:
- لقد حادثتني! إنها تشتاق إليّ كما أشتاق إليها يا سليم، إنها ليست غاضبة مني.
ثم عادت لتعانقه بقوةٍ أكبر، وأردفت بسعادةٍ غامرة:
- أنا سعيدة... أنا سعيدة يا سليم.
بعناقها له، خففت من ثورته، واستطاعت أن تمتص شيئًا من غضبه الذي كان يجتاحه.
بادلها العناق متنهدًا، إلا أن شيئًا من الضيق ما زال يسكن صدره.
ابتعدت عنه قليلًا، وما زالت بين ذراعيه، ثم سألته بتوجس:
- سليم... هل تسمح لي بحضور زفاف أخي؟
زفر بقوة، ثم أوضح لها:
- انظري يا ريليان، دخول الكنائس إذا خلت من المنكرات والمعاصي جائز، ولا حرج فيه، ولا مانع من الصلاة فيها إن كانت نظيفة. لكن إذا وُجدت فيها منكرات أو معاصٍ، فلا يجوز دخولها. وليس هذا خاصًا بالكنائس، بل بكل مكانٍ تُقام فيه البدع والمنكرات.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!